المرأة

المرأة في الفضاء العام.

يتنامى لدى النساء منذ صغرهنَّ نوع من الإدراك الاجتماعي الناتج عن بعض الأحداث الاجتماعيّة بالإضافة إلى أساليب تنشئتهنَّ في المنزل والمدرسة، مفاد هذا الإدراك أنّ الخارج خطر، فالأماكن العامة ليست متاحة لهنَّ ووجودهنَّ في الفضاء العام مرتبط بوظيفة محدّدة هدفها الوصول إلى مكان أو العودة منه، وتفضّل معظمهنَّ العنف داخل المنزل على العنف في الخارج بسبب أنّ المعنِّفين هنا لهم الحقّ باعتبارهم أوصياء فيما يتملكهنَّ الخوف من الخروج والتعرّض لعنف الخارج المحتمل، لا يمكننا اعتبار الفضاء العام محايداً بين الجنسين، فالتمييز على أساس النوع الاجتماعي سمة واضحة فيه، نضال النساء يتطلّب جهداً طويلاً وملحّاً فالعالم بأكمله مصمّم لاضطهادهنَّ والتقليل من وجودهن، وأينما ذهبن تواجهن العقبات التي تسبّب انكفاءهنَّ وقبولهنَّ بحالة من الطواعية الاجتماعيّة لهذه القيود وتجنّب التمرّد عليها.

أسرار الفضاء العام

لا يمكن حدوث الفعل التواصلي الاجتماعي دون فضاء عام يحتويه والذي يعزّز النشاط الحيوي للأشخاص ووجودهم، تواجه المرأة الكثير من المعوّقات في الفضاء العام والتي تؤثر على هويّتها المتمثّلة بانتمائها وسلوكها وحضورها على المستوى المادي، يبدو وكأنّ الفضاء العام صمّم خصيصاً للرجال يمكننا ملاحظة ذلك بمراقبة بسيطة لحركة كلا الجنسين ضمنه، في المدرسة في الجامعة على الأرصفة وفي الطرقات وحتّى داخل المركبات الخاصّة تواجه النساء نوعاً من الإقصاء والعنف، في مجتمعاتنا يبدو الأمر حتميّاً وخاصّة بالنسبة للرجال “فالأماكن العامّة ليست للنساء” و لا يمكنها التواجد فيها في أيّ وقت، وإن تعرّضت لأيّ نوع من العنف فهي المذنبة لاقتحامها أماكن لا تناسب جنسها، يرتكز هذا الاستبعاد للمرأة من الأماكن العامّة على مجموعة من الضوابط والقيود الممارسة عليها منذ زمن، ففي بعض الأماكن في سوريا تُمنع المرأة من الخروج من منزلها على الإطلاق ويقوم الرجل بتولّي جميع المهام خارج المنزل وهو من يصطحبها الى منزل أهلها في فترات زمنية متباعدة، نساء لا يعرفن الحدائق والمقاهي وحتّى السوق، يعشن حياتهنَّ داخل الجدران، يعتبر هذا أشدّ أنواع الاضطهاد والعنف الذي يمكن ممارسته على إنسان، تقييد حرية الحركة والفعل واختصار النشاط الحيوي ضمن أفعال ثابتة ومكرّرة، إنّ نزع الطابع الاجتماعي عن المرأة هو عنف بنيوي قائم على وضع بناء اجتماعي يتحكّم في هويّتها عبر زعزعة ثقتها بإشعارها بالخوف والقلق ضمن الفضاء العام ممّا يؤدّي إلى تفضيلها عدم اقتحامه والنأي بنفسها عن المساحات التي تشكّل خطراً عليها.

أنواع العقبات التي تواجه النساء في الأماكن العامة

يختلف تواجد النساء في الفضاء العام بحسب بيئتهنَّ وتقاليد أسرهنَّ والدائرة الضيّقة التي ينتمين لها، هناك فتيات ونساء تمردن على عوائلهنَّ واستطعن الخروج والتواجد في الفضاء العام وإثبات حضورهنَّ فيما تخضع أخريات للتركيبة المجتمعيّة التي ينتمين إليها، فقد يُمنعن من إكمال تعليمهنَّ الجامعي بسبب “تواجد عدد كبير من الجنسين في الجامعات” وضرورة الخروج بمفردهنَّ لوقت طويل، وبغضّ النظر عن مدى حريّة الفتيات في حركتهنَّ وقدرتهنَّ على العمل والحركة فهنَّ يمتلكن صفة عامة داخل الفضاء العام وهي ” الانكماش” نساء منكمشات على أنفسهنَّ يتعاملن مع حضورهنَّ الجسدي بخوف وقلق، وكأنهنَّ يحاولن طوال الوقت إخفاء الطابع الأنثوي الذي قد يستفز الآخر ويدفعه للعنف والتحرش والإساءة، تتميّز أجساد النساء هنا بأنّها فاقدة للهويّة ومحايدة بسبب محاولات النساء لعدم ملاحظتهنّ، أحد الأسباب التي تدفعهنَّ لذلك هو تحولهنَّ في المكان العام إلى موضوع مراقبة واستهلاك، ففي كلّ لحظة يقرّرن فيها الخروج عليهنَّ الاهتمام بمظهرهنَّ أضعاف الرجال فهنَّ مقبلات على عمليّة تفحّص طويلة وتشريح لملابسهنَّ وأجسادهنَّ وحركتهنَّ وأسلوبهنَّ بالمشي والكلام، ولا يمارس الرجال هذه الرقابة فقط بل حتّى أنّ النساء أنفسهنَّ تحوّلن لمراقبات لبعضهنَّ البعض ليخلقن عملية اجتماعيّة معقّدة تؤثّر على عفويتهنَّ وأصالتهنّ، ولا يراعي الرجال وجود النساء في الشارع وضرورة إفساح المجال لهنَّ فهم يتعاملون وكأنّما هذا الشارع خصّص لهم والنساء دخيلات وعليهنَّ المشي دون عرقلتهم، وتبقى المخاوف الأكثر إلحاحاً على عقول النساء هي إمكانيّة تعرّضها للعنف في أيّة لحظة، ومحاولات التستّر والعودة في وقت محدّد وبسلك طرقات محدّدة، وعدم الأمان في وسائل النقل، حتّى أنّ هناك بعض الطرقات التي تخبر الفتيات بعضهنَّ بضرورة عدم التواجد فيها والابتعاد عنها، يزيد من تقييد حركة النساء اليوم في سوريا غياب الإنارة وانعدام الأمن الذي سبّبته الحرب، وهذا يجعل ساعات ما بعد السادسة مساءً تشكّل خطراً للتواجد في الخارج.

الحلول الممكنة

لا يمكن إيجاد الحلول إذا لم يتمّ التعامل مع النساء ككيان مستقل لهنَّ حقّ التواجد في الفضاء العام والتنقّل بحريّة، كما أنّ اعتبار الأماكن العامة بالنسبة للنساء وجدت لوظيفة محدّدة هو تقييد لهنَّ وحرمان من وجودهنَّ في أماكن الترفيه والتسلية وممارسة الجوانب الأخرى من الحياة، من حقّ المرأة شعورها بالأمان في الأماكن العامّة دون أن تتقيد بالشروط الأبويّة التي تقيّد حركتها، ولا يمكن اعتبار السلامة المشروطة بارتياد أماكن معيّنة دون أخرى تحظر عليهنَّ حلّاً، فمن الضروري أن تكنَّ قادرات على الوصول لأيّ مكان دون عقبات أو خوف، أن يمتلكن الحقّ في المشي والركض وممارسة أفعالهم الحياتيّة كما الرجال، كلّ هذا يتطلّب تفكيك المفاهيم الموضوعة يما يخص تواجد النساء في الفضاء العام، وإعادة بناء نظام اجتماعي يسمح للنساء بالحضور الكامل ضمن هذا الفضاء مع كامل حريتهنَّ في اختيار ما يلبسونه وما يقمن به من أفعال والأماكن التي يودون ارتيادها، يتطلّب هذا جهداً ومشاركة من الباحثين الاجتماعيّين لدراسة المشكلة وأثرها وإصدار إحصائيّات دقيقة تبيّن حركة النساء، وعدد النساء المحرومات من التواجد في الفضاء بالإضافة لتصميم الأماكن لاحتوائهنّ وضمان عدم تعرضهنّ للخطر، النساء معنيّات بدورهنَّ بالمطالبة بحقوقهنَّ وتجاوز مخاوفهنَّ والقلق الذي قد يرافقهنَّ في ساعاتهنَّ خارج المنزل وعدم الخضوع لهذه المعايير المجحفة بحقهنَّ وتفضيل الالتزام بالمنزل، معظم التغييرات التي تحصل في حياة البشر تتطلّب شجاعة وقدرة على المواجهة وهذا ما يتوجّب على النساء امتلاكه.

لليلى خليل.

مجلة صور_ موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate