حداثة و ديمقراطية

في مفهوم الشرعية السياسية.

لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينهض ويستقر من دون أن يتوافر له القدر الضروري من الشرعية التي تمنحه مبرر وجوده الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، وتجعله مطمئناً على سلطته، وقادراً على مواجهة إكراهات الواقع، والتواصل / التفاعل الإيجابي مع مجتمعه، من دون الحاجة إلى اعتماد وسائل الإكراه المادي، والتورط في ممارسات ضد حقوق الإنسان يمكن أن تفضي في النهاية إلى إطاحته.

إن الشرعية تمنح المبرر القانوني لأي إجراءات قد تتخذها السلطة، في أيٍّ من مجالات الدولة والمجتمع، ما يجعل هذه السلطة، في علاقتها مع محيطها الداخلي والخارجي، محررة من إكراهات القهر، فتتحقق بذلك جدلية واعية بين النظام الحاكم ومواطنيه، ُو تُحل الخلافات والصراعات السياسية والاجتماعية بشكل سلمي، ومن ثم يستقر المجتمع بأكمله.وعلى النقيض من ذلك، النظام العاري تماماً من الشرعية، أو الذي يفتقر إلى بعض من مقوماتها، يكون فاقداً لمبررات وجوده وسلطته، الأمر الذي يجعله مضطراً، من أجل تعزيز مواقعه (إلى حين)، إلى اعتماد ممارسات سياسية يطبعها الاستبداد ويؤطرها العنف.

ولأن القهر عندما يصبح هو الناظم الأساسي لعلاقة الدولة بالمجتمع يجعل من هذه الدولة دولة سلطوية لا يشق لها غبار، ولأن “اختبار القوة الحاسمة وحده لا يصنع الحق” كما كتب جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي”، فإن سلطة النظام في حالة فقدان الشرعية تصبح ملغومة من الداخل، ومع الوقت يتحول النظام نفسه إلى مجرد قشرة يابسة يسهل كسرها، وإزاحتها تماماً، فلا يعود صالحاً للحكم على أي نحو، ويصبح مصيره مفتوحاً على النهاية.

ويعتبر جون لوك (1632 ــ 1704) أول من استخدم مفهوم الشرعية كأساس لتحليل ظاهرة السلطة، وتطور المفهوم في العصور الحديثة بحيث أصبح يعبر عن اختيار وتقبل المحكومين للحكام وللنظام السياسي، وبالنسبة إلى كثير من علماء السياسة والاجتماع، فإن مسألة الشرعية، وإن كانت تشغل حيزاً أساسياً في علم السياسة الحديث، تبقى فكرة معقدة تنطوي على عناصر متباينة، كما أنها، على المستوى النظري، تبدو مفهوماً غير محدد يطاوله قدر من الغموض، وعلى كل حال، يمكن رصد ثلاثة اتجاهات في تعريف الشرعية:

ــ اتجاه قانوني (الشرعية = سيادة القانون).ــ اتجاه ديني (الشرعية = تنفيذ أحكام الدين / القانون الإلهي).ــ اتجاه اجتماعي ــ سياسي (الشرعية = الطاعة السياسية).

إن مفهوم الشرعية، كما ورد في أدبيات العلوم الاجتماعية والسياسية (ماكس فيبر، سيميور ليبست، هربرت كيلمان، ديفيد إيستون، تالكوت بارسنز، توماس غرين، موريس ديفرجيه، سعد الدين إبراهيم، مارك كواكو… الخ)، يمكن تحديده أو تكثيفه، بإيجاز، في الصياغة التالية:

تقبل التيار الرئيسي في المجتمع للنظام السياسي وخضوعهم له طواعية، من منطلق ثقة المواطنين في أنه يعبر عن قيم الجماعة وتوقعاتها، ويتفق مع تصورها عن السلطة وممارستها، ويسعى إلى تحقيق أهدافها الكبرى. ويعبر المواطنون عن هذا القبول والرضا من خلال قيامهم بالواجبات التي تتوقعها السلطة منهم على أكمل وجه دون حرج أو اضطرار أو رهبة.

ينطوي هذا التعريف على ثلاثة عناصر:ــ القبول الاختياري (الطوعي) لسلطة النظام، الذي لا يمكن تحقيقه بالإكراه. فالحكومة الشرعية ــ كما يقول هربرت كيلمان ــ هي التي “يُقبل بها كصاحبة الحق في ممارسة سلطاتها في حقل معين وضمن حدود محددة. وهكذا، عندما تتقدم إدارة نظام سياسي شرعي بمطالب ما، يقبل بها المواطنون سواء أحبوا ذلك أم لا. وقد يقتنع المواطن أو لا يقتنع بقيمة ما يُطلب منه القيام به، وقد يكون متحمساً أو غير متحمس لتنفيذه، وقد يكون في الواقع شديد الاستياء منه، ومع ذلك فإنه يستجيب برضى مع المطلب دون أن يشعر أنه أكره على ذلك، ويعتبر أن واجبه أن يقوم بذلك”.

ــ التوافق بين المبادئ العامة التي يتمسك بها النظام السياسي، والقناعات التي يحتكم إليها أفراد المجتمع. فالشرعية ــ كما يرى سعد الدين إبراهيم ــ تتحقق عندما تكون إدراكات النخبة الحاكمة لنفسها، وإدراكات الجماهير لها، متطابقة، وفي اتساق عام مع القيم والمصالح الأساسية للمجتمع، بما يحفظ للمجتمع تماسكه.

ــ الفاعلية التي تكفل للنظام إمكانية السيطرة على تجاذبات القوة في المجتمع. فحالة الرضا والقبول التي يبديها المواطنون إزاء النظام السياسي وممارسة السلطة تزداد أو تقل تبعاً لقدرته على استلهام تطلعاتهم وتمثيل مصالحهم والاستجابة لمطالبهم في ما يخطط له وينفذه من سياسات، هذا فضلاً عن قدرته على مواجهة مختلف الأزمات الداخلية والخارجية التي يتعرض لها المجتمع.وهنا، تجدر الإشارة إلى أن شرعية النظام السياسي، أياً كنت صفته، هي ظاهرة نسبية، لأن ما هو شرعي بالنسبة لبعض الأفراد والجماعات قد يكون غير شرعي بالنسبة لأفراد وجماعات أخرى، ولم يحدث أن تحقق إجماع عام على شرعية نظام ما، في أي زمان ومكان، بيد أن هذا لا يعني أن تلجأ السلطة إلى استخدام وسائل القوة والإكراه التي تحت تصرفها في تعاملها مع الجزء الذي ينكر عليها صفة الشرعية، مهما كانت اتجاهاته الأيديولوجية والسياسية، وإنما يعني أن النظام السياسي يمكنه الحكم والحفاظ على توازناته بقدر اتساع قاعدته الشعبية.

إن النظام يظل متماسكاً بفضل شرعيته، وحتى لو انتُزع من نفوس المعارضين له أي ميل للطاعة، فما دامت شرعيته فعالة، وما دام هو قادراً على تجسيد نظام القيم الذي يؤمن به الناس، فإن تأثير هؤلاء المعارضين يظل جزئياً ومحدوداً، بالقدر الذي يمكن تجاوزه من دون أن تحدث تحولات أساسية في ترتيب علاقات القوة داخل بنية النظام.

والخلاصة: الشرعية هي التي تحمل الناس على طاعة حكامهم: الشرعية الحقيقية القائمة على اتفاق تعاقدي واضح بين الحاكم والمحكوم، تتحدد من خلاله طبيعة العلاقة بينهما على جميع مستوياتها، هي التي تدفع المواطنين، مهما اختلفت توجهاتهم ومصالحهم، إلى طرح مرجعياتهم الخاصة جانباً، وتكييف ميولهم وفقاً للمصلحة العامة دون أن يجدوا غضاضة في ذلك، في حين يؤدي غيابها (مهما كانت مبررات هذا الغياب) إلى بروز التوترات الاجتماعية والصراعات السياسية، فتتربص بالوطن أخطار العنف، ويصبح مصير الجميع ــ حكاماً ومحكومين ــ على المحك، كما هو حال العالم العربي الذي قلما استوفى حقه من الاستقرار في تاريخه الحديث والمعاصر بسبب أطماع حكامه الذين عكفوا على السلطة زمناً طويلاً، وأهدروا كل شرعيتهم وهم يمارسون الحكم بلا هوادة.

سمير الحمادي.

الحوار المتمدن_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate