حداثة و ديمقراطية

الحداثة والتحديث في التربية.

رغم أن الباحثون في ميدان التربية يرسمون حدودا فاصلة بين مفهومي الحداثة والتحديث إلا أن الواقع يظهر كل يوم التداخل الكبير بين المفهومين ، فغالبا ما يجري استخدام مفهوم “التحديث” للدلالة على “الحداثة” وعلى خلاف ذلك كثيرا ما يستخدم مفهوم “الحداثة” للإشارة إلى “التحديث” ، وهذا ما نلاحظه بوضوح في رغبة الكثير من المعلمين في إدخال الحاسوب في مقرراتهم دون معرفة مسبقة لدوره كتقنية حديثة ، وهل هذا يحقق الحداثة أم التحديث. يتمايز مفهوم “الحداثة” Modernity عن مفهوم “التحديث” Modernization في كثير، حيث نجد “الحداثة” تعبر عن موقف عقلي تجاه مسألة المعرفة وإزاء المناهج التي يستخدمها العقل في التوصل إلى معرفة ملموسة ، أما “التحديث” فيقتصر على استجلاب التقنيات الجديدة ، بحيث توظف في مجال التربية أو غيرها بغرض إحداث تغيير عقلي أو ذهني محدود للمتعلم ، فأنصار الفكر القديم يتعاملون مع التقنية الحديثة دون أن يأخذوا بالروح العلمية أو الفلسفية لهذه التقنية ، ومن أجل أن نفهم جوهر “الحداثة” يتوجب علينا أن ندركها كطاقة مجددة متحركة منطلقة تمثل الماضي والحاضر وتعيد إنتاجهما بروح مستقبلية جديدة ، كما يعني مفهوم “الحداثة” بأنه بالموقف المتكامل للمعرفة ، الذي يعتمد على استخدام العقل بطريقة منظمة للتوصل إلى معرفة تفاعلية ملموسة للواقع ، أما “التحديث” فهو مجرد إدخال للمخترعات الحديثة (بالمعنى الزمني للكلمة) إلى مجال التربية أو غيره ، بقصد إجراء تحديث شكلي أو خارجي، لا يرافقه أي تغير جذري مقصود في مناهجنا الدراسية ومخرجاتها. وعلى الرغم أن مفهوم “الحداثة” يمثل نواة تطور العملية التعليمية في مجتمعنا ، والتي بدونها سيظل هذا المجتمع على حافة الهاوية ، إذ يشمل مفهوم “الحداثة” مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والتي تؤثر كثيرا في نجاح دور التعليم ، إلا أنه يأخذ اليوم مكانه في حقل المفاهيم الغامضة في مجال التربية ، ويشتد هذا الغموض لدى العاملون في مجال تكنولوجيا التعليم ويأخذ مداه ليطرح نفسه إشكالية فكرية هامة تتطلب بذل مزيد من الجهود العلمية لتحديد مضامينه وتركيباته وحدوده. أن ما نأخذ به في مؤسساتنا يعني مظاهر “الحداثة” وقشورها ، وليس اللحظة الواعية نحو اندفاعة تعليمية قادرة على إحداث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والبنائية للمجتمع ، فالحداثة هي حالة تعمل في بوتقة الروح الاجتماعية وتتجلى في مظاهر الجسد الاجتماعي بكل متناقضاته ، أما “التحديث” فقد يكون حالة من حالات الاستيراد المنظم لشكليات الحداثة من أجهزة وبرامج تعليمية دون دراسة لواقع الجسد التربوي واحتياجاته الفعلية. أن الواقع يؤكد أن مؤسساتنا التعليمية ما زالت تأخذ طابع المحاكاة الجوفاء لمظاهر المدنية الغربية ونماذجها الحضارية ، وهذه المظاهر لا تنم عن حالة حضارية أو حداثية تنبثق من صميم مجتمعنا وتتكون في رحمه الحضاري مما يجعل هذه النماذج الحضارية تتعارض مع تكوين مؤسستنا التعليمية ، وهذا يعني بصراحة ودون تشاؤم ، أن استجلاب مظاهر الحداثة من الغرب قد يؤدي إلى مزيد من الاحتضار في مخرجاتنا ، وربما السبب لقبول البعض ورفض البعض الأخر للحداثة ، مما يعني أننا نعيش واقع تعليمي غير ذي هدف ، فنجد تربويون تقليديون يمارسون حياتهم وفق معايير وقيم تقليدية ، وآخرون يعيشون وفق أحدث المعايير العصرية دون أن يتمثل روح هذه المعايير ويتشرب من تدفقاتهم الذاتية ، ووفقا لهذه التصور فإن ما لدينا يأخذ صورة متناقضة مع الحداثة الحقيقة. من هذا المنطلق يتبين لنا أن تحديث مؤسساتنا التعليمية ، ما زال بعيد عن امتلاك الحداثة الفعلية ، عن الروح العلمية الكامنة في أصل هذه الحداثة ، في القدرة على إنتاجها وتصنيعها أو تعديلها ، حتى يمكن أن تمتلك الروح العلمية الكامنة في أصل هذا التحديث الذي انتقل بها من مظاهر الحداثة إلى جوهرها ومن ثم إلى عملية الإبداع والابتكار في مجال التعليم والتعلم. لا تؤاخذوني فنحن نعيش في مؤسساتنا التعليمية على فتات الحداثة وقشورها ، وبالتالي فإن الروح الحقيقية لتلك الحداثة لم تأخذ مكانها في البنية التعليمية لدينا ، خاصة وأن المضمون الحقيق للحداثة يتحدد في وجهين ؛ الأول يتجلى المحيط الإنساني من المنجزات المادية والتطورات العلمية والتكنولوجية ، ويتجلى الوجه الأخر في السلوك والشعور والقيم الإنسانية ، فالحداثة لا تقوم بذاتها وإنما تتأصل في النسق الاجتماعي الذي يشمل الوجهين المادي والمعنوي. أن “الحداثة” هي التجديد والنشاط الإبداعي دون الحاجة للتحديث فقط بإدخال الكمبيوتر دون وعي في كل مقرراتنا ، فحيث نجد إبداعا نجد عملا حداثيا ، وبهذا المعنى فإن “الحداثة” ظاهرة تاريخية إنسانية عامة نجدها في مختلف الثقافات، وتتحدد “الحداثة” في هذا المعنى بعلاقتها التناقضية مع ما يسمى بالتقليد ، فالحداثة خروج عن التقاليد لحالة من التجديد. أن “الحداثة” هي غير بعدها الزمني ، مفهوم فلسفي مركب قوامه سعي لا ينقطع للكشف عن صورة نسق اجتماعي متكامل ، وملامح نسق صناعي منظم وآمن، وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات ، فالحداثة تتميز بأنماط وجود وحياة وعقائد مختلفة كليا عن ما يعتقده البعض ، إن “الحداثة” تستند إلى فكرتين أساسيتين هما: فكرة الثورة ضد التعليم التقليدي، وفكرة مركزية العقل لتوظيف كل ما هو جديد ، ولذا فالحداثة في التعليم تعني البحث المستمر والسيطرة على مدخلات ومخرجات العملية التعليمي للتطوير المستمر من اجل الارتقاء الدائم بالمتعلم. إن “الحداثة” مفهوم متعدد المعاني والصور، ولذا فالأخذ به في التعليم يحتم رؤية جديدة لإعادة توظيف العاملين في العملية التعليمية بطريقة بمنهجية عقلية مرهونة بزمانها ومكانها”، كما إنها رفض لجمود العقل والانغلاق في تقبل الجديد والقبول بمبادئ الانفتاح والتفاعل مع الثقافات الإنسانية الأخرى . في النهاية نؤكد أن “الحداثة” مفهوم يدور في فلك الإبداع الذي يعد دائما نقيض الإتباع ، كما يعني العقل الذي هو نقيض النقل ، ومع ذلك يعتقد الكثيرون أن نجاح العملية التعليمية في المقام الأول يعني إدخال التقنيات الحديثة كالكمبيوتر وتوابعه ، إلا أننا في الحقيقة لا نملك من قيمتها إلا احتواءها ، أي أننا نعيش قشور الحداثة التربوية ، التي أصبحت انعكاس على بنية الحياة الاجتماعية في مجتمعنا العربية ، والتي مازالت تتأصل فيها التبعية التي تغيب معها القيم الإنسانية الأصيلة التي تضع الإنسان في صدارة غاياتها.

لد. خـالـد مـحـمـد فـرجـون.

كنانة أونلاين_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate