المرأة

استعباد المرأة ما زال متجذرا في العقل الذكوري والثقافة مفتاح التغيير.

ما زالت صورة المرأة غالباً في المجتمع كجنس بشري، أقل شأنا من جنس الرجال، على رغم مرور ثلاث وتسعين سنة على كتاب “غرفة تخص المرء وحده” لفرجينيا وولف، رائدة الأدب والنقد الأدبي النسوي في تيار الوعي. وعلى رغم مرور ثلاث وسبعين سنة أيضاً على كتاب “الجنس الآخر” للفيلسوفة النسوية الوجودية الفرنسية سيمون دو بوفوار، وكذلك مرور خمسين سنة على كتاب “المرأة والجنس” لنوال السعداوي. صحيح أن ثمة إنجازات تحققت على صعيد الأدب النسوي والكتابات الفكرية والعلمية في شتى الحقول العلمية والاجتماعية من منطلقات جندرية ونسوية رائدة. لكن صورة المرأة ما زالت أيضاً أقل شأناً على صعيد السياسة والقوانين، مع أنها تختلف نسبياً من بلد إلى آخر تبعاً لتقدم البلدان أو تخلفها في النظم السياسية. لكن غالبيتها ومهما بلغت من الديمقراطية شأواً، تبقى قاصرة عن إيفائها حقها الطبيعي في المشاركة الكاملة والندية.

ذر الرماد في العيون

نساء كثيرات ما زلن يتساءلن في كل عام عن جدوى “تخصيص يوم” يُحتفى فيه بالمرأة ودوره في تغيير هذه الصورة في الواقع والمصير. فالعقلية التي تتحكم في تخصيص هذا النوع من الاحتفاءات هي عقلية عاجزة عن الدفع باتجاه التدخل اليومي، وعلى مدار السنوات، لتُراكِم الإنجازات في أدق التفاصيل التي تمس قضايا الإنسانية ذات الصفة العاجلة والدائمة. وتنبع هذه العقلية من ثقافة اقتصاد السوق، كنوع من الرشوة التي تواطأت غالبية النظم عليها، في عالم لا تزال تسيطر عليه وتديره الرأسمالية النيوليبرالية المتوحشة، وتسوَّق نفسها بوصفها حامية للعدالة الإنسانية، فيما هي في الحقيقة لا يمكنها أن تزدهر وتربح إلا في زرع التفرقة وحماية التصدعات المجتمعية لإضعاف البشر وقوى الإنتاج لمواصلة استغلالها.

وهي في الحقيقة تحتفي بيوم المرأة العالمي لذر الرماد في العيون من وراء قناع لإخفاء الإجحاف الذي تتعرض له النساء في كل دقيقة بل وثانية من حيواتهن. فيوم واحد من أيام السنة ليس كافياً على الإطلاق للتعويض عن المظالم التي تطاول النساء حتى يومنا هذا. يوم واحد لن يظهر بالتأكيد النوايا الحسنة تجاه تحرير النساء من عبودية صارخة أو مقنعة لا يزلن يرزحن تحتها، مهما تزينت بالطابع الاحتفالي والبهجة والترحيب، ومهما تراكمت الإنجازات صغيرة كانت أم كبيرة. فاستعباد النساء ما زال متجذراً بشكل فاقع في الثقافة الذكورية للمجتمعات البشرية، ويتجسد في العلاقات الإنسانية والأسرية على مستوى الكوكب بلا خجل أو حياء.والتمييز ضد النساء ما زال يتخذ شكل البديهة إلا من استثناءات طفيفة هنا وهناك، ونلمسه في النظم التربوية والتعليمية كما في الأدب والثقافة، وفي علاقات العمل وقوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلدان. أيضاً في مجالات الصحة والطبابة، بل حتى في وسائل الإعلام بكل أنواعها، لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي السياسة والاقتصاد وفي القرارات المصيرية للدول والشعوب، التي ما زال الرجال هم من يتخذون فيها القرارات وخصوصاً قرارات الحرب، بينما تدفع النساء العبء الأكبر من فظائعها وامتداداتها البيولوجية، وأقصد الأطفال.

إن العسف الذي لا يزال يُمارَس تحت مظلة الثقافة الذكورية لا يكفيه يوم واحد في العام لإزاحته. بل يلزمه مفتاح أساسي هو مفتاح الثقافة نفسه. فلا يحل الحديد إلا الحديد. وتراكم الوعي الكمي بنبذ المظالم التي تطاول النساء هو الذي سيحقق التغيير النوعي، شرط أن نبتعد عن سلوك السلحفاة، وكأن ما تعانيه النساء يمكن تأجيله في قائمة التغيير الثقافي. وكأن الإبطاء في إعادة بناء عقول البشر وأرواحهم، لا سيما عقول الرجال الذين لا يزالون يخشون خسارة امتيازاتهم أمام التقدم الذي حققته النساء، بما يسمح أن يتبوأ هذا التغيير قمة الأولويات. لماذا؟ لأن تحرير النساء هو أساس التغيير. ولأن عبودية النساء لها صفة التجذر والاستمرارية على اختلاف الطبقات الاجتماعية، وعلى رغم التبدلات التاريخية التي شملت النظم الاقتصادية على التوالي. بدءاً من النظام الإقطاعي ثم البرجوازي والرأسمالية النيوليبرالية، فضلاً عن سلطة الكهنوت في جميع الأديان. ولأن الكثير من ظواهر العبودية انتهت أو تم القضاء عليها، فإن عبودية النساء متواصلة لم تنته، وتطاول بأضرارها ملايين النساء وربما المليارات.

وعلى رغم ارتفاع نسب تعليم النساء، وانخراط الملايين منهن في سوق العمل، ما زال التمييز ضد النساء يحاصرهن أينما حللن أو مهما فعلن، بخاصة في قضايا العنف الأسري ومؤسسة الزواج حيث الصمت يدفن ملايين النساء وهن أحياء، وحيث الخضوع لامتهان الكرامة والعنف النفسي والجسدي والعاطفي والجنسي، طريق أسهل من التمرد في وجه مجتمع ما زال في أحسن الأحوال يقايض الزوجات بأمومتهن أو بلقمة عيشهن وبهضم حقوقهن في المحاكم الشرعية عبر ضمائر القضاة والأنظمة القضائية.

إن لم تكن الثقافة هي مفتاح الحلول في العقول وفي القلوب والأحاسيس والفطرة الطبيعية فما يكون المفتاح؟ فالثقافة بوابة الولوج إلى قاطرة من المشكلات تتناسل واحدة تلو أخرى كأحجار الدومينو في سلسلة متصلة من العقد. وقد أكد هذا الدور العديد من النسويات والنسويين حول العالم، نذكر منهم على سبيل المثال محمود أمين العالم الكاتب المصري الراحل، رائد النقد الأدبي الذي اعتبر في كتابه “في الثقافة المصرية”، “الأدب أساس التغيير في المجتمعات بوصفه يمس منطقتي العقل والشعور، ويغير المزاج العام ويعيد للبشر إنسانيتهم”.

عبودية وتحرر

قد يقول كثر، بمن فيهم النساء، أننا نغفل رؤية المنجزات الهائلة التي تحققت على مستويات عدة كانتشار التعليم بين النساء وانخراطهن بأعداد غفيرة في أسواق العمل، بما حقق لكثر منهن استقلالاً اقتصادياً يُمكِّنَهن من التخلص من آليات العبودية المتجذرة، ويساهم في تحررهن. إن كان ذلك القول صحيحاً نسبياً، فهو غير كاف، ويتم التلاعب بهذا الاستقلال بابتزازالمرأة عاطفياً واجتماعياً داخل الدوائر المغلقة للسلطة الذكورية بكل تجلياتها القانونية والمؤسساتية (أجر أقل من الرجل، استيلاء الزوج أو الأب أو الأخ على راتبها…). بل تضاف ظاهرة جديدة تنتشر بين الكثير من الرجال – بحسب دراسات كثيرة حول العالم- وهي ظاهرة “التبطل” والتخلي عن المسؤولية المادية تجاه الأسرة، فضلاً عن ظواهر الاتكالية وعدم بذل الجهد المطلوب لإعالة الأطفال، عوض أن يشكل عمل المرأة “قيمة اقتصادية مضافة” لمدخول الزوج ويساهم في ازدهار الأسرة.

ولعل مشاركة النساء في الحياة السياسية ترشحاً واقتراعاً، لم تمنع من أن تنتج النظم السياسية كافة، أو تعيد إنتاج، الثقافة الذكورية ذاتها، ما دامت الديمقراطيات المحكومة بالرأسمالية النيو ليبرالية لن تسمح إلا بالفتات، على غرار ما يحتفى به في يوم المرأة العالمي أو اعتماد الكوتا النسائية في البرلمانات على أهميتها البالغة.

إن قضية المرأة لا تحتمل الحلول الوسط أو الفولكلورية. فالمرأة “إما حرة” تملك حقها في تقرير مصيرها وتساهم في التخلص من كل آليات العبودية، وليس عبوديتها وحدها، بل كل أشكال العبودية التي تطاول النساء والرجال على حد سواء بأصغر تفاصيلها، و”إما ألا تكون حرة”، فالحرية لا تتجزأ أو يُنتقص منها. ولا مجال للمراوغة أو التأجيل طالما ارتأى العالم أن يُخَصصَ للمرأة يوماً للاحتفاء بها. قد يقول قائل أو قائلة إن ذلك ضرب من الخيال، لكن لا. كل ما نحتاج إليه هو ورشة عمل كبرى يومية متواصلة ودؤوبة غير موسمية، وعلى مدى سنوات وسنوات وربما عقود، لقلب العقل البشري رأساً على عقب، بما يعيد له الفطرة الطبيعية بأن يتحرر من كل السلاسل التي قيّد بها نفسه، وكانت ضحيته الأولى والدائمة: المرأة.

غرفة فيرجينيا وولف

ولعل مساهمة النساء في الكتابة الأدبية كما الفكرية على غرار ما نوهت إليه فرجينيا وولف في كتابها “غرفة تخص المرء وحده” الذي سلطت فيه الضوء على نماذج رائدة في الرواية والشعر مثل جين أوستن التي تناولت بالنقد في مؤلفاتها، المظالم التي عانى منها المستعمرون في المستعمرات البريطانية وليس استعباد النساء فقط. كما كسرت وولف تابوهات التخييل الأدبي والاجتماعي بما يُقوِّض التقاليد المجحفة في حق النساء من خلال مقارنات تخييلية أجرتها على شخوص رواياتها، لتثري الوعي العام عبر فن الكتابة الأدبية الراقي الذي يعمل على الشعور في منطقتي الوعي واللاوعي. وهي التي كانت تنتمي إلى تيار الوعي في الأدب، وأحدى رائدات الأدب النسوي تخييلاً ونقداً، بل أحدى مؤسِساته.

اما سيمون دو بوفوار ففتحت ثغرة كبيرة في جدار الفلسفة والثقافة السائدة التي أمعنت ولا تزال في “الحط من شأن المرأة” من خلال كتابها “الجنس الآخر”. تلك الثقافة التي اعتبرت المرأة “جنساً من مرتبة ثانية”، (أو الآخر… بالنسبة للرجل)، بل تابعة وخاضعة، وأقل شأناً من الرجل. بل نددت بوفوار في “الجنس الآخر” بنظريات الفلسفة الماركسية من خلال كتابات ماركس وإنجلز خصوصاً في نظرية المادية التاريخية التي لا وجود للمرأة فيها وكأنها خارج التاريخ، وكأن التاريخ وقف على الرجال، كما فعلت قبلها، بأسلوب أدبي فيرجينيا وولف ولكن بأسلوب فلسفي وعلمي متين المضمون. وفضحت بوفوار بقسوة المضمون الذكوري لنظريات التحليل النفسي عند فرويد مما أدى إلى إعادة النظر بهذه النظريات، بل إلى تأسيس نظريات الطب النفسي النسوي، من منطلق معاناة النساء النفسية من هذا التصنيف الاجتماعي الذي كرس دونيتها ولا يزال.

نضال نوال السعداوي

ولن ننسى طبعاً نضالات نوال السعداوي وكتاباتها الشجاعة، التي كشفت آليات استعباد النساء في مصر بوصفها ظاهرة مجتمعية عربية شاملة لا سيما في أشهر كتبها “المرأة والجنس”. واعتبرت سعداوي – وقبلها كثيرات في العالم العربي اشتغلن في حقول الثقافة والأدب على وجه الخصوص- أن مفتاح الحرية يكمن في الثقافة والوعي وتغيير العقل وإعادته إلى جادة الصواب وأقله الفطرة السليمة. ومثلها فعلت فاطمة المرنيسي وغيرهن كثيرات لا مجال لذكرهن في هذه العجالة، ولأن الكتابة عن قضية المرأة يجب ألا تغيب عن الحضور الدائم واليومي كأي حدث راهن وعاجل، في صفحات الجرائد أو على شاشات التلفزة أو في كل ميادين العلم والمعرفة وعلى رأسها الأدب الأكثر تأثيراً.

لطالما ارتبطت كتابات النساء الأدبية بمعظمها لا سيما في حقلي الرواية والشعر – في العالم عموماً وفي البلدان العربية خصوصاً- بموضوعات المظالم التي تتعرض لها النساء، بما يشبه النقد حد استفزاز المؤازرة والتعاضد، كما فعلت الكاتبة المصرية الكندية إيمان مرسال في تقفي أثر الكاتبة المصرية عنايات الزيات التي انتحرت في عمر ناهز الخمس وعشرين سنة، ونُشرت روايتها الوحيدة “الحب والصمت” بعد انتحارها بأربع سنوات بعدما تم رفضها، وقيل أنه السبب في انتحارها. وقد كان لكتاب إيمان مرسال الكاتبة والشاعرة المصرية الكندية “في أثر عنايات الزيات” أبلغ الأثر في هز الرأي العام المصري فور صدوره عام 2019 لكونه كشف الأسباب الحقيقية لانتحار عنايات التي حرمتها المحاكم المصرية من حضانة ابنها (وهي المتعلمة والمثقفة وابنة لعائلة غنية) بعد نزاع طلاق مرير في المحاكم المصرية. وتمت تعرية قوانين المحاكم الشرعية المتعسفة التي لا تزال تتعسف ضد النساء حتى يومنا هذا في البلدان العربية، استناداً إلى قوة الثقافة الذكورية المجتمعية في هذه المحاكم للحد الذي يدفعها إلى تحريف الحقوق التي نص عليها الإسلام نفسه.

جاء كتاب “في أثر عنايات الزيات” مزيجاً من الرواية الأدبية والسيرة الذاتية والتوثيق البحثي في محاكاة عربية لكتاب فرجينيا وولف، وإن أكثر تطوراً وتفصيلاً، في تعرية الثقافة السائدة ونقد تجاوزات المحاكم ولا مبالاة مجتمع يرزح تحت نير ثقافة ذكورية تمقت النساء وتحط من شأنهن، حتى لو أدى امتهان كراماتهن إلى الموت إما قتلاً أو انتحاراً، أو بما يسمح للرجال بالتمادي في الضرب والإهانات ورفض التطليق وسيل من الإساءات لا ينتهي. وكأن المرأة “وقفٌ” للرجل يتحكم بحياتها ويميتها وهي حية لو أراد. وهذا غيض من فيض ما يجب أن تتصدى له الثقافة ليس في يوم المرأة العالمي فحسب، بل في كل الأيام. لأن كل الأيام لهن… إلى أن يتوقف وأد النساء إلى الأبد.

لسامية عيسى.

Independent عربية_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate