اصلاح ديني

قراءة في كتاب الاجتماع الديني الشيعي للدكتور علي المؤمن:(1)

الحقل العلمي الجديد الذي يحاول الباحث العراقي التجديدي الدكتور علي المؤمن من خلاله نقل قضايا الاجتماع الديني الشيعي وظواهره، من خندق الطائفية الى رحاب البحث العلمي المنهجي، هو موضوع كتاب مهم ونوعي وفريد، حمل عنوان “الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع”، وقد صدر في العام 2021 عن مركز دراسات المشرق العربي في لبنان، ويقع في (366) صفحة.

مركز نقد وتنوير – نقد وتنوير، مقاربات نقدية في التربية والمجتمعالاجتماع الديني الشيعي للدكتور علي المؤمن: نبيل علي صالح9 سبتمبر، 2022291 مشاهداتنقد وتنوير، مقاربات نقدية في التربية والمجتمعالاجتماع الديني الشيعي للدكتور علي المؤمن الحقل العلمي الجديد الذي يحاول الباحث العراقي التجديدي الدكتور علي المؤمن من خلاله نقل قضايا الاجتماع الديني الشيعي وظواهره، من خندق الطائفية الى رحاب البحث العلمي المنهجي، هو موضوع كتاب مهم ونوعي وفريد، حمل عنوان “الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع”، وقد صدر في العام 2021 عن مركز دراسات المشرق العربي في لبنان، ويقع في (366) صفحة. ويثير الكتاب قضيةً محورية متشعبة وممتدة في الفكر والتاريخ الإسلامي، وفي عمق حركية الاجتماع الشيعي بالذات، وهي قضية لم تتم معالجتها بتوسعٍ تحليلي واستطراد وصفي تاريخي أكاديمي، مع أهميتها الفكرية والمعرفية الاجتماعية والتاريخية، ورغم تناولها الجزئي المحدود من قبل بعض الكتّاب والفقهاء والمجددين ضمن مؤلفاتهم الفقهية أو الاجتماعية أو السياسية حول المذهب الإسلامي الشيعي عموماً. وما يلفت النظر هو سعة المساحة المرجعية التي تحرك فيها الدكتور المؤمن وهو يدون الكتاب، إذ استعان الباحث لإنجازه بأكثر من (200) مصدر ومرجع فكري وسياسي وفلسفي واجتماعي.

يتألف الكتاب من تسعة فصول، حملت عناوين: منهج دراسة الاجتماع الديني الشيعي، المسار التاريخي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي، البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي، المرجعية الدينية: قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي، الحوزة العلمية: المؤسسة الدينية للنظام، إعادة مأسسة منظومة المرجعية الشيعية، عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي، إشكاليات الهوية الشيعية، المرجعية الشيعية بعد السيستاني والخامنئي. وختم الكتاب بالنتائج.

طروحات الكتاب وأفكاره:

سنحاول -ابتداءً- تسليط الضوء على محتويات الكتاب (الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع)، وطبيعة مضامينه الأساسية؛ لنتعرف على طروحاته وأفكاره، وماهية الجدة الممكن ملامستها فكرياً وعملياً في معالجته لقضية محورية انشغل بها عموم التفكير والسلوك الاجتماعي الديني عند الشيعة بالذات، وعند غيرهم بطبيعة الحال؛ حيث التفكير بالآخر قد يتفوق أحياناً على التفكير بالأنا، دونما تأسيسٍ منهجي تنظيمي عملي لها، بل بقيتْ متناثرة ومبعثَرة نظرياً بين طيات النصوص ومظان الكتب والمفاهيم والفتاوى الدينية، حتى اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، التي تحوّل بموجبها الاجتماع الديني والسياسي الشيعي، عبر إحدى قنواته الاجتهادية وهي ولاية الفقيه، إلى واقع دستوري قانوني دولتي، إذا صح التعبير، ارتدى جسمَ الدولة في مبانيها وهياكلها المؤسسية الحديثة، لأول مرة في التاريخ الإسلامي الحديث.

نؤكد بدايةً؛ إنّ مصطلح “الاجتماع الديني الشيعي” كخلفيةٍ نظرية تحاول تأطير الشيعة في بُعد اجتماعي وسياسي ديني واحد، متمايز عن اجتماع ديني آخر؛ لم يتم تداوله ـــ كما قلنا ـــ في الفضاء الثقافي والديني الإسلامي، إلّا خلال الفترات الزمنية اللاحقة لظهور المعالم التأسيسية الأولى لمجمل المنظومة التفكيرية الشيعية، خاصة بعد انتصار ثورة إيران الإسلامية عام 1979م، حيث أعيد التركيز مجدداً على كامل تلك المنظومة، بما فيها من رؤى واعتقادات الشيعة الإمامية في العالم، والذين كانوا ـــ بطبيعة الحال ـــ معروفين كجماعة دينية أو كتيار ومذهب إسلامي له أصوله العقدية والطقوسية وانتماؤه الولائي لخط وفكر ونهج أهل البيت (ع)، ولكن وصولهم الى الحكم والسلطة السياسية مجدداً في العصر الحديث، أعاد التركيز مجدداً على أهم مفردة من مفردات هذا الاجتماع الديني الشيعي، وهي مفردة “ولاية الفقيه”، التي استندت إليها الثورة لبناء هيكل الدولة بطابعها الإسلامي الجديد، وفقاً للمنظور والبنية الفكرية الدينية الشيعية، بكل أبعادها السياسية والإدارية والحقوقية.

وعندما نتحدث هنا عن “اجتماعٍ ديني شيعي”، لا بدّ أنْ تكون السياسة فيه حاضرة بقوة على مستوى بيان الغاية منها، ومعرفة العلاقة بين المراجع والناس، والمراجع والدولة، وعلاقات الناس بمنظومتها الاعتقادية الدينية في سياق تفاعلها مع مؤسسات الدولة، ومفردات بناء الدولة، في بنيتها وطبيعة مكوناتها الجماعاتية الأهلية والمدنية المتنوعة والمتعددة؛ فهي قضية تتشعب منها قضايا كثيرة في مستويات متعددة ومتشابكة، وقد تكون متعارضة أحياناً.

في الفصل الأول من هذا الكتاب، والذي حمل عنوان “منهج دراسة الاجتماع الديني الشيعي”، يقول الدكتور علي المؤمن أنه اعتمد المنهج الوصفي التحليلي والدراسة التاريخية، حيث يستحضر المشهد ويفكك محتوياته، ومن ثمّ يحاول إعادة مأسسته وبناء عمرانه المعرفي بصورة زاهية جديدة من باب الإصلاح والتجديد والتأصيل للواقع. ويعتقد الباحث أنه تمكن من القبض على مفاصل النظام الاجتماعي الديني الشيعي في كل ما يتعلق بهيكليته ومكوناته وأجزائه وأنساقه الداخلية، وطبيعة علاقاته مع الآخر المختلف مذهبياً ودينياً وفكرياً وسياسياً. وهنا يبدأ المؤلف بتعريف “النظام الديني الاجتماعي الشيعي” من حيث أنه ظاهرة مركبة، اجتماعية تاريخية إنسانية، تستند إلى قواعد تأسيسية نظرية، عقدية وفقهية وتاريخية، وتقف على بنى اجتماعية دينية، واجتماعية سياسية، واجتماعية ثقافية، واجتماعية معرفية.

ويعرِّف المؤلف علم الاجتماع الديني بأنه منهج معرفي نشأ في الغرب كرد فعل على احتكار الكنيسة للدراسات المعنية بالأديان وتطورها التاريخي وفلسفتها وعقائدها، لكنه منهج اصطبغ بالعلمانية، وبرزت فيه منهجياتها السوسيولوجية والأنثروبولوجية والأثنولوجية الدينية، التي قدمت تفسيرات وشروحات علمانية لنشوء الأديان وتطورها ولتعريف المقدس والمدنّس.

وبيّن المؤلف أنّ علم الاجتماع الديني التقليدي يمثل الفهم السوسيولوجي العلماني للدين، وهو أمر مختلف عن علم الاجتماع الديني الجديد، الذي ينظّرُ له الدكتور المؤمن، والقائم على دراسة الدين من داخل نصوصه ومعطياته ومفاهيمه، من خلال علم العقيدة وعلم الفقه وعلوم النص المقدّس، وتاريخ الأنبياء والأديان.

ويعتبر المؤلف أنّ علمَ الاجتماع الديني المعاصر قاصرٌ جداً عن دراسة النظام الديني الاجتماعي الشيعي أو الظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية، حيث أنها ظاهرةٌ اجتماعية دينية سياسية ثقافية معرفية مركّبة، تضمّ تحت جناحيها كل المنتمين إلى المذهب الشيعي الاثني عشري، سواء المنتمي بالوراثة أو المنتمين بالاكتساب العميق، وسواء كان هؤلاء المنتمون متدينين ملتزمين بالجوانب الإيمانية والشعائرية أو غير متدينين، وهذا التركيب الموضوعي للظاهرة يجعلها مختلفة عن كل الأديان والمذاهب في العالم، بما فيها المذاهب الإسلامية، وإذا كان منهج علماء الاجتماع الديني التقليدي قادراً على دراسة اجتماع الأديان والمذاهب برمتها؛ كونها ظواهر اجتماعية دينية بسيطة وليست مركبة، ويحيل ظواهر الاجتماع السياسي والثقافي والمعرفي الى فروع علمية أخرى في علم الاجتماع؛ فإن علم الاجتماع الديني التقليدي يقف عاجزاً عن دراسة الظاهرة الاجتماعية الدينية الشيعية؛ كونها ظاهرة مركبة، يندمج فيها الديني بالسياسي بالثقافي بالمعرفي، كما يقول الدكتور المؤمن.

ويؤطِّر المؤلف الشخصيةَ الشيعية المتكاملة المنتمية لفضاء المذهب الشيعي بعدة عناصر، تشكِّل بمجموعها القوام العقدي النظري، والاجتماعي والسلوكي التطبيقي لهذه الشخصية، وهي: العنصر العقدي، العنصر الفقهي، العنصر السلوكي، العنصر التاريخي والعنصر الاجتماعي. والى جانب هذه العناصر الست، يذكر المؤلف ست ظواهر أساسية تشكل النظام الاجتماعي الشيعي، هي: السلطة السياسية، المؤسسة الدينية العلمية، الشعائر الوجدانية والطقسية، المال الشرعي، المؤسسات الداعمة والقاعدة الاجتماعية.

والى جانب هذه العناصر الست، يذكر المؤلف ست ظواهر أساسية تشكل النظام الاجتماعي الشيعي، هي: السلطة السياسية، المؤسسة الدينية العلمية، الشعائر الوجدانية والطقسية، المال الشرعي، المؤسسات الداعمة والقاعدة الاجتماعية. وهنا يعيد المؤلف التأكيدَ على أنّ مصطلحَ النظام الاجتماعي الديني السياسي، لا يعني فقط مفهوم المرجعية الدينية الشيعية، بل هو نظام اجتماعي ديني مكونٌ من المذهب الشيعي والطائفة الشيعية، حيث تقفُ المرجعية الشيعية على رأس الاجتماع الديني الشيعي لتكون مرجعية قيادة ورعاية لهذا النظام.

ويوكد الدكتور المؤمن أنه توصل إلى صياغة هذ مصطلح “النظام الاجتماعي الديني الشيعي” من خلال بحثه عن مصطلح جامع يستوعب كل جوانب الكيانية الشيعية في بعديها النظري والعملي، زعماً منه بأن هذا المصطلح يقارب حقيقة هذه الكيانية الاجتماعية الدينية الثقافية السياسية التي تعبر عن واقع الشيعة الإمامية الإثني عشرية ومسارهم التاريخي والجغرافي، بوصفهم أكبر جماعة بشرية منظمة في العالم، يصل عددها إلى 400 مليون نسمة تقريباً، ويرى أن الشيعة (كمجتمع) يتميزون عن غيرهم، بتحولهم إلى جماعة مستقلة ـــ غالباً ـــ عن الدولة في مساراتها الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية والحسبية. وأما هيكلية هذا النظام الاجتماعي الديني الشيعي، فيذكر المؤلف أجزاءها العشرة، والتي تقف على رأسها المرجعية الدينية العليا أو ولاية الفقيه.

وفي الفصل الثاني الذي حمل عنوان: “المسار التاريخي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي”، يستعرض الكاتب بدايات تأسيس النظام الديني الشيعي الذي وُضع على يد الإمام علي بن أبي طالب (ع) بعد وفاة الرسول (ص)، وواقعة السقيفة في المدينة المنورة عام 11 ه (623م)، بما يعني أنّ الحدَث التأسيسي لهذا النظام الديني الشيعي هو مخرجات واقعة السقيفة، وهو حدثٌ مركّب ينطوي على بعد عقدي أساس، عنوانه “الحق الشرعي”، المستند إلى وصية الرسول (ص) للإمام علي(ع) في خلافته، أي أنّه حقّ ديني وليس حقّاً سياسياً. وهذا الوعي الديني ـــ السياسي، بات ركيزة الأطروحة الفكرية والسياسية لمدرسة أهل البيت (ع) في امتداد الأيام والعصور، وهي أطروحة تُعطي للحاكم الشرعي بعداً تأصيلياً دينياً وليس سياسياً وحسب.

ويتابع الكاتب عرضه التاريخي لمآلات تكريس مدرسة الخلافة في العصور اللاحقة، خاصة بعد استئثار آل أمية بالحكم.. دولةً ومقدرات وثروات، وتحويلهم النظام لملكية وراثية حصرية، ومركب ثيوقراطي (ديني علماني سلطاني)، متشبّه بالنظام “القسطنطيني الروماني المسيحي”، دون نسيان وضع لافتات وشعارات ومسوح دينية ظاهرية شعاراتية، لكي تضفي على سلطتها شرعية خلافة رسول الله (ص)، وهو ما نجحت فيه هذه السلطة، التي بنت لنفسها هوية معيارية تاريخية ارتزاقية خاصة، قبضتْ بموجبها على رأسمال الأمة المادي لعدة عقود، ووحدتها الأمة، ضمن اجتماع عقدي سياسي جديد في مواجهة نظام اجتماعي ديني آخر للشيعة، وهو نظام بقي مستقلاً عن آلة الحكم والرئاسة والدولة التي كانت في نظره غير شرعية.

وبعد الانتهاء من عصر الإمامة لتبدأ مرحلة الغيبة (غيبة المهدي المنتظر، الإمام الثاني عشر عند الشيعية الإمامية) في العام 260هــــ (874م)، استمرّ النظام الاجتماعي الديني الشيعي تحت قيادة زعماء الشيعة الدينيين في بغداد ابتداءً، ثم النجف لاحقاً، حيث بات الفقيه المتصدي هو الزعيم الديني والمرجع الاجتماعي والسياسي والقضائي للشيعة في امتداد الزمن كله، حتى يخرج الإمام المنتظر. وقد تمكنت هذه المرجعية ــ وفق المؤلف ـــ من خلال استقلاليتها عن الخط الرسمي الحاكم، من المحافظة على:

_تراث الأئمة وآل بيت رسول الله (عليهم السلام)، ومواريثهم الفكرية والقيمية والعملية.

_حفظت الشيعةَ كأفراد وكجماعة على طول التاريخ.

_خلقت للشيعة كياناً اجتماعياً دفاعياً منظّماً، بالرغم من كل محاولات الهيمنة والتمزيق والقمع والاجتثاث والتصفية التي ارتكبتها الخطوط والزعامات السياسية الزمنية الحاكمة على مر الأيام والدهور الإسلامية.

ويقسم الكاتب التاريخ الاجتماعي الديني السياسي الشيعي الى ستة عصور:

_عصر الإمام علي (ع)، في المدينة والكوفة، استمر (112) سنة (632 – 750م).

_عصر الإمام الصادق (ع)، في المدينة والكوفة، استمر (128) عاماً (750 ـــ 874م).

_عصر الشيخ عثمان بن سعيد العمري، في بغداد، استمر حوالي (188) عاماً (874 ـــ 1056م).

_عصر الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، في النجف، استمر حوالي (459) عاماً (1056ـــ 1501م).

_عصر السيد اسماعيل الصفوي الموسوي، في تبريز وأصفهان، استمر حوالي (262) عاماً (1501 ـــ 1763م).

_عصر السيد روح الله الموسوي الخميني، في قم وطهران، بدأ في العام 1979م وما زال مستمراً حتى تاريخه.

وضمن هذا الفصل، يثير الدكتور علي المؤمن قضية انهيارات العصور الشيعية الخمسة الأولى المذكورة، معترِفاً بوجود أسباب وعوامل مَرَضِية داخلية، قبل الحديث عن مؤامرات خارجية، ومركِّزاً على عدم وضوح المشروع، وافتقاره لستراتيجيا السياسة والحكم، وتناحر أطرافه، وتشتت قراراهم، والاقتناع بالمكاسب الخاصة من قبل بعض الشيعة.

في الفصل الثالث من الكتاب، وهو تحت عنوان: “البِنيةُ العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي”، يتحدث المؤلف عن قاعدة نيابة الإمام المعصوم، كمبدأ عقدي شيعي، ومبدأ التقليد، وهو من المبادئ الفقهية الأساسية في منظومة الفقه الشيعية، والتي يركز فيها على ولاية الفقيه كإحدى أهم آليات وبنى التقليد العملية في الفكر الإمامي بعد غيبة المعصوم، مستعرضاً آراء العلماء فيها.

ويبيِّن الكاتب أن منظومة التقليد عند الشيعة الإمامية قائمة وموجودة تاريخياً منذ غيبة الإمام المهدي المنتظر، حيث دخلت مدرسة الإمامة عصراً وعهداً ومرحلة جديدة، كانت تتطلب تحديد شكل النظام الشيعي ومضمونه، وصاحب الحق الشرعي في قيادته؛فقد لجأ المحدِّثون الشيعة ـــ كما يؤكد الكاتب ـــ إلى أحاديث الأئمة التي أناطت هذا المنصب بالفقهاء أو العلماء أو رواة الأحاديث، وهي كلها تسميات لمعنى واحد، ويشير الكاتب إلى أهم تلك الأحاديث، ومنها: ((العلماء ورثة الأنبياء)) و((العلماء حكام على الناس))، و((أما من كان من الفقهاء صائناً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه))، و((وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)9، فضلاً عن أحاديث أخرى كثيرة داعمة، تؤكد على وجوب التقليد، وتدل ـــ كما يرى الكاتب ـــ على صلاحية الولاية الدينية والقيادة الاجتماعية الشاملة للفقيه كحد أدنى.

وهنا يبيِّن المؤلف أن الفقهاء يذهبون إلى أن الدلالات الجوهرية لهذه الأحاديث، تحدد خمس وظائف أو صلاحيات حصرية للفقيه، وكل واحدة منها تمثِّل ولاية فرعية من ولاية الفقيه:

_وظيفةٌ فقهية، تتمثل في الإفتاء.

_وظيفةٌ تحكيمية، تتمثل في القضاء.

_وظيفةٌ مالية، تتعلق بشؤون الحقوق الشرعية.

_وظيفةٌ حسبية، تتعلق بإدارة شؤون المجتمع الشيعي.

_وظيفةٌ سياسية، تتعلق بإقامة الدولة الإسلامية وقيادتها.

وفي سياقٍ آخر من هذا الفصل، وتأكيداً على مبدأ ولاية الفقيه، يتحدث الدكتور المؤمن عن تأصيل هذه الولاية الشاملة منذ أيام الشيخ المفيد، أي قبل 1050 عاماً، ويتابع قراءته التاريخية لهذا السلسلة من التوثيقات الفكرية التاريخية للعلماء والفقهاء الشيعية الذين أكدوا على هذا المبدأ، وصولاً إلى واقع هذا المبدأ الفقهي.

ـــ السياسي في كل من مدرستي النجف وقم؛ فيؤكد الكاتب أن وجود خلاف بينهما حول مبدأ ولاية الفقيه كمبدأ مركزي وأساسي في منظومة التفكير الاجتماعية الدينية الشيعية. هو محض هراء وحديث دعائي انفعالي بعيد عن لغة العلم والواقع القائم، وحتى لو كان يوجد خلاف بين المراجع سواء في النجف أو قم، فهو خلاف علمي بحث، وليس خلافاً في أصل وبينة مبدأ ولاية الفقيه؛ بل في مساحاته، وهو قائم بين علماء قم أنفسهم، أو بين علماء النجف، دون أن يكون للجغرافيا أو السياسة أي دور في هذا المجال.

ويلقي المؤلف الضوء على مبدأ ولاية الفقيه في جانبه التطبيقي خلال حكم الإمام الخميني في إيران بعد العام 1979م، معتبراً أن البداية الحقيقية للنهضة المنهجية في بحوث ولاية الفقيه جاءت مع الإمام الخميني؛ فكانت المرة الأولى في تاريخ النظام الاجتماعي الديني الشيعي التي يؤسس فيها أحد فقهاء لأطروحة فقهية متكاملة في شمول ولاية الفقيه على وظيفة الحكم، ويدعو صراحة إلى تطبيقها.

ويشير الكاتب إلى أن ثورة الإمام الخميني ودولته، ترافقت معها نهضة بحثية علمية واسعة متفردة، في موضوعات ولاية الفقيه خاصة، والفقه السياسي الإسلامي الشيعي عامة، ومن تلك البحوث الرائدة: “الإسلام يقود الحياة” للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (ت 1980م)، “دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإٍسلامية”، للشيخ حسين علي المنتظري (ت 2009م)، “الفقه السياسي” للشيخ عباس علي عميد الزنجاني (ت 2011م).

في الفصل الرابع المعنون: “المرجعية الدينية: قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي” يقدم لنا المؤلف رؤيةً تاريخية فكرية تحليلية عن ثوابت المرجعية الشيعية وتطور المفاهيم التدبيرية العقلائية، ومواصفات المرجع المتصدي للفتيا والشأن العام. ويعتقد الكاتب أن المرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت (ع) تمثل امتداداً موضوعياً للإمامة في عصر الغيبة، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات وحقوق وواجبات علمية ودينية واجتماعية ومالية، تقع على عاتق المرجع الديني، بما يعني أن المرجعية ليست فقط ذات طابع أو شأن اختصاصي ديني، بل هي مسؤوليات اجتماعية وحياتية وتدبيرية إجرائية، أي هي ـــ بحسب الدكتور المؤمن ـــ منظومة دينية اجتماعية وحتى سياسية.

وعن الاختلاف بين المراجع الذي قد يظهرُ في سياق ممارستهم لمسؤولياتهم بين مقلديهم؛ يبينُ لنا الكاتب أنّ الخلاف ليس حالة شقاق هنا، وأمر طبيعي أن يحدث الخلاف والتنوع في الآراء، وهو متعارفٌ عليه، شأنه شأن أي خلاف إنساني، شرط ألا يتسبب بحدوث انشقاقاتٍ وانقسامات وحالات فتنٍ واضطرابات اجتماعية وغير اجتماعية؛ فالمرجعية تبقى دائماً، تمثل الأبوة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية، رغم كل ما قد يحدث من خلاف في وجهات النظر والآراء بين الفقهاء. والخلاف حول المرجعية وفيها، أفكاراً وشخوصاً ومفاهيم وغيرها، لم يكن يوماً خلافاً جغرافياً أو قومياً أو مناطقياً؛ إلا في مخططات الخصوم ومخيلات وسائل الإعلام الطائفية، بحسب ما يرى المؤلف، والذي يتابع قائلاً: ((إن الخلاف الحقيقي داخل الحوزات العلمية يتصل بالخلاف حول تطبيقات الالتزام بمنهجية عمل الحوزة وسياقاته المتعارفة، وأهمها طريقة طرح بعض علماء الدين أنفسهم كمجتهدين ومراجع خراج السياقات المتعارفة، وطرح بعض الأفكار المتعارضة مع مشهور المذهب، أو ممارسة ترتبط بالشأن العام تتعارض مع الخط العام الذي تمثله المرجعيات العليا المتصدية؛ الأمر الذي يساهم في تمزيق الواقع الشيعي)).

وهنا يقدم لنا الكاتب عدة نماذج أو أمثلة تاريخية معروفة وموثقة عن الخلافات في مواضيعها وشخوصها التي وقعت ضمن الحوزات العلمية أو خارجها.

وضمن الإطار ذاته؛ نجد الكاتب يضع مجموعة شروط أو عناصر معروفة ضمن أجواء الحوزات العلمية، تمثل معايير التزام عالم الدين الشيعي بالسياقات الحوزوية المتعارفة والخط المرجعي العام، وهي:

_التدرج الطبيعي لعالم الدين في الدراسة الحوزوية.

_حصول عالم الدين على درجة الاجتهاد من أستاذه المعترف باجتهاده حوزوياً، أو شهادة أهل الخبرة (المجتهدون العدول) باجتهاده.

_عدم خروج عالم الدين على الإجماع العقدي والفقهي في القضايا الأساسية.

_عدم خروج عالم الدين على المرجعية العليا في القضايا الأساسية ذات العلاقة بالشأن العام، حتى بعد أن يحصل على الاجتهاد ويطرح نفسه مرجعاً للتقليد وتتوسع مساحات نفوذه الديني.

_التزام عالم الدين بالسياقات المتعارفة في مرحلة نشر رسالته الفقهية العملية وإعلان مرجعيته ونشر وكلائه.

ويتابع الكاتب حديثه في هذا الفصل المهم من الكتاب، عن الخلاف في منهجيات العمل بين ثلاثة خطوط مرجعية ظهرت في تاريخ الحوزات العلمية، وتنوعت إلى ما بين خط إصلاحي وآخر ثوري وثالث محافظ. كما تحدث عن دور جماعات الضغط والمصالح، ومفهوم الحواشي في مؤسسة المرجعية، ومن ثم قام الكاتب بتحليل وتحديد الفرق بين قدسية الدين ومهنية الفقيه.

لنبيل علي صالح.

تنوير_ موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate