اصلاح ديني

لماذا تنتشر الجماعات الإسلاموية شبه العسكرية في أفريقيا؟

مع اقتراب نهاية الرحيل الفوضوي والعنيف للقوّات الأمريكيّة من كابول، العام الماضي، بدأ خبراء دفاع غربيّون يطرحون السّؤال الآتي: هل سيؤدّي رحيل القوّات إلى عودة ظهور “فرع” داعش في أفغانستان، تنظيم ولاية خراسان؟ اكتسب السّؤال أهميّة إضافيّة عندما زعم التّنظيم أنّه نفّذ تفجيراً انتحاريّاً مروّعاً في مطار حامد كرزاي الدّولي، في آب (أغسطس) الماضي، ممّا أسفر عن مقتل 90 شخصاً على الأقلّ وإصابة أكثر من 150 آخرين.

كان من بين القتلى 13 جنديّاً أمريكيّاً، وبينما كان المفترض أنّهم كانوا المقصودين من العمليّة، أثار القصف أيضاً قضيّة كراهية تنظيم ولاية خراسان لنظام طالبان أثناء تحرّكه للسّيطرة على البلاد بأكملها. ما لم يكن واضحاً في ذلك الوقت هو ما إذا كانت هذه الكراهية ستستمرّ، وأيضاً ما إذا كان تنظيم القاعدة في أفغانستان سيحتفظ بصلاته مع طالبان.

أثارت هذه الأسئلة مجتمعة مخاوف من استخدام أفغانستان قاعدةً لعمليّات دوليّة مستقبليّة تقوم بها هذه الجماعات.

أُثيرت أيضاً القضيّة الأوسع المتمثّلة في تحدّي “داعش” و”القاعدة”، وغيرهما من الجماعات الإسلامويّة شبه العسكريّة المتطرّفة في العالم الأوسع، وهو سؤال عدتُ إليه في مقالين كتبتهما مؤخّراً؛ أشار الأوّل، في كانون الأوّل (ديسمبر) من العام الماضي، إلى تزايد نفوذ هذه الجماعات عبر منطقة السّاحل ونزولاً عبر شرق أفريقيا.

المقال الثّاني، كان بعد شهرين، ركّز بشكل خاصّ على الهجمات المرتبطة بداعش في شمال العراق، وكذلك في سوريا؛ حيث كانت هناك عمليّة هروب كبيرة من السّجن.

في غضون أيّام من ذلك، اختفت التّغطية الصّحافيّة لهذه الحركات عبر وسائل الإعلام الغربيّة في أعقاب الغزو الرّوسيّ لأوكرانيا، باستثناء استثناءات نادرة مثل؛ تقارير اغتيال زعيم القاعدة أيمن الظّواهريّ في كابول بواسطة طائرة أمريكيّة من دون طيّار قبل خمسة

كانت قيادة طالبان قد منحت الظّواهريّ مأوى لعدّة أشهر، لكنّ موقعه كان معروفاً لوكالات المخابرات الأمريكيّة، وأصدر بايدن الأمر النّهائيّ بقتله، وبينما أظهر ذلك قدرة قوّات الأمن الأمريكيّة على شنّ هجمات من خارج البلاد، فقد كشف أيضاً أنّ العلاقة بين طالبان والقاعدة ما تزال قويّة ومن المرجّح أن تستمرّ.

تحافظ الجماعات الإسلامويّة على نفوذها؛ بل وتزيد من نفوذها عبر منطقة السّاحل وكذلك على طول ساحل شرق أفريقيا من الصّومال وصولاً إلى موزمبيق

ما تزال مسألة وضع الجماعات الإسلامويّة شبه العسكريّة المتطرّفة في أنحاء العالم كافّة قائمة، إنّها قضية مهمّة، على الرّغم من طغيان أخبار فلاديمير بوتين وحرب أوكرانيا عليها.

في كلّ من سوريا والعراق، تسود اتجاهات عنف أخرى حالياً، ما يزال هناك حوالي 2,500 جنديّ أمريكيّ في العراق؛ حيث كان هناك تصعيد كبير في القتال بين الميليشيّات الشّيعيّة المدعومة من إيران وأنصار مقتدى الصّدر الأكثر قوميّة. في غضون ذلك، تكثّفت إجراءات الحكومة السّورية ضدّ المعارضة المحلّية، مع استمرار روسيا في تقديم الدّعم.

بالنّظر إلى عدم الاستقرار السّياسي الحالي في العراق، من المرجّح أن يستمرّ الدّعم السنّي للجماعات شبه العسكريّة المتطرّفة، ليس أقلّها “داعش”.

لأنّ الهيمنة السّياسيّة الشّيعية ستبقى؛ فالشّيعة يحافظون على أغلبيّة انتخابيّة عامّة، على حساب الأقلّية السنّية، على الرّغم من الاضطرابات والعنف الحاليّين بين القوى الشّيعية.

في الوقت نفسه، تحافظ الجماعات الإسلامويّة على نفوذها بل وتزيد من نفوذها عبر منطقة السّاحل وكذلك على طول ساحل شرق أفريقيا من الصّومال وصولاً إلى موزمبيق.

التّطوّرات الأخيرة في مالي وموزمبيق والصّومال تكذّب كلّها الاعتقاد بأنّ “داعش” و”القاعدة” والجماعات شبه العسكريّة الأخرى ليست أكثر من أشباح من الماضي، بدلاً من ذلك؛ فهي أمثلة لاتّجاه لا يُظهر أيّة علامة على النّهاية

في مالي، انتهت العملية العسكريّة الفرنسيّة “برخان”، التي استمرّت تسعة أعوام، لمواجهة “داعش” وميليشيّات إسلامويّة أخرى من دون نجاح؛ حيث سحبت فرنسا أخيراً قواتها كافّة الشّهر الماضي.

تموّل حكومة مالي مزيداً من العمليات بدعمٍ من مرتزقة فاغنر، وهي مجموعة شبه عسكريّة روسيّة يُعتقَد على نطاق واسع أنّها مرتبطة بالدّولة.

في الأشهر السّتّة الماضية، كان هناك العديد من القتلى المدنيّين في مالي، وانتقد المعلّقون الخارجيّون بشدّة الجيش الماليّ وقوات فاغنر. حتّى الآن، فإنّ العمليّات المكثّفة لمكافحة التّمرّد في مالي وعبر منطقة السّاحل الأوسع لم تفعل شيئاً يُذكَر لكبح قوّة الإسلامويّين، بينما خلّف هجوم إسلامويّ أخير في الصّومال على فندق الحياة في مقديشو ما لا يقلّ عن 21 قتيلاً، والعديد من المصابين. وأعلنت حركة الشّباب، وهي جماعة إسلامويّة قويّة لها صلات بالقاعدة، مسؤوليّتها عن الهجوم.

على بعد أكثر من ألف كيلومتر إلى الجنوب، في مقاطعة كابو ديلغادو الغنيّة بالكربون الأحفوريّ في شمال موزمبيق، كان هناك تصعيد على مدى شهرين في النّشاط الإسلامويّ شبه العسكريّ المرتبط بشكل فضفاض بـ”داعش”، ممّا أدّى إلى شلّ أمن الملايين ونزوح 80 ألف شخص بشكل مباشر.

قبل ذلك، وعلى الرّغم من مساعدة عسكريّة من دول مجاورة خلال العام الماضي، اتّضح أنّ الادّعاء السّابق الذي أدلى به القائد العام للشّرطة الوطنيّة الموزمبيقيّة بأنّ “الحرب ضدّ الإرهاب أوشكت على الانتهاء”، غير صحيح، كما هو الحال بالنّسبة لادّعاءات أنّ التمرّد يعود إلى جهات خارجيّة.

بينما قد يكون للجماعات المرتبطة بـ”داعش” بعض التّأثير، خلصت مجموعة مستقلّة لبناء السّلام في موزمبيق “فوميكرس”، إلى أنّ: “الحقيقة هي أنّ الصّراع له أصول داخليّة؛ بسبب سوء الإدارة والعلاقة السّيّئة بين الدّولة والسّكان المحلّيّين . طالما تجاهلت الحكومة هذه الحقيقة، فلن تتوقّف الهجمات”.

أفادت “أسوشيتد برس” أنّه في حين تمكّن الجيش الموزمبيقيّ والقوّات الأجنبيّة المتحالفة معه من طرد المتمرّدين من بلدات كابو ديلغادو إلى الغابات “فقد وضع هذا فعليّاً المدنيّين الرّيفيّين على خطّ المواجهة، منذ حزيران (يونيو)، اتّسم التمرّد بهجمات كرّ وفرّ لا هوادة فيها على القرى غير المحميّة، ممّا أدّى إلى تزعزع الجيش والشّرطة بينما يندفعان للرّد من حادث إلى آخر”.

التّطوّرات الأخيرة في مالي وموزمبيق والصّومال تكذّب كلّها الاعتقاد بأنّ “داعش” و”القاعدة” والجماعات شبه العسكريّة الأخرى ليست أكثر من أشباح من الماضي، بدلاً من ذلك؛ فهي أمثلة لاتّجاه لا يُظهر أيّة علامة على النّهاية، لكنّه أُخفي في أنحاء العالم الغربيّ كافّة، أوّلاً بسبب تأثير الجائحة والآن بسبب حرب أوكرانيا.

هذه الحرب في حدّ ذاتها تضرّ بالاقتصادات في أنحاء جنوب الكرّة الأرضيّة كافّة، ممّا يؤدّي إلى مزيد من التّهميش الاجتماعيّ والاقتصاديّ والمزيد من الشّباب المتاحين للتّجنيد في الجماعات شبه العسكريّة المتطرّفة، إنّها جزء من مأزق الأمن العالميّ الذي يُتجَاهَل الآن تجهله بشكل متكرّر.

لبول روجرز ترجمة محمد الدخاخني.

حفريات_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate