اصلاح ديني

الفلسفة الألمانيَّة بعد الحرب العالميَّة الثَّانية.

لا شكَّ أنَّ التَّعرُّف على المناخ الفكريِّ في ألمانيا ما بعد الحرب، بما يتفاعل فيه من تيَّارات فلسفيَّة وإشكاليَّات وهواجس سياسيَّة وثقافيَّة سيُساعد بالتَّأكيد ليس فقط على فهم أفضل لفكر هابرماس الَّذي سيأخذ مكانه في لوحة الفكر تلك، فهو سيقودنا كذلك إلى المنابع الألمانيَّة الَّتي نهل منها دريدا الفرنسيُّ تفكيكيَّته.

من الواضح أنَّ المشهد الثَّقافيَّ الألمانيَّ بعد الحرب العالميَّة الثَّانية كان قاتماً وكئيباً، فالحرب الَّتي انتهت بخسارة ألمانيا تركت وراءها بلداً ممزَّقاً يائساً ومُدمَّراً. كانت الجروح ما تزال رطبة، بينما سيطر شبح الكارثة على الرُّوح الألمانيَّة، الَّتي شعرت بأنَّها خسرت كلَّ شيء وغدَت دون مستقبل. نبرة اليأس تلك تتجلَّى في كلمات كارل ياسبرس المعبِّرة:

لقد فقدنا كلَّ شيء تقريباً: المكانة الوطنيَّة والقوَّة الاقتصاديَّة وأمن حياتنا الجسديَّة، والأسوأ من ذلك كلِّه: المعايير المفروضة والَّتي تُقرِّب، وكرامتنا الأخلاقيَّة، والشُّعور بأنَّنا نُكوِّن شعبا.

لقد اختفت حكوماتنا دون كلمة واحدة ولم تعد الأمة الألمانيَّة موجودة وصار لزاماً علينا أن نطلب الإذن للقيام بأدنى تصرُّف.

بإمكاننا أن نسمع في هذا الاقتباس أنين الفلسفة اليائسة لعجزها عن منع الكارثة. إنَّها «بومة مينيرفا الَّتي لا تفرد جناحَيها إلَّا بعد أن يرخي اللَّيل سدولَه».

عندما شارفت الحرب العالميَّة الثَّانية على وضع أوزارها، كان جيلان من الفلسفة الألمانيَّة المعاصرة قد وصلا بالفعل إلى مرحلة التَّقاعد بعد أن تراجع الاهتمام بطروحاتهما النَّظرية وهما الكانطيُّون الجُدد (الجيل الأوَّل)، والوجوديُّون (الجيل الثَّاني).

في تلك الفترة بدأ يظهر جيل ثالث من الفلاسفة مسكون بالسِّياسة ويضغط عليه «التَّجديد بكلِّ ثقله»

نتعرَّف على هابرماس بين أبناء هذا الجيل الثَّالث، جيل أبناء النَّازيِّين.

والذي سيهيمن على المشهد السِّياسيِّ والثَّقافيِّ لألمانيا في ستِّينيات القرن الماضي والَّذي سيقع على عاقته مواجهة كلِّ ذلك الإرث الثَّقيل الَّذي خلَّفته النَّازيَّة خلفها.انطلاقاً من هذه الرُّؤية، أُركِّز على هيمنة السِّياسة على الخطاب الفلسفيِّ لأبناء الجيل الثَّالث من الفلاسفة الألمان عموماً وعند هابرماس خصوصاً.

مع «وعي شقيٍّ» كهذا، ستواجه الفلسفة الألمانيَّة لحقبة ما بعد الحرب مهمَّة إعادة ترميم ذاتها. سأطلق على هذه الفلسفة اسم «فلسفة التَّرميم». على خلفيَّة المشهد السياسيفلسفيّ الَّذي ساهم في تكوين أفكار كلٍّ من هابرماس ودريدا، سينصبُّ عملي على تيَّارين معاصرين في الفلسفة الألمانيَّة: يتمثَّل الأوَّل في تقصِّي ردود فعل مدرسة فرانكفورت على الاشتراكيَّة القوميَّة والحرب العالميَّة الثَّانية، بينما سيحاول الثَّاني تتبُّع مآلات فلسفة هايغر المتَّهَم بالنَّازيَّة والتَّعاطي معها في ألمانيا، لكن أيضاً وبخاصَّة في فرنسا. فقد كان لارتباط هايدغر، الخلافيِّ على كلٍّ بالحزب النَّازيِّ نتائج حاسمة ومباشرة على فلسفته في ألمانيا، بينما لن تجد فلسفته مثل هذا التَّشنُّج على الضَّفَّة الأُخرى من الرَّاين حيث سيتمُّ الانفتاح على أنطولوجيا هايدغر على نحو مُثمر جدَّاً في فرنسا وربَّما على نحو خاص في وجوديَّة سارتر وتفكيكيَّة جاك دريدا إلى درجة صار هايدغر في فرنسا ظاهرة وصرنا نتحدَّث عن هايدغريَّة فرنسيَّة.

الجيل الأوَّل من مدرسة فرانكفورت

ربَّما يتوجَّب عليَّ ومنذ البداية تحديد النُّقاط الَّتي سأتناولها فيما يخصُّ مدرسة فرانكفورت، إذ ليس لدي النِّيَّة لا في البحث في تاريخها الطَّويل والمعقَّد، ولا في تقييم ذلك الإنتاج الغزير لأجيالها، وإنَّما سينصبُّ اهتمامي فيها على نقطتين اثنتين فحسب:

1- على المسائل الَّتي بلورها الجيل الأوَّل لأصحاب النَّظريَّة النَّقديَّة والَّتي يمكن أن تساعد في تقييم فكر هابرماس.

2- على الرَّوابط الَّتي أفترض وجودها بين الجيل الأوَّل لهذه المدرسة والفلاسفة الفرنسيِّين المعاصرين والَّذين اعتدنا حشرهم جميعاً في كيس ما بعد الحداثيِّين بمن فيهم دريدا.

وإذ تمَّ تحديد الإطار والأهداف لهذا المبحث، فإنَّ هذا الأخير سيتمحور بدوره حول مسألتين:

تتمثَّل الأولى بتقصِّي تطوُّر فكر الجيل الأوَّل للنَّظريَّة النَّقديَّة ابتداءً من البحوث الاجتماعيَّة التَّجريبيَّة بمرجعيَّتها الماركسيَّة وصولاً إلى أفق أكثر نظريَّة وأكثر انفتاحاً على التَّحليل النَّفسيِّ ونظريَّات الفنِّ والأدب.

أمَّا المسألة الثَّانية – والَّتي كان على ما يبدو لظروف الحرب العالميَّة الثَّانية وطغيان الفاشيَّة السِّياسيَّة في أوروبا عموماً والنَّازيَّة في ألمانيا تحديداً دورٌ كبير في نشوئها- فتتمثَّل في البحث في تلك النَّزعة السَّوداويَّة في الأعمال الأخيرة لممثِّلي الجيل الأوَّل والَّتي ترافقت بالشَّكِّ واليأس بالعقل و منجزاته، وبمآلات الحداثة والتَّنوير.

الجيل الأوَّل لمدرسة فرانكفورت من ماركس إلى هيغل

نعلم جيِّداً أنَّ معهد البحوث الاجتماعيَّة، والمعروف أيضاً باسم مدرسة فرانكفورت، قد تمَّ تأسيسه في الأصل كمعهد للدِّراسات الماركسيَّة، حيث كانت الفكرة الأوَّليَّة تسميته معهد الماركسيَّة institut für marxismus.

في تلك الفترة كان اليسار الألمانيُّ يحاول بناء «نظريَّة نقديَّة» ماركسيَّة لسببين على الأقلِّ:

يتمثَّل السَّبب الأوَّل في تحليل أسباب عدم قدرة الحركات السِّياسيَّة الماركسيَّة على إحداث ثورة في الغرب، والسَّبب الثَّاني في محاولة لفهم أسباب نجاح وصول وهيمنة الأنظمة الشُّموليَّة على الحكم، سواء في المعسكر الاشتراكيِّ كالستالينيَّة في الاتِّحاد السُّوفياتيِّ أو في دول الغرب الرَّأسماليَّة.بيد أنَّنا نلاحظ أنَّ مدرسة فرانكفورت لن تلبث أن تتحرَّر من إكراهات الماركسيَّة السِّياسيَّة والأيديولوجيَّة (لا سيَّما بعد استلام هوركهايمر لإدارة المعهد عام 1930).

هكذا سنلحظ منذ ذلك التَّاريخ وعلى نحوٍ مضطرد توظيفاً أكبر لمفردات ماركس الأوَّل وهيغل في أعمال الجيل الأوَّل من المدرسة.هكذا سيعود مفهوم «الإنسان» ليحلَّ مكان مصطلح «الفرد العامل»، وسيعود مفهوم «العقل» ليطغى على «البراكسيس»: هكذا صرنا نقرأ عندهم أيضاً مفردات الوعي والطَّبيعة… إلخ. وبعبارة أُخرى، فإنَّ الجيل الأوَّل من المدرسة راح يسير عندها عكس اتِّجاه تاريخ الفلسفة، أي إنَّه أخذ يحثُّ الخطى من ماركس الكهل إلى ماركس الشَّابِّ، ومن ماركس إلى هيغل متأرجحاً في البداية بين الفلسفة العمليَّة والفلسفة النَّظريَّة قبل أن يحسم أمره لصالح الأخيرة بعد فتحها على نظريَّات الفنِّ والأدب والتَّحليل النَّفسيِّ وفلسفة التَّاريخ… إلخ. حصل هذا الانفتاح في جوٍّ من مراجعات الماركسيَّة الَّتي تحجَّرت.

أُفكِّر هنا في بعض المحاولات الَّتي حرَّرت الماركسيَّة من الأيديولوجيا على يدِ بعض المفكِّرين الماركسيِّين غير الأرثوذكس. أفكِّر هنا في التَّاريخ والوعي الطَّبقيِّ (1923) لجورج لوكاتش والماركسيَّة والفلسفة (1923) لكارل كورش كمرجعيَّات ساهمت في تشجيع هوركهايمر ومِن بعده أدورنو على مثل هذا النَّهج في الانفتاح. هكذا، فإنَّ المثاليَّة الَّتي كانت قد طُرِدَت من الباب من قبل ماركس الأخير والماركسيِّين الأرثوذكسيِّين:

تعود مرَّة أُخرى من خلال الشُّبَّاك مع لوكاتش وكورش والجيل الأوَّل لمدرسة فرانكفورت. بانفتاحها على اليوتوبيا، لم تتخلَّ هذه المدرسة عن الماركسيَّة (الطُّوباويَّة أصلاً رغم كلِّ مزاعمها في الحتميَّة التَّاريخيَّة والعلميَّة)، بل على العكس تماماً فقد قامت بإثرائها وذلك بمساعدتها على تحرير نفسها من قفص الإيديولوجيَّات البحثيَّة ومن أولويَّة الاقتصادويَّة على الثَّقافة، ومن العقائديَّة الحزبيَّة بمرجعيَّتها السُّوفييتيَّة. هكذا لم يغذَّ روَّاد النَّظريَّة النَّقديَّة الأوائل السَّير عكس الزَّمن أي من ماركس إلى هيغل فحسب، وإنَّما انفتحوا على تيَّارات الفكر المعاصر حينها وبخاصَّة نظرية التَّحليل النَّفسيِّ ونظريَّات الثَّقافة.

هكذا، لم تَعُد الماركسيَّة المرجع الوحيد لتفكير المدرسة: لأنَّ مُمثِّليها بدأوا في إدخال تخصُّصات أُخرى في مجال دراستهم، مثل علم النَّفس والنَّقد الأدبيِّ ونظريَّات الفنِّ وصار مِن مرجعيَّاتها، بالإضافة إلى ماركس، فلاسفة آخرون مثل شوبنهاور وهوسرل وفرويد، بل حتَّى نيتشه (رغم الانفضاض عن فكره حينها في ألمانيا بتهمة تأثُّر هتلر والنَّازيَّة بأفكاره) كان حاضراً وبقوَّة في الكواليس.

فبفضل تأصُّل النَّزعة الجماليَّة لدى أعلام الجيل الأوَّل: هوركهايمر، أدورنو، بنيامين، ماركوز، كان من الصَّعب عليهم تجاوز نيتشه الَّذي سيتقاطعون معه، بل وسيقعون تحت تأثيره الطَّاغي في رؤيتهم لدور الفنون والآداب وقوَّتها التَّحرُّريَّة.

ولعلَّ جدل التَّنوير لهوركهايمر وأدورنو يكشف لنا بوضوح كيف ظلَّت أطياف نيتشه تحوم فوق، وفي أعمال ذلك الجيل.

وبما أنَّ ماركسيَّة مدرسة فرانكفورت لم تعد عقائديَّة منذ تولِّي هوركهايمر كرسيِّ المعهد، فقد وجَّه جيلها الأوَّل نقداً جذريَّاً للستالينيَّة في الاتِّحاد السُّوفياتيِّ، والَّتي رأى فيها الوجه الآخَر للرَّأسماليَّة. لا شكَّ أنَّ مثل تلك الرُّؤية الصَّادرة عن تيَّار فكريٍّ يعلن مرجعيَّته الماركسيَّة سيجعله هدفاً مباشراً لانتقادات الماركسيِّين الأرثوذكسيِّين الَّذين كانوا مهيمنين على السَّاحة الحزبيَّة والفكريَّة حينها.

ومع ذلك، فإنَّ سحب الماركسيَّة الهادئ من قبضة المادِّيَّة وإعادتها إلى المثاليَّة لم يؤدِّ بمدرسة فرانكفورت إلى التَّخلِّي عن نقدها للمجتمع البرجوازيِّ، لكن بعد التَّركيز على الثَّقافة لا على الاقتصاد وعلى علاقات القوى والهيمنة أكثر من الكلام عن صراع الطَّبقات.

على خطى لوكاتش (الأوَّل) الَّذي سار في الاتِّجاه المعاكس أي من ماركس إلى هيغل، مضى الجيل الأوَّل للمدرسة الَّذي جعل من النَّقد الثَّقافيِّ محور عمله واهتمامه. لنتذكَّر أنَّ ماركس نفسه قد أعاد عوامل التَّغيير في البنية الفوقيَّة للمجتمع، بما في ذلك الثَّقافة، إلى علاقات الإنتاج والصِّراع الطَّبقيِّ أي إلى ما يُسمِّيه بالبنية التَّحتيَّة القائمة على الاقتصاد. لكنَّ المدرسة منذ هوركهايمر لم تعد تقتنع بتلك الجدليَّة التَّاريخيَّة الماركسيَّة، أو لم تعد تجدها كافية على الأقلِّ في فهم واقع المجتمعات الغربيَّة المعاصرة ما بعد الصناعية. وهنا راحت تهتمُّ أكثر بنقد البنية الفوقيَّة الثَّقافيّة.

بهذه الطَّريقة، كشف الرَّعيل الأوَّل للنَّظريَّة النَّقديَّة عن الوجه التِّكنوقراطيِّ والوضعيِّ للنُّظم الاجتماعيَّة المعاصرة مُكرِّسين جهودهم في نقد ثقافة الهيمنة والفاشيَّات.

كان معظم مُمثِّلي الجيل الأوَّل من المدرسة من أصول يهوديَّة، ومع وصول النَّازيَّة إلى السُّلطة وإمعانها في اضطهاد اليهود اضطرَّ باحثو المعهد إلى مغادرة ألمانيا، فاختاروا المنفى في الولايات المتَّحدة بعد بعض المحطَّات القلقة في أوروبا.

هناك في المنفى ظهرت بعض أهمِّ أعمال الجيل الأوَّل لمدرسة فرانكفورت، والَّتي انصبَّ اهتمامهم فيها على تحليل الشَّخصيَّة السُّلطويَّة وعلى أسباب ظهور النَّازيَّة ومعاداة السَّاميَّة وفاشيَّة السُّلطة.

هكذا لعب المنفى دوراً محوريَّاً في إثراء تجربة وثقافة مدرسة فرانكفورت حيث اطَّلعوا عن كثب على تطوُّر الرَّأسماليَّة في المجتمع الأمريكيِّ ما بعد الصِّناعيِّ.عندما انتهت الحرب العالميَّة الثَّانية، كانت الأنظمة السِّياسيَّة الفاشيَّة قد انهارت مخلِّفةً وراءها بعض الأسئلة الَّتي لا مفرَّ منها من قبيل:

كيف يمكن للعقلانيَّة الغربيَّة أن تصل إلى تلك الدَّرجة من اللَّاعقلانيَّة؟

هل من الممكن أن تنحدر ألمانيا الدِّيمقراطيَّة لمثل تلك النِّهاية المأساويَّة؟

لكلِّ ذلك ستضطلع المدرسة بعد عام 1945 بمهمَّة فهم ما حدث، ولأنَّ الفهم هو وعيٌّ شقيٌّ فإنَّنا سنلحظ تلك السَّوداويَّة في الإنتاج الأخير لأبناء الجيل الأوَّل من مدرسة فرانكفورت.

نقد التَّنوير

يمكن لنا القول، دون تعميم -لكن دون أن نبتعد عن الموضوعيَّة كذلك- إنَّ الفلسفة السِّياسيَّة الأوروبيَّة في القرن العشرين، هي إعادة نظر ومراجعة طويلة بمُثُل الأنوار ووقفة أمام ما انتهت إليه وعودها من حرِّيَّة الإنسان والتَّقدُّم والسَّلام الدَّائم، والعدالة الاجتماعيَّة… إلخ.

فمع نهاية الحرب العالميَّة الثَّانية بدت هذه الــــمُثُل كما لو أنَّها كانت مجرَّد أضغاث أحلام بعضها انقلب كابوساً، فتحطَّمت مُذَّاكَ تلك الصُّورة المثاليَّة لمستقبل الإنسان، وحلَّ محلَّها شكٌّ صريح ونزعة سوداويَّة بالماضي القريب والحاضر والمستقبل.

فبعد قرنين من الحداثة والتَّنوير دمَّرت الحروب حواضر أوروبا بدلاً من إقامة «سلام دائم» بين البلدان والشُّعوب كما أمل كانط:

وبدلاً من تحقيق الحلم الكانطيِّ الآخر في «الحيازة المشتركة لسطح الأرض»، استعر سباق محموم إمبرياليٌّ كولونياليٌّ لاستعمار العالم تحت ذريعة تحرير وتنوير الشُّعوب غير الأوروبيَّة الهمجيَّة. وبعبارة أُخرى، استحالت أحلام الأنوار في القرن الثَّامن عشر كوابيسَ واقعيَّة في القرن العشرين.

هكذا هيمنت تلك اللَّوحة المظلمة والكئيبة على المشهد الثَّقافيِّ في ألمانيا منذ عام 1945.كان الجيل الأوَّل للنَّظريَّة النَّقديَّة الفرانكفورتيَّة يعيش هذه النَّتائج الكارثيَّة ويتأمَّل فيها محاولاً فهمها وتفسيرها والعثور على أسبابها. في توقُّفهما على مآلات عقلانيَّة التَّنوير، وجد هوركهايمر وأدورنو أنَّ العقل لم يتطوَّر ضمن الحداثة الغربيَّة إلَّا كعقل أداتيٍّ، مصلحيٍّ، علميٍّ، وتقنيٍّ، لكنَّه تراجع كثيراً على المستوى الأخلاقيِّ.

وهو نقد مُستعاد على كلِّ حال افتتحَه الرُّومانسيُّون الألمان من قبل حين عبَّروا عن قلقهم من سيرورة عقلنة العالم ونتائجها على الإنسان والطَّبيعة.

كما كان فيبر وبشكلٍ موازٍ، لكن على طريقته العقلانيَّة ينعي فقدان العالم لسحره الَّذي شَيَّأته سيرورة العقلَنة للحداثة الأوروبيَّة.

في جدل التَّنوير إذن، وهو العمل الَّذي يحتلُّ مكانة خاصَّة بين أعمال الجيل الأوَّل من مدرسة فرانكفورت، يفضح هوركهايمر وأدورنو ما يُطلقان عليه اسم «العقلانيَّة الأداتيَّة» الَّتي قادت التَّنوير في سيرورة تدمير ذاتيٍّ كاشفين بذلك عن مأزق الحداثة في الغرب. والحال كذلك يجد مؤلِّفا الكتاب أنَّ الفاشيَّة -وبخاصَّة النَّازيَّة كنظام فاشيٍّ- هي نتاج منطقيٌّ لعمليَّة الانتحار الَّذي قاده عقل الأنوار، الَّذي تمَّ اختزاله في هذا الكتاب على الأقلِّ لعقلٍ أداتيٍّ محض انتهى إلى الأسطورة الَّتي حاربها في البداية وفرَّ منها. بقراءة الكتاب نلمح شبح نيتشه بوضوح كخلفيَّة تؤطِّر العمل، بل إنَّه يتجسَّد صريحاً في المتن أحياناً، فها هما المؤلِّفان يُصرِّحان دون لبس بأنَّ «نيتشه كان واحداً من الفلاسفة النَّادرين بعد هيغل الَّذي أدرك جدل التَّنوير وهو مَن صاغ علاقاته المتناقضة مع السُّلطة».

في هذا الكتاب المشترك، يعيد هوركهايمر وأدورنو إذن النَّظر في تنوير القرن الثَّامن عشر الَّذي أراد، بحسب وصفهما، «تحرير النَّاس من الخوف وجعلهم أصحاب سيادة كما كان يهدف إلى تحرير العالم من السِّحر وسعى إلى تدمير الأساطير وتمكين الخيال من الحصول على دعم المعرفة».

ولكن هل نجح التَّنوير في ذلك؟ وهل تحرَّر، وحَرَّر حقَّاً من الأسطورة؟ بالنِّسبة إلى كلا المؤلِّفَين، أصبح العقل الحسابيُّ الَّذي سيطر منذ بداية التَّنوير، سلطة شموليَّة «لا شيء يستطيع صدَّها» يعود إلى الأسطورة وينتهي فيها مؤكِّدَيْن:تصبح الأسطورة عقلاً وتصبح الطَّبيعة موضوعيَّة بحتة ويدفع النَّاس ثمن تعاظم سُلطتهم بتحوُّلهم إلى غرباء عن ما يمارسون عليه تلك السلُّطة. ويتصرَّف العقل إزاء الأشياء كما يتعامل الدِّكتاتور إزاء النَّاس: فهو يعرفهم بقدر ما يستطيع التَّلاعب بهم.

وهكذا، فإنَّ حُكم الأوراكل oracle الَّذي يخضع له أبطال الميثولوجيا الإغريقيَّة يُصبح حتميَّة يفرضها المنطق والعلوم الصَّارمة، و«في نفس الوقت الَّذي تُكمل فيه الأساطيرُ التَّنويرَ، يتعرقل هذا الأخير في المثيولوجيا على نحوٍ مُضطرد، وهو يتلقَّى كلَّ جوهره من الأساطير بغية تدميرها، لكن بلعب دوره كقاضٍ يقع في سحرها».

هكذا يوازي هوركهايمر وأدورنو بين العقل والأسطورة في كلِّ شيء تقريباً حتَّى على مستوى العدالة لأنَّ «العدالة الأسطوريَّة مثلها مثل العدالة العقلانيَّة، تعتبر الجريمة والتَّكفير، والسَّعادة والتَّعاسة كطرفي معادلة. إنَّ العدالة مُستغرقة في القانون».

هكذا، يحلُّ العقل الأسطوريُّ محلَّ التَّخلُّص من الأسطرة ويصبح الجانب اللَّاعقليُّ للإيمان «أداةً عقلانيَّةً في يد ال ‘مُستنيرين’ بالكامل والَّذين يجرُّون المجتمع نحو الهمجيَّة».

بهذا لا يكون هوركهايمر وأدورنو قد وجَّهَا أصابع الاتِّهام إلى التَّنوير الَّذي هو، بالنِّسبة لهما، المسؤول عن مآلات الحداثة الكارثيَّة فحسب، بل وإلى الفكر الحديث بشكل عامٍّ. وهما يؤكِّدان على هذه النُّقطة بالقول: «ليس فقط تنوير القرن 18 هو الخطأ، مثلما أكَّدَ [هيغل]، إنَّما – وهو أعلم بذلك أكثر من أيِّ شخص آخر- حركة الفكر بذاتها».

أمَّا في الجزء الثَّاني من الكتاب والمعَنْوَن بـــ: «أوديسيوس، أو الأسطورة والعقل»، نجدهما يُقارنان مغامرة أوليس (أو أوديسيوس) بمغامرة التَّنوير، فكما وجد أوديسيوس نفسَه في خضمِّ الصِّراع ضدَّ القوى الأسطوريَّة الَّتي تعيق انسجامه مع الطَّبيعة: كذلك كان مصير التَّنوير. وكما ولدت الفرديَّة والذَّاتيَّة في صراع التَّنوير مع الأساطير: فإنَّ أوديسيوس لم يصبح «ذاتاً» إلَّا عندما فرَّ من «أمام القوى الأسطوريَّة».

وهو لحماية نفسه من تلك القوى المثيولوجيَّة المعادية: راح يُطوِّر بفضل حكمته ودهائه شكلاً من العقلانيَّة الأداتيَّة من خلال ابتكار الأدوات الَّتي راح يصنعها والحيل الَّتي أخذ ذهنه يتفتَّق عنها ليضمن بقاءه وسلامته. برسمهما لهذا التَّوازي الشَّيِّق بين الأوديسَّة وسيرورة التَّنوير، يرى مؤلِّفا الكتاب أنَّ عقل أوديسيوس الأداتيَّ يُقدِّم نموذجاً للقيم الحديثة للإنسان الاقتصاديِّ homo oeconomicus.

من جهةٍ أُخرى، ولكي يُخضع الطَّبيعة الخارجيَّة لسيطرته، فقد توجَّب على أوديسيوس (الَّذي يمثِّل، وفقاً للمؤلِّفَين، الرَّجل الحداثيَّ المستنير)، أن يتحكَّم أوَّلاً في طبيعته الدَّاخليَّة.

وهذا ما فعله حين رضي أن يُقيِّد نفسه، ويتخلَّى عن حرِّيَّته ليستطيع المرور من أمام جزيرة حوريَّات البحر لكي لا يستجيب لندائهنَّ السَّاحر الَّذي لا يمكن مقاومته. بتقييد نفسه بالحبال (الَّتي ستصبح القوانين والمعايير في الحداثة) تغلَّب أوديسيوس على القوى الخارجيَّة الَّتي تريد القضاء عليه، لكن على حساب ذاتيَّته وحرِّيَّته الشَّخصيَّة. أي إنَّ الثَّمن الَّذي دفعه الإنسان الحديث في سعيه المحموم للسَّيطرة على الطَّبيعة كان التَّخلِّي عن حرِّيَّته.

لنقرأ هذا التَّحليل الشَّيِّق لوضع أدويسيوس الَّذي كان، بكلمات هوركهايمر وأدورنو:يعترف بسلطة المعايير القانونيَّة: وباعترافه بها جعلها تفقد كلَّ سلطة لها عليه. كان من المستحيل سماع غناء حوريَّات البحر دون الاستسلام له فلا يمكن تحدِّيه. […] يحترم أوديسيوس بالعقد الَّذي يُرسِّخ تبعيَّته وهو لا يزال يكافح، مُقيَّداً إلى الصَّاري، ليقع في أحضان القوى المدَمِّرة. لكنَّه يكتشف فجوة في العقد: وهذه الفجوة هي مَن ستمكِّنه من التَّفلُّت من معايير القانون بالإذعان له.

سيعتبر البعض، ومنهم هابرماس، أنَّ نقد أدورنو وهوركهايمر هذا يندرج في إطارات تهجُّمات ما بعد الحداثة على التَّنوير والعقل. وسأعود فيما بعد لهذه النقطة، وإلى تبيان كيف سيتقاطع هذا النَّقد الذَّاتيُّ للحضارة الأوروبيَّة في مرحلةٍ ما مع تفكيكيَّة دريدا للمركزيَّة الغربيَّة المتمركزة على العقل.

هايدغر: العَظَمة الفلسفيَّة في محرق السِّياسةلماذا هايدغر؟

حسناً لأنَّه من أكثر الفلاسفة الَّذين أثَّروا في جاك دريدا، ولأنَّه في نفس الوقت الفيلسوف الَّذي ما انفكَّ هابرماس يحارب أشباحه منذ مقاله الأوَّل «التَّفكير مع هايدغر ضدَّ هايدغر» ولغاية اليوم.

وإذ يظلُّ من الصَّعب تلخيص عمل فيلسوف مثل هايدغر -وأنا لن أفعل ذلك على أيِّ حال- فإنِّي سأكتفي هنا باستعراض بعض النُّقاط في تفكيره وحياته، وهي مسائل ستساعدنا دون شكٍّ في فهم تأثيره على كلٍّ من دريدا وهابرماس، انفتاح الأوَّل عليه وإغلاق الباب في وجهِه كلِّيَّاً من قِبَل الثَّاني.

يتعلَّق الأمر هنا بنقطتين أيضاً: الأولى تتمثَّل في نقد هايدغر للحداثة، بينما تتناول الثَّانية «جحيم الفيلسوف» الَّذي احترق فيه بسبب علاقته الــــمُلتبِسة مع النَّازيَّة.عندما مات هوسرل في نهاية نيسان من عام 1936: هدَّدت السُّلطة النَّازيَّة بتدمير مخطوطاته الَّتي، ولحُسن الحظِّ، تمَّ نقلها إلى لوفان.

كان هوسرل قد غادر الدُّنيا مع نهاية الحرب، لكنَّ الفينومينولوجيا الَّتي أسَّس دعائمها كانت قد أصبحت مدرسة، وذابت في العديد من الفلسفات الأوروبيَّة اللَّاحقة. كان هايدغر مِن ألمع طُلَّاب هوسرل، لكنَّه نحى بها منحىً مختلفاً في تنظيراته في أنطولوجيا الوجود. سيُصرِّح هايدغر الَّذي كان مساعداً لهوسرل بين عامي 1919-1920: «لقد قيل إنَّ عملي الفلسفيَّ كان فينومينولوجيا كاثوليكيَّة.

وهذا دون شكٍّ لأنِّي مقتنع أنَّ مُفكِّرين مثل توما الإكوينيِّ ودون سكوت ربَّما قد فهموا الفلسفة أكثر من بعض الحداثيِّين».

على غرار هوسرل، الَّذي كان يعتبر الفينومينولوجيا منهجاً قادراً على الوصول إلى الأشياء عينها، يعيد هايدغر إلى الفلسفة موقع السَّيطرة الَّذي خسرته لصالح العِلم. وبعبارة أُخرى، وعلى خطى أستاذه، أراد هايدغر إعادة الاعتبار للفلسفة في وجه هيمنة وطغيان العلوم، ولكنَّه، وكأيِّ تلميذ متميِّز، سيستقلُّ ويبتكر مفرداته ومفاهيمه وتنظيراته الخاصَّة.

نقد هايدغر للحداثة وللميتافيزيقا

يرى الفيلسوف السُّوريُّ الرَّاحل صادق جلال العظم في كتابه دفاعاً عن المادِّيَّة والتَّاريخ أنَّ هايدغر، وعلى عكس ماركس، الَّذي كان مهتمَّاً بالجانب المادِّيِّ والموضوعيِّ في فلسفة هيغل رافضاً فيها القالب «الصُّوفيَّ»، سيهتمُّ هايدغر في الفلسفة بالجانب الكيفيِّ النَّفسيِّ على حساب الجانب المادِّيِّ الموضوعيِّ.

بهذا المعنى يقف هايدغر على الضَّفَّة المقابلة لماركس الأخير. مع هايدغر سيتكثَّف التَّركيز على الذَّاتيِّ على حساب الموضوعيِّ، وعلى الحساسيَّة على حساب الفهم، وعلى الحدس الكشفيِّ على حساب المنطق، وعلى الكيف على حساب الكَمِّ، وعلى الغياب على حساب الحضور، وعلى الرِّيف على حساب المدينة، وعلى الانسحاب الصُّوفيِّ من العالم على حساب الانخراط في تغييره، وعلى الشِّعر على حساب التِّكنولوجيا والعِلم.سيتَّفق هايدغر مع هيغل أنَّ الذَّاتيَّة هي جوهر «العصر الحديث».

فمنذ أن جعل ديكارت «الأنا الــــمُفكِّرة» أساساً للفكر والوجود، أصبحت الفلسفة «ذاتيَّة». سينصبُّ نقد هايدغر على هذه الذَّاتيَّة العقلانيَّة بوصفها جوهر الميتافيزيقا الَّتي تحجب الوجود. في حين سيتردَّد صدى فكرة الإله الغائب (ولكن الــــمُرتقَب) الَّتي تجلَّت أصلاً في أشعار هولدرلين ومؤلَّفات نيتشه، في وجوديَّة هايدغر حيث سيصبح غياب الإله احتجاباً للوجود ويُصبح ترقُّبه حدثاً تبشيريَّاً. بشكلٍ متمايز عن نيتشه، لكنَّه يذهب في نفس الاتِّجاه: سيؤسِّس هايدغر لِلَاهوت سلبيٍّ أو مسيحيَّة معكوسة أو محجوبة. وبغياب الكينونة وتزامن انتظارها يكابد الدازاين وعيه الوجوديَّ بكونه مُلقىً في هذا الوجود المخيف مهجوراً متروكاً لمصيره.

واحتجاب الوجود الأصيل وغربة الدازاين هو، في نظر هايدغر، هويَّة الميتافيزيقيا الغربية. لكنَّ هذا النِّسيان ليس أبديَّاً بالضَّرورة، فرغم نزعته المتشائمة: فإنَّ هايدغر كان يحتفظ بشيء من التَّفاؤل الخجول بعودة الوجود إلى الموجود في المستقبل إذ كان يرى أنَّ الميتافيزيقا الغربيَّة تقترب من نهايتها، فمع نهاية الحداثة الغربيَّة المتوقَّعَة هايدغريَّاً ستنهض الكينونة من بين ركام الميتافيزيقيا.

وإذا ما أقامت الحداثة، منذ ولادتها، تعارضاً بين الوحي (الَّذي ينتمي إلى فكر العصور الوسطى) وبين العقلانيَّة (الابنة الشَّرعيَّة للحداثة الأوروبيَّة)، فإنَّ هايدغر سيركِّز، على النَّقيض من ذلك، على الشِّعر والوحي لإخراج الكينونة من مأزقها الَّذي تعاظم في الحداثة بسبب العِلم والتِّكنولوجيا. وعلى خُطى نيتشه الَّذي استدعى ديونيزوس من الماضي لينقذ المستقبل ويُخلِّص، بِطَاقَتِهِ الفنِّيَّةِ الــــمُحرَّرة، الحاضرَ الأوروبيَّ من مأزق الانحطاط الَّذي قادت إليه الحداثة بنظره، سيُعلن هايدغر على طريقته عن قدوم الجديد، والخلاص مؤكِّداً أنَّ الحداثة «هي خاتمة التَّاريخ الغربيِّ، أو المقابل الَّذي يقود لبداية جديدة». وليتساءل هنا حول ما:إذا كان الغرب لا يزال يؤمن بقدرته على صياغة هدف يتعالى عليه وعلى تاريخه، أو إذا كان يُفضِّل اللا استمرار في الانحدار من خلال الحفاظ والمزايدة على المصالح الميركانتليَّة والمصالح الحيويَّة مُكتفياً بمرجعيَّة ما هو سائد حتَّى الآن، كما لو كان ما هو قائم هو المُطلق الَّذي يستحيل تجاوزه.

كقارئ جادٍّ وفيٍّ لنيتشه: يُجذِّر هايدغر نقد العقلانيَّة الَّتي انتصرت في الحداثة مُنتجةً العلم والتِّكنولوجيا، ويؤكِّد أنَّ التِّقنية هي أعظم خطر يتهدَّد البشريَّة، ليس لأنَّها ستدمِّر العالم، بل لأنَّه لا يمكن كبحُها، وستنتهي إلى السَّيطرة الكاسحة على مناحي الحياة إذا بقي هذا السُّقوط الحضاريُّ.

يطلق هايدغر على التِّقنية اسم «الميتافيزيقا المندفعة إلى تخومها» فهي بنظره تُشوِّه الوجود الأصليَّ للكينونة وتُهدِّد الشِّعر والفكر على حدٍّ سواء. هكذا يلجأ هايدغر إلى وضع شبه صوفيٍّ مُستسلِم ومُنسحِب من العالم وهو، على الرَّغم من استغنائه عن الله ظاهريَّاً في فلسفته الوجوديَّة، فإنَّه سيأسف على هجر الإله للعالم فهو وحده، بحسب كلمات هايدغر الأخيرة، مَن كان قادراً على إنقاذنا.هكذا يبني هايدغر ديناً مقلوباً أو لاهوتاً سلبيَّاً مستعيراً كلَّ دلالاته تقريباً من مفردات اللَّاهوت. ولعلَّ هذا ما يُفسِّر كثافة الأوصاف والعبارات والمفردات والصُّور والإحالات والتَّشابهات اللَّاهوتيَّة في كتاباته، وبخاصَّة في الوجود والزَّمان الَّذي يحفل بلغة نبويَّة وشبه كشفيَّة مُغلَّفة بخطاب أنطولوجيٍّ-شاعريٍّ يكتنفه غموض تماماً كالنُّصوص الدِّينيَّة «الــــمُقدَّسة». ونحن نعلم جيِّداً أنَّ اللُّغة الصُّوفيَّة -الَّتي تكتسب حقيقتها المطلقة من خلال الوحي والحدس وتظلُّ غامضة وعصيَّة على الشَّرح والتَّوصيل- هي أيضاً لغة الأنبياء والشُّعراء.هكذا يمكن لنا القول باختصار، إنَّه وبنقده لهيمنة العقلانيَّة والعلم والتِّقنية على العالم الحديث، وباستعادته لِلُغة اللَّاهوت والتَّصوُّف يتربَّع هايدغر، بعد نيتشه، على عرش ما بعد الحداثة الرَّافضة لهيمنة وتشيُّؤ الحداثة الغربيَّة.

موقف هايدغر من النَّازيَّة وعواقب ذلك على فلسفته

ولعلَّ من المفارقة العظيمة أن يكون هايدغر الفيلسوف العميق الَّذي أسرَ العقول بصفته «راعي الوجود» هو نفسه ذاك الرَّجل المتسَرِّع والسَّطحيُّ والأخرق سياسيَّاً حين سيعلن ولاءَه للنَّازيَّة.ما إن انتهت الحرب العالميَّة الثَّانية، بل ومنذ عام 1933 (تاريخ انتسابه للنَّازيَّة)، حتَّى انقسمت الآراء حول هايدغر بين مَن يراه نبيَّاً للفلسفة، وبين مَن يراه مُغفَّلاً ساذجاً: بين مَن يعتبره فيلسوفاً عميقاً، وبين مَن يؤكِّد على وضاعته الأخلاقيَّة… إلخ. هكذا كانت هناك فئة (من بينهم بورديو وهابرماس على سبيل المثال لا الحصر) الَّتي طغى عليها موقف هايدغر السِّياسيُّ -المُلتبس على كلٍّ- من النَّازيَّة. بالمقابل كانت هناك فئة ثانية نجحت في الفصل بين سقطة هايدغر السِّياسيَّة والأخلاقيَّة، وبين إنتاجه الفلسفيِّ المهمِّ والعميق في أنطولوجيا الوجود وفي نقد التِّكنولوجيا وفي العلاقة بين الفكر والشِّعر… إلخ. من بين الفلاسفة الَّذين أكَّدوا على ضرورة عدم رمي الطِّفل مع الغسيل الوسخ كما يقول المثل الفرنسيُّ، وعلى ضرورة الاستلهام من فكره الفلسفيِّ العميق يأتي دريدا في طليعتهم رغم أصوله اليهوديَّة وحساسيَّته من معاداة السَّاميَّة.

يعكس هذين الموقفين المتعارضين لدى كلٍّ من هابرماس ودريدا إزاء هايدغر وفلسفته موقفاً أعمَّ لكلٍّ من ألمانيا وفرنسا. ففرنسا على العموم كانت أقلَّ تشنُّجاً إزاء هذا الفيلسوف وأكثر انفتاحاً على أفكاره الوجوديَّة، بينما قرَّرَت ألمانيا إقامة قطيعة تامَّة معه ومع فكره إلى درجة أنَّ التُّهمة راحت تُلاحق كلَّ مَن يعتمده كمرجعيَّة، ولعلَّ غادامر، تلميذ هايدغر، قد واجه مثل ذلك التَّضييق عليه والاتِّهام المبطَّن بمعاداة السَّاميَّة في ألمانيا الَّتي خسرت الحرب وحكم عليها بالتَّكفير بالانتقام من نفسه، ومن ماضيها القريب. لم يكن هذا الحظر الفكريُّ الَّذي يقترب من التَّكفير أو ملاحقة السَّاحرات قد طال هايدغر وحدَه، بل كلَّ المفكِّرين الألمان الَّذين ثبت دعمهم لهتلر والنَّازيَّة، ولو من بعيد، ولعلَّ أشهرهم المُشرِّع والفيلسوف السِّياسيُّ: كارل شميت، لكنَّ التَّكفير بتهمة النَّازيَّة قد طال أيضاً نيتشه الَّذي اتُّهم بأنَّ أفكاره حول الإنسان الأعلى وأخلاق السَّادة وإرادة القوَّة قد مهَّدَت نظريَّاً للفاشيَّة النَّازيَّة، ومدَّتها بالسَّنَد الفكريِّ والحافز المعنويِّ، مُستدلِّين بذلك على إعجاب هتلر شخصيَّاً بنيتشه وفلسفته. على الخلاف من ذلك ستجد أفكار كلٍّ من نيتشه وهايدغر، في فرنسا أرضاً خصبة لتثمر فيها. بخصوص اختلاف التَّعامل مع فلسفة هايدغر بين ألمانيا وفرنسا لفترة ما بعد الحرب يقول بول رابينو: «يظلُّ النِّقاش الألمانيُّ أقلَّ إثارةً [من النِّقاش الفرنسيِّ] لأنَّ الفلاسفة الكبار هناك يأخذون هايدغر بجدِّيَّة أقلَّ».

على خلاف ألمانيا الَّتي خرجت مُمزَّقة من الحرب، وانعكفَت على ذاتها في سيرورة طويلة لمعالجة ذلك العطب الَّذي أوقعَته بنفسها، استعادت فرنسا عافيتها بعد الحرب بسرعة أكبر، وراحت تتطلَّع إلى المستقبل بدل الانكفاء على آثار الماضي وكارثة الحاضر كما حصل في ألمانيا. بهذا التَّعطُّش الفرنسيِّ للتَّجديد ستجد الفلسفة الألمانيَّة بشكل عامٍّ وفلسفتا نيتشه وهايدغر على وجه الخصوص العديد من التَّلاميذ على الضَّفَّة الأُخرى من الرَّاين، لدرجة أنَّنا سنتحدَّث عن «هايدغر في فرنسا» كظاهرة فريدة تخصُّ فرنسا أكثر من أيِّ بلد آخَر بما في ذلك ألمانيا بلده الأصليّ نفسها. في هذا الخصوص يكتب دريدا:لا يعني «هايدغر في فرنسا» مجرَّد مكان هاجر إليه [فكر] هايدغر أو استُنبت فيه. إذ ليس هناك «هايدغر في روسيا» أو «هايدغر في إنجلترا» أو «هايدغر في أمريكا»، لكن «هايدغر في فرنسا» هو نموٌ طبيعيٌّ وحدث ليس له نظير من وجهة النَّظر القوميَّة. في فرنسا هو شيء آخر، أكثر بكثير من مجرَّد استقبال لهايدغر.

سيقودني هذه الانتقال لفلسفة هايدغر من ألمانيا إلى فرنسا إلى الانتقال الآن إلى الضَّفَّة الأُخرى من الرَّاين لإلقاء نظرة عامَّة على المشهد الفلسفيِّ الفرنسيِّ خلال النِّصف الثَّاني من القرن العشرين.

لخلدون النبواني.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود _موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate