المرأةحداثة و ديمقراطية

درية شفيق: النسوية والديموقراطية

“لا حرية للمرأة في وطن مستعمر ولا عبودية للمرأة في وطن متحرر”

“كنت أدري أن لا أملك مكانة تسمح لي بلعب دور اجتماعي أو سياسي أو أخلاقي مهم. لم أكن ثرية مثل هدى شعراوي هانم لأتمكن من فرض نفسي، ولكني لدي عقيدة!”

الناشطة النسوية والاجتماعية والشاعرة والكاتبة وأول امرأة مصرية تحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة؛ درية شفيق (1908-1975)، والتي كان يطلق عليها “الزعيمة الجميلة” أو “قطعة المارون جلاسيه” أهم رائدات الحركة النسوية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، ويرجع لها الفضل في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب في البرلمان، بالإضافة إلى دفاعها عن رفع الظلم عن المرأة المصرية بكل أشكاله. وتعد شفيق من أكثر النسويات العرب التي دافعت ومثلت في حياتهن الشخصية والعامة أنموذجا نسويا إنسانيا مستندا لقيم الديمقراطية والمواطنة والقيم الإنسانية المستمدة من إسلام، يحقق العدالة الاجتماعية للجميع في المجتمع الحديث.

هذا النموذج الذي لم يستطع حتى يومنا هذا، أن يشهد زخمًا اِجْتِمَاعِيًّا وَسِيَاسِيًّا وَثَقَافِيًّا في المجتمعات العربية، والتي يغلب عليها الأيْدِيُولُوجْيَا والتعصب للطائفة الطبقية أو العشيرة على حساب تحقيق الديمقراطية والمواطنة. فعلى الرغم من حضورها الثقافي والاجتماعي القوي في مصر والعالم العربي والغربي قرابة ثلاثة عقود، فإن رحلة نضال درية شفيق انتهت بالإقامة الجبرية في منزلها لمدة 18 عامًا، ومنعها من الكتابة والكتابة عنها في الجرائد والصحف، وحتى محو اسمها من الكتب الدراسية من قبل السلطة الحاكمة في مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. وحتى بعد أن تم العفو عن درية شفيق من قبل الرئيس أنور السادات، ظلت درية شفيق في منزلها وبعيدة عن المجال العمومي حتى “انتحارها” في عام 1975.يستعرض هذا المقال في ذكرى وفاة درية شفيق التشابك بين المصالح الطبقية والسلطة السياسية والدينية، والذي نتج عنه إجهاض مشروع سعى إلى ترسيخ التوافق بين قيم الديمقراطية وعقيدة إيمانية إنسانية مثلتها النسوية والكاتبة والشاعرة والفيلسوفة درية شفيق في حياتها العامة والخاصة؛ حيث سنعتمد – في هذا المقال- على كتاب درية شفيق “المرأة المصرية من الفراعنة إلى اليوم”، والمنشور عام 1955، ومذكراتها التي قامت الباحثة الأمريكية سينثيا نلسون بنشرها باللغة الإنجليزية تحت عنوان “درية شفيق: نسوية مصرية: امرأة مختلفة” Doria Shafik: Egyptian Feminist: A Woman Apart.

طفولة شفيق بين الأناقة والدين والظلم الاجتماعي ولدت درية شفيق في مدينة طنطا في دلتا النيل، وكان والدها أحمد شفيق أفندي موظفا حكوميا في هيئة السكك الحديدية. أما والدتها رتيبة ناصف، فتنحدر من عائلة ثرية. اضطرت والدة رتيبة ناصف أن تقبل بزواجها من موظف حكومي ينتمي لطبقة اجتماعية أدنى من طبقتهم، بعد أن اختاره أخوها الذي كانت تسكن معه جدة درية وبناتها الثلاث بعد وفاة زوجها، إذ لم يكن يُسمح لأرملة شابة من الطبقة المتوسطة بالعيش بمفردها دون رجل. نشأت درية شفيق في أسرة مسلمة منفتحة على حب العلم والجمال، فرأت الأشكال المختلفة للظلم الاجتماعي منذ طفولتها المبكرة، حين شهدت التمييز الطبقي من خلال التفاعلات بين أفراد عائلتها الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، وكذلك بين أفراد عائلتها والخادمات. كما تعرفت على التمييز بين الجنسين من خلال الحكايات التي روتها جدتها وكذلك الخادمات. أدركت درية شفيق أن جميع النساء يعانين من القهر وعدم المساواة، بغض النظر عن وضعهن الاقتصادي، بينما ما زالت النساء الثريات محرومات من الحق في الظهور في المجال العمومي للعمل والتعليم واختيار أزواجهن، فقد كانت نساء الطبقات البسيطة تعانين من الفقر والجهل والتهميش والازدراء في مجتمع طبقي صارم، حتى وإن كان مسموحًا لهن الخروج للمجال العمومي للعمل من أجل مساعدة أزواجهن على كسب قوتهن.كانت مصر آنذاك ومنذ تأسيس حكم محمد علي باشا تقبع تحت ظل نظام طبقي هرمي صارم، حيث حددت الطبقة الاجتماعية واللقب مكانة الفرد في المجتمع وكيفية معاملته. وهذا النظام الطبقي التراتبي قد أثر على مشاعر الناس وتفاعلاتهم اليومية حتى بين أفراد العائلة الواحدة. وهذا الوضع عايشته درية شفيق نفسها في عائلتها، والتي تصفه درية أنه “مأساة كبيرة”. حسب درية – حيث ظلت أمها تشعر بالمهانة عندما تقارن نفسها بقريباتها المتزوجات من رجال أثرياء، حتى وإن كان زوجها يشملها بكل الحب والرعاية وهو ما حسدتها عليه قريباتها المتزوجات من رجال أثرياء لا يشملون زواجاتهم وأبنائهم بقدر مماثل من الحب والرعاية. أما والد درية شفيق، ذلك الأب المنفتح والعاشق لزوجته والداعم لأبنائه، فقد ظل يعاني هذا التمييز الطبقي وتصفه درية أنه مثل “جرحًا عميقًا” في داخله. ودرية الطفلة نفسها تشرح أثر هذا النظام الطبقي على نفسيتها. فقد ربطت درية بين تقدير الأشخاص وحالتهم الاجتماعية، ومن هنا ربطت الإحساس بالإهانة والذل بالفئات البسيطة، وكانت هي نفسها تشعر بهذه المشاعر، إذ كانت تعتبر من المنتميات لهذه الطبقات البسيطة مقارنة بأقاربها من ناحية أمها وكذلك أبناء الأثرياء من حولها الذين يسكنون في بيوت فخمة في مدينتها طنطا.

درية شفيق والدراسة في عاصمة الجمال

وفي باريس انغمست درية في الموضة والجمال، مع عدم إهمال دراستها في الفلسفة، فلم تر أي تناقض بين المنطق والاهتمام بأنوثتها وجمالها. قالت درية: “في باريس أثبتُ نفسي في المجال الفكري، وأردت الآن أن أؤكد نفسي في المجال الأنثوي”. فكانت أول مسلمة مصرية تتقدم لمسابقة ملكة جمال مصر، وكان ذلك في عام 1935. ولم يكن يدخل تلك المسابقة إلا النساء ذوات الأصول الأوروبية أو المسيحية القبطية، ولم تدخلها من قبل مسلمة مثل درية. كان هذا وسط انتقادات من الصحافة المحلية التي رأت أن درية قد تصرفت بما يخالف القواعد الإسلامية. أما درية، فلم تر بالضرورة تناقضا بين الإيمان والاهتمام بالجمال. فقد كان إيمانها يركز على الجانب الروحاني ولا يعطى أهمية كبيرة لطقوس ومظاهر خارجية كلالتزام بارتداء أزياء دينية معينة.حصلت درية شفيق على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون عام 1939 عن أطروحتها التي شملت موضوعين هما: الفن المصري القديم والفلسفة الأوروبية وحقوق المرأة في الإسلام، وكان طموحها هو التوفيق بين الحداثة وحقوق المرأة والإسلام، فحاولت وضع أنموذج للمرأة المسلمة الحديثة المتحررة من العادات الاجتماعية التقليدية الظالمة في جميع قراراتها الشخصية كما الدفاع عنها في المجال العمومي.

درية شفيق النسوية والزواج:

مثلت درية في علاقتها بمؤسسة الزواج مثالًا للمرأة العصرية المصرية التي تسعى لزواج قائم على علاقات أساسها الود والتفاهم والتعاون بين الزوجين. فقد تمكنت درية شفيق من إنهاء خطبة مرتبة لها مع ابن عمها منذ الولادة، وهي في عمر الثانية عشرة. ويمكننا الإشارة هنا إلى نفس الوضع الذي وجدت فيه السيدة هدى شعراوي نفسها، ولكنها لم تستطع اتخاذ موقف يناسب رغبتها، فلم تستطع رفض زواج مرتب لها لابن عمتها علي باشا الشعرواي، وكانت في سن الثالثة عشرة كذلك. لم تستطع شعرواي ذلك بسبب ضغط من عائلتها – خاصة والدتها – وليس الدين، فأن تنهي الفتاة خطوبتها في عائلة معروفة مثل عائلة الشعرواي، ففي ذلك فضيحة اجتماعية لا تقبل بها العائلة.

كما أنهت درية خطبة أخرى، تمت بطريقة تقليدية لرجل ثري بعد عودتها إلى مصر، حين حصولها على ليسانس الدولة من جامعة السوربون؛ لشعورها أنه لم يحدث الود والانجذاب المطلوب للاستمرار في علاقة زوجية.وفي باريس حدث بين درية وبين شاعر فرنسي – لم تذكر اسمه- تقارب وانجذاب. تصف درية العلاقة بأنها صداقة، حتى وإن كان قد تقدم لها ذلك الشاعر الصديق بعرض زواج. كانت درية ترى في الزواج من أوروبي وغير مسلم أَمَرَا غير مقبول على الأقل في الطبقات الوسطى الاجتماعية. في هذا السياق يجب كذلك التنويه أن “الاتحاد النسائي المصري” نفسه كان قد وضع ضمن أهدافه حملات ثقافية، لتشجيع الشباب المصريين المغتربين من الزواج من مصريات، وليس من أوروبيات. وانضم إلي هذه الحملات عدد من الرجال المثقفين، وتمثل ذلك حتى في أغنيات لدعم هذا التوجه. ويمكن الإشارة إلى لحن لسيد درويش، والذي نظمه بأسلوب الزجل السائد آنذاك. كان اللحن بمثابة لحن “قومي” للدفاع عن المرأة المصرية. ففي هذه الفترة، كانت البعثات الأوروبية للشباب المصري في أوجها وقد انتشرت ظاهرة زواج الشباب المتعلمين من أوروبيات.

كان عقد قران درية على الصحفي المصري الشهير أحمد الصاوي حدثًا، لم تشهده مصر في صحفها من قبل، حيث تصدرت صور عقد القران الذي عُقد بمنزل السيدة هدى شعراوي الصفحات الأولى في جريدة الأهرام، وهو ما لم يحدث حتى مع زواج الملك فاروق. ولكن لم يجر إتمام إجراءات الزواج بعد أن انكشفت لدرية صورة مغايرة تمامًا عن الصاوي الذي كان يتودد لها ويكتب كشخص رومانسي وليبرالي عصري ومدافع عن حقوق النساء. كان الصاوي – حسب درية – مدافعًا عن حق المرأة في نيل أعلى المناصب في الدولة، شرط ألا تكون تلك المرأة زوجته، التي يجب أن يكون مكانها المنزل، بل إن الصاوي حاول ابتزاز درية في سياق هذا الخلاف، مهددًا بعرض صورها العارية في مسابقات ملكة الجمال في كل الصحف. ولكن درية أصرت على الطلاق، ورغم أن هذا كان يعد فضيحة اجتماعية، وقد عارضتها هدى شعراوي نفسها على ذلك. لكن درية كانت عازمة على أن تحيا حياة عصرية غير مقيدة بالتقاليد والعادات البطريركية السائدة داخل منزلها وخارجه.التقت درية بابن خالتها “نور الدين رجائي” في باريس، وكان يصغرها بسبعة أعوام، وهناك حدث التقارب العاطفي بينهما، وتم الزواج بباريس من دون مهر، أو حتى وجود عائلتها. كان نور الدين رجائي الداعم الأساسي لزوجته في كل مشاريعها الفكرية والثقافية والاجتماعية، وهو زوجها الوحيد وأبو أبنائها.تصف درية مشاعرها عند توقيع عقد الزواج دون مهر، أو شبكة، أو أساسيات فخمة لمنزل الزوجية – والذي كان يعتبر بمثابة فضيحة اجتماعية – أنها كانت توثق فعل إيمان وعقيدة، إيمان بمستقبل تحرير المرأة المصرية من عادات بالية، وشعور بالمساواة مع زوجها.

درية وحقوق المرأة والإصلاح الاجتماعي في عصر ليبرالي

شهد المجتمع المصري في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين نقاشات واسعة حول دور المرأة في المجال العمومي. على الرغم من أن النقاشات قد بدأت من قبل النخبة المثقفة من رجال مصريين، أمثال محمد عبده وقاسم أمين، إلا أنه سرعان ما استلمت المرأة المصرية القيادة؛ لتطالب بحقوقها الاجتماعية والسياسية، وجاء هذا على يد مجموعة من نساء الطبقات العليا في المجتمع، واللاتي كانت لهن علاقات وثيقة مع الحكومة. ومن أشهر هؤلاء المدافعات عن حقوق المرأة السيدة هدى شعراوي ابنة محمد سلطان باشا أول رئيس مجلس نيابي لمصر، والذي تصفه درية في كتابها “المرأة المصرية من الفراعنة إلى اليوم” بأنه “أغنى رجل في مصر”.

أسست هدى شعرواي أول هيئة نسائية مصرية، وهي “الاتحاد النسائي المصري” في عام 1923، وأصبحت رئيسته، وطالبت الشعراوي من خلال الاتحاد بسن قوانين تعمل على تحسين وضع المرأة، فيما يتعلق بالزواج والطلاق، ونشاطها في المجال العمومي من خلال المطالبة بحقوق المرأة في العمل والدراسة مثل الرجل والتصويت والترشح للبرلمان، رغم أنه قد تم تحقيق بعض المطالب الاجتماعية كرفع سن الزواج، إلا أن المطالب السياسية لم يتم النظر فيها في هذه الفترة؛ بسبب المعارضة القوية من الاتجاهات المحافظة من الرجال التي كانت لا تزال تقصر وجود المرأة في المجال الخاص، أو النشاطات الاجتماعية الخيرية، وخصوصًا نساء الطبقة العليا والمتعلمات منهن.

في الطبقة الوسطى والعليا من الطبقة الوسطى لم يكن مقبولاً عمل النساء مقابل أجر، حتى لو كنّ متعلمات تعليمًا راقيًا. كان التعليم امتيازًا ووسيلة لجذب زوج مناسب ذي وضع اجتماعي مرموق، وليس لتشجيع النساء على الاعتماد على أنفسهن مادًيا، ولذلك عندما طالبت الجميلة درية شفيق بحقها في العمل بعد حصولها على درجة الدكتوراه بامتياز من جامعة السوربون، واجهت انتقادات من جميع القوى المحيطة بها عند عودتها إلى مصر، كانت درية شفيق متزوجة بالفعل من محامٍ وأستاذ جامعي ثري، وهو نور الدين رجائي، وكان بإمكانها أن تحيا كنساء الطبقات الوسطى العليا حياة مرفهة دون الحاجة للعمل.

ومن جهة أخرى، تلقت درية شفيق الأنيقة المتعلمة صفعة قوية لمطالبتها بالعمل من القوى المحافظة حتى بين المتعلمين. كان هذا عندما ذهبت إلى الجامعة مرتدية زِيًّا بَارِيسِيًّا أنيقًا؛ لتطالب بمركز في كلية الآداب. رفض عميد كلية الآداب الدكتور أحمد أمين (1886-1954) طلبها. وبحسب درية شفيق، فإن العميد كان ضد دور المرأة خارج أدوارها التقليدية في منزلها، خاصة عندما ترتدي المرأة مثل هذا الزي الأوروبي. تروي درية في مذكراتها أن الدكتور أمين أخبرها أنه لا يستطيع تعيين امرأة جريئة وجميلة ترتدي الأزياء الفرنسية الحديثة؛ لأن ذلك قد يهدد صورة الجامعة وقبل أن تعترض قراره من خلال التوسط لسلطات عليا كان العميد قد سبقها، وهدد باستقالته في حال تم الموافقة على تعينها. تصف درية هذا الموقف كتعبير عن خيبة أملها من دور ومكانة المرأة وشكل حضورها في المجال العمومي بعد خمسة عشر عامًا من خلع الشعراوي للحجاب وإعلانها نهاية عهد نظام الحريم “الفصل بين الجنسين” في مصر.

اتجهت درية بعد ذلك للنشاط الاجتماعي في المجال العمومي، وكان هدفها هو تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للنساء من عامة الشعب اللاتي تعانين من الفقر المدقع والجهل والزواج المبكر. ففي عام 1944، أطلقت مجلتها “La Femme Nouvelle en Egypte” بالتعاون مع الأميرة شويكار لتشجيع النخبة والنساء من الطبقة العليا على المشاركة في تحسين حياة نساء الطبقة الفقيرة في الأحياء الشعبية والقرى النائية. كما أنها أسست “بنت النيل” باللغة العربية في عام 1945، موجهة لنساء هذه الطبقة؛ لتوعيتهم حول مواضيع تخص التغذية السليمة والتربية. ومن خلالها احتكت درية بمشاكل نساء عامة الشعب ومعاناتهن، ولا سيما قضايا الزواج المبكر، وتعدد الزوجات من خلال الرسائل المرسلة من القراء في قسم إلى القراء، وقد نالت المجلة إشادة واسعة، واستمرت شعبيتها في الاتساع بين عامي 1945 و1952 حتى أغلقتها الحكومة في عام 1957.

كما ساهمت درية في محو الأمية بين نساء هذه الطبقة، فأنشأت العديد من المراكز في الأحياء الشعبية، والتي بلغ عددها 80 مركزا في عام 1952، وتم إعداد امتحانات النساء تحت إشراف وزارة التربية والتعليم ونحج 80 % من المتقدمات للفحص. وكان مشروع درية مستوحى من نماذج محو الأمية الناجحة في بلدان مثل تركيا والهند. وبعد عام، افتتحت كافتيريا لتقديم رواتب، ووجبات مجانية للعمال، ووفرت منصة للأنشطة الثقافية لزيادة الوعي، رغم أن هذا النشاط الاجتماعي لم يلق قبول التيارات المحافظة بسبب الاختلاط بين الجنسين في هذه الأماكن.

كان مشروع درية اِجْتِمَاعِيًّا، وليس سياسياً، فقد كان هدفها هو رفع مستوى الوعي بين جميع الطبقات الاجتماعية حول الظلم الاجتماعي من جهة، وتمكين المرأة من خلال توفير التعليم والعمل من جهة أخرى. ومع ذلك، فقد عارضها جميع القوى النسوية والأبوية؛ لأنها لم تكن تندرج تحت نموذج أيديولوجي معين، فلا هي تشبه نساء الطبقة الراقية اللاتي اقتصر ظهورهن على النوادي والحفلات، ولا هي بانغماسها في الحياة المادية واعتناق القيم الأوروبية في المظهر والملبس قد التزمت بزي المرأة في الطبقات المحافظة وملبسهن المحتشم، كما دعت إليه الجماعات الدينية المحافظة التي كانت مراكزها وأفكارها في تزايد منذ تأسيس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928. كما أن درية لم تلتزم بمعايير النسوية الماركسية التي ترفض القيم الإمبريالية والرأسمالية في المظهر خصوصًا.

لم تنتم درية لأي حزب أو تيار سياسي ولم تتقيد بتوجه فكري يمكن تصنيفه بالضرورة نقيضا لطرف آخر في النقاشات الدائرة حول العلاقة بين الحداثة العربية والثقافة العربية الإسلامية. فلم ترفض فلسفة درية شفيق ثقافتها الإسلامية أو المصرية أو الثقافة الغربية العلمانية الحديثة، ولم ترهما يتصادمان أبدًا. وبدلاً من ذلك، اعتقدت أن الثقافات والحضارات في حالة تفاعل وتراكم. كان هدفها الأساسي أن يستمر عملها، من أجل تحقيق المساواة، ورفع الظلم الاجتماعي عن كل نساء مصر، بصرف النظر عن خلفياتهن الاجتماعية والثقافية والجغرافية. وكانت درية مقتنعة بأن هدفها هو دعم الشباب المثقف من الطبقة الوسطى الباحثين عن مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية والحقوق السياسية.

ومن ناحية أخرى، رأت درية أن هدفها لن يتحقق سوى بحصول المرأة على حقوقها النيابية للمشاركة في سن القوانين، فأسست درية شفيق عام 1948 حزبها “اتحاد بنت النيل” الذي سمح لأول مرة بعضوية سيدات من مختلف طبقات المجتمع، وقد كان عضوية هذه الأحزاب مقتصرًا على نساء الطبقات العليا فقط. ولهذا لم تستطع درية شفيق نفسها الانضمام للاتحاد النساء المصري الذي أسسته السيدة هدى شعراوي في عام 1923. فدرية شفيق كانت تنتمي لنساء الطبقة الوسطى.

تقول درية عن تأسيس “اتحاد بنت النيل”:

“كنت أزداد إيمانًا بأن كل مجهود في سبيل حل هذه المشكلات النسايئة على اعتبار أنها مشكلات فردية إنما هو مجهود ضائع ما دام حق التشريع في مصر حكرا على الرجال… وما دامت هذه التشريعات تنظر للمرأة على اعتبار أنها ناقصة أو عبدة!رجال يفسرون الدين على هواهم وحسبما نزواتهم… يتزوجون كما يشاءون بلا قيود، ومهما كانت نتيجة حماقاتهم.. تشريد أطفال ودفع شابات مجروحات إلى الهاوية.. وتقاليد عتيقة… مئات الألوف من المعذبات وراء الجدران … وتجريد من كل ما لها من حقوق.. حقها في العلم! وحقها في العمل. وحقها في التصويت والترشح. وأخيًرا حقها في كل مظهر من مظاهر المساواة… وفي مقدمتها المساواة في الأجور! هولاء المنبوذات يمثلن أكثر من نصف المجتمع المصري … يجب أن يتحررن بالجملة، ويجب أن تحل مشاكلهن دفعة واحدة، باعتبارها مشكلات متفرعة عن مشكلة أصلية، هي اضطهاد الجنس النسائي كله!.. وكلما تلقيت سيلا من دموع الضحايا… أمهاتنا، وشقيقاتنا وبناتنا التعيسات! وتحول صدري إلى مستودع للسخط على هذه الأوضاع الظالمة لم يلبث أن انفجر ذات يوم من أيام سنة 1948 وجاء انفجاره في شكل “فكرة” في تأليف “اتحاد بنت النيل”.

درية شفيق وحقوق المرأة السياسية والديمقراطية في دولة ما بعد الاستعمار:

لم يكن نضال درية لتحقيق الحقوق السياسية للمرأة معركة سهلة، فقد تموت الحكومة في تأخير الوفاء بالوعود الخاصة بإصلاح قانون الأحوال الشخصية والحق في التصويت والترشيح لمجلس النواب. وردًا على ذلك ودعمًا بخطاب الجو الليبرالي والتعددية السياسية في مصر الحديثة آنذاك، قادت درية شفيق احتجاجًا ضم 1500 امرأة من “اتحاد بنت النيل”، ومنظمات نسوية أخرى إلى مجلس النواب المصري في فبراير 1951. لكن المظاهرة انتهت بوعد جديد من رئيس مجلس النواب للنظر في مطالب النساء، لكن وعده لم يتحقق. وبدلاً من ذلك، واجهت درية شفيقا اتهامات بقيادة مظاهرة غير مصرح بها وتسببت في تعطيل البرلمان. ورغم تأجيل القضية إلى أجل غير مسمى، فقد قدم أحمد الحضري، عضو الوفد في البرلمان، مشروع قانون يضمن حق المرأة في التصويت والترشح للبرلمان وسط انتقادات شديدة من الصحافة المحلية من قبل الكتاب المحافظين والمناهضين للنسوية ودعم آخرين من المدافعين عن حق المرأة الدستوري في الانتخاب، ومن بينهم دستوريون أمثال الدكتور سيد صبري أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، وأقطاب اللجنة الدستورية في مجلس الشيوخ (زكي العرابي، ومحمد على علوبة وأحمد رمزي). ومع ذلك انتهت هذه النقاشات حول حقوق المرأة الدستورية بتدخل الملك فاروق الذي رأى أن الحركة النسوية مؤامرة ضد مصر والإسلام، واستخدم حقه الدستوري رافضًا منح المرأة هذه الحقوق في حياته.

كانت درية مقتنعة أن حق المرأة في الترشح للبرلمان “لا يتعارض مع الإسلام ولا الدستور”، ولهذا دعت النساء لإرسال ترشيحاتهن للبرلمان كلا باسم الحي الذي تقطن فيه، وفعلت الشيء نفسه، ولكن الحكومة رفضت ترشيحهم. وتدخل رجال الدين في النقاش فرفض المفتي “الشيخ حسنين مخلوف” مطالب درية النسوية، وأكد أن الإسلام يضع حواجز بين النساء والرجال غير المرتبطين. وبالتالي، فإن الحقوق السياسية للمرأة التي يمكن أن تمنح المرأة السفر بمفردها وحضور المؤتمرات مثل الوزراء من الرجال تتعارض مع القيم الإسلامية. ورغم أن درية استطاعت فتح النقاش حول تفسيرات إسلامية مختلفة لرجال دين مرموقين قد انضموا للدفاع عن حقوق المرأة السياسية في الإسلام والمساواة بين الجنسين في محاولة لدحض الادعاء أن الإسلام يقف عقبة أمام تطور المرأة وتحررها، ومنهم فضيلة الشيخ دسوقي علي دسوقي والشيخ منصور رجب الأستاذ بكلية أصول الدين، وكذلك كبار علماء الدين من خارج مصر مولانا أبو الكلام آزاد وزير المعارف بالهند وناقل القرآن من اللغة العربية إلى الأوردية. مع ذلك تقول درية إن مثل هذه الفتوى لمفتي الديار المصرية الداعمة لرفض الملك لحقوق كانت قادرة على إنهاء مناقشة الحقوق النسوية وسحق حركة نسوية قوية في مصر خلال هذه الفترة بسبب الأجواء الدينية والسياسية العدائية تجاه حقوق النساء.

اعتقدت درية أنه بمجرد سقوط النظام الملكي في عام 1952 ستشهد مصر بداية موقف مؤيد للمرأة، لكن لم يتغير شيئا- لم يُسمح للنساء بالتصويت أو المشاركة في الجمعية التأسيسية. رداً على ذلك، قررت درية شفيق الدخول في إضراب معتصمة أمام أمام نقابة الصحفيين، عندما تم الإعلان عن اللجنة الدستورية وخلوها من النساء في عام 1954. وتبعها عدد من النساء من مختلف الاتجاهات النسوية وحتى في أماكن أخرى في مصر. ورغم أنه تمت متابعة الإضراب من قبل الصحافة المحلية التي تعاملت مع الإضراب بأنه صوت النساء العربيات، إلا أن الصحافة المحلية أهملت مطالب المرأة وكان جل تركيزها على مظهر النساء وملابسهن فسخرت من هؤلاء النسوة، ولم تأخذهن على محمل الجد واتهمتهن بالفجور؛ لأنهن ارتدين ملابس منزلية تعد ليست لائقة لتواجد المرأة في الشارع، ولم تكن مرتديات غطاء للرأس. وانتهى الإضراب بعد وعود الحكومة الجديدة للرئيس محمد نجيب لأول مرة بالنظر في مطالب النساء الدستورية وأهمها حق التصويت والترشح للاتخابات.

انتهت قصة درية شفيق والحركة النسوية القوية عمومًا آنذاك بعد صدام درية مع رؤية جمال عبد الناصر لمصر ما بعد الاستعمار. فرغم أن الحكومة الجديدة قد سنت قوانين تدعم حقوق المرأة في التعليم العالي والمشاركة في سوق العمل، ومنحت الدولة المرأة حق التصويت والترشح للبرلمان، وقد تبع ذلك حقوقا نسوية أخرى فقد منحت حقوق العاملات في الخدمة المدنية في الخدمات الاجتماعية وإجازة الأمومة والحق في المشاركة في سوق العمل، إلا أن هذا لا يعني أن المرأة قد دخلت المجال العام الذكوري المزعوم على قدم المساواة مع الرجل وحتى مع منح جميع حقوق المرأة، كانت أجساد النساء تحت سيطرة الدولة ورؤيتها لحقوق المرأة. فحضور النساء في المجال العام، كان من المفترض أن يقتصر على الدراسة والعمل، وليس للاختلاف مع خطاب الدولة أو رؤيتها للمجال العام والمجتمع.

فقد تم استبعاد كل القوى التي عارضت رؤية حكومة عبد الناصر، وتم تأميم الصحافة، وإغلاق المنظمات الخاصة والتطوعية، وإلغاء الدستور، ووضعت جميع المنظمات النسوية تحت سيطرة الدولة. وفي هذا السياق، تحول نضال ومعركة درية إلى نضال من أجل الديمقراطية في مصر، وليس مجرد نضال من أجل حقوق المرأة؛ لذلك أصبح نضالها موجهًا لعبد الناصر نفسه. ورداً على ذلك سخرت الصحافة المحلية من درية شفيق وشنت حملة عنيفة ضدها بدعم من الدولة، حتى إنه وجه درية ظهر في إحدى المقالات على جسد راقصة شرقية بغرض إهانتها (نيلسون، 1996,260). فقد كان تصوير درية كراقصة شرقية شئيًا مهيناً وأسوأ أداة لإسكاتها واغتيال شخصيتها كناشطة نسوية في المجال الاجتماعي.

في فبراير من عام 1957، في مواجهة عبد الناصر وحدها أعلنت درية إضرابها عن الطعام داخل السفارة الهندية (كإحدى دول عدم الانحياز؛ حرصًا على ألا يتم اتهامها بالخيانة في حال كان الاعتصام بإحدى. التي يعتبرها النظام دولا إمبريالية معادية، وقد تدخل الزعيم الهندي “نهرو” ووقف بجانبها، فكان على اتصال بعبد الناصر ليضمن سلامتها. يقول السفير الهندي: “جاءت إلى السفارة الهندية وكانت تحمل في يدها مصحفاً كبيراً”. وأرسلت بيانا إلى “جمال عبد الناصر” جاء فيه “نظرا للظروف العصيبة التي تمر بها مصر، قررت بحزم أن أضرب عن الطعام حتى الموت، وأنا كمصرية وعربية أطالب السلطات الدولية بإجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب فورا من الأراضي المصرية.. وأطالب السلطات المصرية بإعادة الحرية الكاملة للمصريين رجالا ونساءً، وبوضع حد للحكم الدكتاتوري الذي يدفع بلادنا إلى الإفلاس والفوضى، وقد اخترت السفارة الهندية؛ لأن الهند بلد محايد ولن أُتَّهم بأنني فضلت معسكرا ما”. انتهى اعتصام درية شفيق بنقلها إلى مستشفى عبد الوهاب مورو في سيارة تابعة للسفارة الهندية حيث استمرت في إضرابها لمدة 11 يوماً، وفي 17 فبراير حُملت إلى منزلها، حيث أنهت إضرابها تحت ضغط أسرتها. وانتهت معركة درية شفيق ونضالها بوضعها قيد الإقامة الجبرية، ومُنعت من النشر، وأغلقت الدولة جميع المؤسسات التي كانت تديرها للدفاع عن حقوق النساء وتحقيق العدالة الاجتماعية. وكل ذلك وسط صمت كل التيارات النسوية والاجتماعية. فرغم أن درية قد ارتكزت في نضالها بصورة أساسية على التعاليم الإسلامية في مناداتها بمطالبها النسوية السياسية والاجتماعية، ودعت إلى علاقات تشاركية وتعاونية بين الرجال والنساء لبناء مجتمع ديمقراطي يشمل الجميع وطاقاتهم، إلا أن استراتيجيتها الراديكالية في مهاجمة جميع أشكال عدم المساواة في مجتمعها قوبلت بنقد شعبي قاسٍ، وعقاب سياسي، وخصوصًا اهتمامها بأناقتها كامرأة مصرية عصرية في مجتمع يدعم الاستهلاكية، والمظهر الاجتماعي كوسيلة للارتقاء الاجتماعي من جهة، ولكنه يرفض المظهر الأوروبي الأنيق للمرأة بدعوى أنه يخالف الأعراف السائدة للطبقات الواسعة من جهة أخرى. فتم استغلال مظهر درية شفيق وأناقتها من قبل القوى المحافظة، والسلطة السياسية الاستبدادية، وحتى الحركات النسوية المختلفة في توجهها لإسكاتها واغتيالها مَعْنَوِيًّا. أقصيت درية شفيق من المجال العمومي الذي ناضلت لأكثر من ثلاثة عقود لترسيخ حقوق المرأة المصرية وقيم الديمقراطية في المجال العمومي. هُزمت درية شفيق وأجبرتها الدول القومية الاشتراكية المناصرة لحقوق للنساء على العودة إلى المجال الخاص “الحريم”، الذي كافحت لعقدين من الزمن لإخراج كل النساء المصريات منه وهدم الحدود الجنادرية والطبقية وترسيخ الديمقراطية في المجال العمومي في المجتمع المصري الحديث. وأثناء سنوات عزلتها ترجمت درية شفيق القرآن الكريم إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، كما ألفت عدة دواوين شعرية، وكتب إضافة إلى مذكراتها الخاصة حتى نهايتها المأسوية في العشرين من سبتمبر عام 1975.

خاتمة

يعتبر نضال درية شفيق رمزًا ومثالًا يجب أن تتذكره وتحتذي به التسويات التي لا زلن تقصين وتهمشن بعضهن البعض، بسبب الاختلاف الأيديولوجي أو الديني أو الطبقي أو حتى العشائري والمناطقي ما ينتج عنه إهدار الطاقات وإهمال الغاية الأساسية، وهي تحقيق مجتمع ديمقراطي ومقاومة جميع أشكال التمييز والظلم الاجتماعي ضد المرأة، سواء كان ذلك متمثلاً في عادات اجتماعية وأعراف سائدة طوعت الدين الإسلامي لتقييد طاقات المرأة وإهدار حقوقها في مجتمع بطرياركي لا يدعم علاقات منصفة وصحية للتعاون بين الرجال والنساء أو كان ذلك بسبب نظام طبقي استولى على ثروات البلاد وأهمل احتياجات المرأة في الطبقات البسيطة من تعليم وعمل في المناطق الريفية والحضرية الفقيرة.

ومن ناحية أخرى، تذكرنا قصة كفاح درية شفيق ونضالها من أجل حقوق المرأة والإصلاح الاجتماعي أن الجهد الفردي مهما كان عظيمًا لن يستطيع حل مشاكل “جماعية” سواء كانت اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية. هذا يحتاج بالضرورة تضامن وتعاون بين مختلف التيارات والفئات المؤمنة بالتغيير الحقيقي في المجتمع والساعية إليه أولاً بعيدا عن المصالح والاهتمامات الفردية والأيديولوجية.

لأماني الصيفي.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود _موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate