حداثة و ديمقراطية

من أسبابِ الجمودِ السياسي.

رغم أن الزمن متقدم في ذلك الوقت فهو القرنُ السابع عشر الميلادي، وفي إنجلترا، حدثت حركةٌ اجتماعيةٌ غريبة متناقضة، فقد استطاعت الحركةُ البيوريتانية أن تقيمَ أولَ نظامٍ ديمقراطي في العصر الحديث، وتشكلَ مَلكيةً دستورية ثم جمهوريةً ثم تعود إلى المَلكيةِ الدستورية التي استقرت إلى يومنا هذا!الحركةُ المذكورةُ حركةٌ دينية متعصبةٌ شكلتْ مذهباً تطهرياً متشدداً، ومع هذا تقودُ أولَ ثورة برجوازية ديمقراطية ناجحة في التاريخ!تفسير ذلك ان هؤلاء المتعصبين دينياً كانوا متحمسين تجارياً، وقد فصلوا بين معتقداتهم الدينية والحياة السياسية والاقتصادية رغم أن لديهم آراءً فكرية واهية في تفسير الواقع، وآمنت هذه الطائفة (بضرورة اعتماد الإنسان على جهده الفردي اعتماداً كاملاً لتحقيق الثراء في الحياة الدنيا)، (واعتبرتْ النجاحَ المادي معياراً لرضاء الله على الفرد)، (الإلحاد في الغرب، رمسيس عوض، دار سينا للنشر، ص 43).ركزت الحركة البيوريتانية على الحريات ونشر شاعرها الكبير ميلتون كتيباً دفاعاً مجيداً عن حرية الصحافة، وتنامت نضالاتُها التجاريةُ والسياسية حتى أقامت أول دولة ديمقراطية في التاريخ الحديث.تعود أسباب اختلاف نشأة الحركة وأفكارها عن الشرق إلى كون المدن التي نشأت وتطورت لم تكن مدناً قبلية، ولم تكن الجماعات العشائرية هي أساس التكوينات الاجتماعية، وأن الدولة لم تكن مهيمنة على الأملاك العامة كالدول الشرقية.وكان الكثيرون من قوى الحركة أصحاب صناعة وتجارة، وكان فيهم التجار الصغار والعمال كذلك، ورغم ظهور نزعات سياسية فكرية في الحركة وميل البعض الكادح للاشتراكية فإن الطابع الرأسمالي الفردي كان كاسحاً وعبره أحدثت التطورات المذكورة واستعمرتْ بريطانيا بلاداً كثيرة في العالم!حركة دينية متشددة في فقهها المسيحي الخاص لكنها اعتبرت تأسيس الرأسمالية والحريات الاقتصادية والسياسية والفكرية هو نشاطها المحوري.وهذا هو الفرق الرئيسي بين تلك الحركة الدينية البريطانية والحركاتُ الدينيةُ في العالم الإسلامي، التي هي في جوهرِها الباطني حركاتُ رأسماليين وباحثين عن المال والكسب الاقتصادي المشروع لكن آراءهم الفقهية تعيق تبلور المضمون المتواري في حركاتهم.لماذا يحدث ذلك؟ علينا قراءة بعض الوقائع.ان الحركات المذهبية والدينية في العالم الإسلامي نشأت على أسس القبلية والمناطقية المدنية، فتجد أن مناطق معينة سكنتها قبائل قبل فترة طويلة تحولت تدريجياً إلى مذهب معين. وقام المذهبُ بالحفاظ على البناء القبلي العشائري، الذي تجمد وغدا محافظاً كرس المحافظة السياسية، وسواء تمظهرت القيادة في شيخ قبيلة أو شيخ دين، فإن المشيخةَ تعبيرٌ عن سلطة قرابية تعززت عبر المذهب.في حين نشأت المدن الغربية على أساس أنها أسواق، جاءتها طبقاتٌ وتغلغلتْ في أحيائها حسب مداخيلها. فيها يظهرُ الفردُ حراً، ليس ثمة سلطةٌ مسبقةٌ قرابية ايديولوجية تخضعهُ لسلطانها منذ الصغر فينشأ غير قادر على التكون الفردي الحر، إضافة إلى وجود وسائل النشر والتثقيف المختلفة، وحرية المطبوعات التي تجعله يختار ما يريد من آراء وتوجهات.لم يعدْ الفردُ هنا جزءًا من جماعة متصلبة ليس فيها تنوع وحريات، هناك حقاً تجمعات دينية وسياسية مختلفة، وتكريس العقيدة يتم لدى الحركة البريطانية بقوة ولكن ميدان الحرية الفكرية والسياسية والاقتصادية ميدان مقدس، أو هو يتطور بشكلٍ تاريخي مستمر بدءًا من حق التصويت إلى حرية الفكر المطلقة.

الفردُ العربي يُقولبُ من البيت الذي هو جزء من سلطة، فلم توجد حركاتٌ كرستْ الحريات في كل خلايا الحياة بدءًا من التربية المنزلية، حتى يصل إلى المدرسة التي تقولبه سياسياً بشكل شاحب، فيخرج كنمط معلب، قدراته على التميز والاختلاف محدودة.الجماعةُ القرابيةُ الدينيةُ الإسلامية بهذه المواصفات جاءتْ لها دولٌ شموليةٌ اقتصادياً وسياسياً وألحقتها بها، فربطتها برأسمالياتِ دولٍ متصلبة وحتى العائلات التجارية ذات النشاط الاقتصادي الخاص الحر تتعرضُ لتأثير هذه الدول، ولا تستطيع إلا أن تسايرها أو تساير المعارضات التي تكونُ هي الأخرى نسخاً من الدول!العائلاتُ البريطانية والمذاهب وبالتالي الطبقات والفكر والفلسفات والاتجاهات السياسية ارتبطتْ بمناخ الحريات الأولية وبنمو السوق وصراعاته وهي الأمور التي أدت إلى تفجير القدرات الخاصة والعامة في الإنتاج الاقتصادي والإنتاج الفكري.بينما سنجدُ ان النشاطَ الاقتصادي الحرَ في العالم الإسلامي ذو تأثير محدود في وعي الفرد لأنه مربوط ببنيةٍ اجتماعية تقليدية تشل قدراته على الإبداع الواسع في مختلف المجالات.

لعبد الله خليفة.

الحوار المتمدن_موقع حزب الحداثة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate