حداثة و ديمقراطية

الحداثة السياسية: اللبيرالية أم الديمقراطية؟

مع التحولات العاصفة التي عرفها العالم العربي مؤخراً، طرح بقوة موضوع دخول العرب في الحداثة السياسية. اعتبر الكثيرون أن حالة الاستثناء العربي كسرت، وأن العرب سائرون في الخط الكوني المتماثل للحداثة السياسية بحسب النموذج الأوروبي الذي أفضى إلى مسلك الديمقراطية التعددية. لا نناقش في صحة هذا التوقع، فمن البديهي أن استحقاقات التحديث السياسي مطروحة بقوة في الساحة العربية، بيد أنه لا بد من التنبيه إلى بعض مظاهر الغموض والخلل في التصور السائد حول ديناميكية التحديث السياسي في الغرب، الذي يختزل عادة في خط متصل منسجم وتلقائي يبدأ من عصر النهضة، وتتضح خطوطه الكبرى في عصر التنوير ليبلغ أوجه في عهد الثورات الكبرى (الفرنسية والأميركية على الأخص). تخلط هذه القراءة بين إشكالات ومواقف شتى متمايزة، وتموه وتخفي صراعات وتناقضات فكرية عميقة طبعت حركية الحداثة السياسية في الغرب.

ولا شك أن الخط الإشكالي الأهم هنا هو النزاع الأصلي بين الاتجاهين الديمقراطي والليبرالي اللذين توزعا على أرضية الحداثة السياسية الأوروبية. فليس من الصحيح أن الليبرالية والديمقراطية تنتميان لنفس المرجعية الفكرية وتسلكان نفس التوجه السياسي.

تقوم الفكرة الليبرالية على مبدأ الحرية الفردية وأولوية الذات غير المتموقعة مسبقاً في أي هوية جماعية، في حين تقوم فكرة الديمقراطية على التماهي بين الأمة وشكل نظامها السياسي.

وكما يبين “كارل شميت” فإن النظام التمثيلي البرلماني هو حصيلة امتزاج الليبرالية بالديمقراطية في القرن التاسع عشر بعد فترة صراع طويل، مما اعتبره نظاماً هجيناً جامعاً بين مبدئين متعارضين.

نشأت فكرة “التمثيل” من داخل الفكر الليبرالي، انسجاماً مع تصوره للتعددية الحرة من دون سقف معياري داخل مجموعة عرضية غير جوهرية لا تمتلك مسبقاً مقومات البناء الموحد. ويقوم هذا التصور على مقدمات ميتافيزيقية ترفض فكرة الحقيقة المطلقة الثابتة، وتتبنى رؤية نقدية نسبية للعقل، وتؤسس النظام السياسي على الجدل الحواري بين ذوات فردية متساوية وكاملة السيادة (يعبر كتاب الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل :حول الحرية عن هذا المنظور أجلى تعبير). فكيف تستقيم فكرة التمثيل مع تصور الديمقراطيين لمبدأ الشرعية السياسية من حيث كونها تجسيد العقد الاجتماعي للإرادة المشتركة وتماهي الدولة والأمة في رباط روحي قوي يتجاوز خصوصية الأفراد وهوياتهم الشخصية المستغرقة في روح الأمة (يعبر كتاب روسو: العقد الاجتماعي عن هذه الأفكار بقوة).

نشأت إذن الحداثة السياسية في توتر واضح بين تصورين متباينين للحرية وللبناء السياسي، ولم ينتج عن التوفيق المتأخر بينهما حسم لهذا الإشكال النظري المعقد، الذي يعرف في أيامنا عودة جديدة ناتجة عن انحسار الشكل السياسي، الذي احتضن تلك الصيغة التوفيقية أي الدولة القومية. قبل الوقوف على بعض جوانب هذا الإشكال الراهن، يتعين التنبيه إلى جذوره البعيدة في مطلع عصور الحداثة السياسية التي شهدت تصدعاً بين تقليدين كبيرين :

– تقليد ركز على مسار البناء الاجتماعي السياسي المنظم وتمحور حول أطروحة “العقد الاجتماعي” حلًا لمشكلة الفتنة الأهلية الناتجة ضرورة عن الحرية الفردية، التي هي الوضع الطبيعي للإنسان.

– تقليد ركز على مسار الصراع السياسي والاجتماعي بصفته العامل المحدد لتشكل الحالة السياسية، معتبراً أن معايير الشرعية السياسية المختزلة في الأبعاد القانونية لا تحل إشكال تكون السلطة الذي هو بالضرورة سابقاً على أي اعتبارات قانونية. انتصر الاتجاه الأول الممتد من هوبز وروسو وإلى هيجل على الاتجاه الثاني الذي يمثله مكيافيلي وسبينوزا وماركس. ويذهب الفيلسوف الإيطالي “توني نجري” في أعماله الرائدة حول الحداثة السياسية إلى أن الخط التعاقدي المهيمن استبدل في الحقيقة فكرة السيادة بمفهومها الإطلاقي الديني على فكرة الديمقراطية، بما هي حكم الجمهور غير القابل للتمثيل في بناءات تنظيمية قانونية. لقد اعتبر “نجري” أن مقولة السيادة تفضي ضرورة إلى العودة للشرعية الدينية، وإلى التحصن بالسلطة القائمة، لأنها تحيل ضرورة إلى مرجعية التعالي، فلا بد من “معجزة إلهية” تحول مجرد التعاقد الفردي النفعي إلى كيان عضوي مطلق وتحول إرادة أفراد مشتتين إلى إرادة كلية جامعة.

عرفت حركية الحداثة السياسية منذ بداياتها توتراً بين الخطين الديمقراطي والليبرالي وبين اتجاهين تعاقدي وصراعي، ومع أن فكرتي السيادة والتمثيل ضمن نطاق الدولة.

– الأمة بلورتا إطاراً حاضناً لهذا التوتر، إلا أن المسار لم يخل من أزمات عنيفة وحادة بعضها لا يزال قائماً ومرشحاً للتفاقم.

من هذه الأزمات قيام النزعات الاستبدادية التي خرجت من رحم الحداثة فكرياً وأيديولوجياً كالشيوعية اللينينية والنازية والنيوليبرالية… ما تتفق فيه هذه النزعات على تعارضها واختلافها الجلي محاولة القفز على هذا التوتر الخلاق والخصب الذي طبع الحداثة السياسية منذ بداياتها ولا يزال قائماً.

أرادت بعض الأيديولوجيات المتطرفة التنكر للطابع التعددي الصراعي للمجتمع الحديث من منطلق الهوية الجماعية وروح الأمة العضوية، فانتهى إلى تكريس أكثر أشكال الحكم قمعاً واستبداداً، وأرادت أيديولوجيات أخرى اختزال الذاتية في الفردية القانونية المجردة بحسب النموذج الاقتصادي النفعي فقوضت شروط البناء السياسي الذي لا يقوم خارج مجال مشترك هو الحاضن للتنوع والتعددية (تحلل الحس المشترك بلغة حنة أرنت acosmism). في نص شهير يعود لسنة 1957، يتحدث “بول ريكور” عن “مفارقة السياسة”، أي الطابع المزدوج بين جانبها التنظيمي المتعلق بقيم العيش المشترك والتجاوزات التي نادراً ما تخلو منها. إن مفارقة الحداثة السياسية من هذا المنظور هي كونها تقوم على مبدأ “الإجماع التصادمي”، أي وضع القواعد المشتركة من أجل الصراع الآمن المستمر، مما لا يمكن اختزاله ووقفه في أخلاقيات النقاش العمومي (هابرماس)، أو في معيار الإجماع التوافقي (راولز). وهكذا تظل الديمقراطية من المتاهات النظرية بالمفهوم المنطقي القديم، ومن هنا خصوبتها وبعدها المسياني (بلغة دريدا) أي طابعها المستقبلي كوعد منظور، وهاجس ناظم ومحرك للفعل السياسي.

صحيفة الاتحاد _موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate