حداثة و ديمقراطية

التعديل المدني للدولة العلمانية.

نعلم جميعا أن غالبية المجتمع العربي يرفض العلمانية “بفتح العين” لكونه لديه أفكارا مسبقة عنها، بل حتى هناك بعض التجارب التاريخية التي جعلت من هذه المجتمعات المحافظة والمتدينة ترفض العلمانية، وهذا ما يجعلنا نطرح السؤال الإشكالي؛ لماذا غالبية المجتمع العربي يرفض العلمانية؟ وهل التجارب التاريخية التي لم تؤسس العلمانية بشكلها الصحيح والدقيق أو أساءت لها، جعلت من مجتمعاتنا ترفضها أي العلمانية؟ وإن كان هناك بديل عنها فما هو؟ بالفعل هذه الإشكالات يتوجب علينا أن نجيب عنها بشكل صريح، حتى يتضح لنا سبب رفض العلمانية في مجتمعاتنا العربية.

وقبل الإجابة عن أسباب رفض العلمانية، لابد أن نضع إطارا مفاهيميا للعلمانية، لكي تتضح في مستواها المفاهيمي والنظري، فهي تعني كما هو معروف وشائع فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، وأيضا تعني عدم قيام الدولة بإجبار أحد على اعتناق أو تبني لدين معين أو عقيدة، كما تكفل للمواطنين حق الاعتقاد والتدين لجميع الأشخاص، إذن ومن خلال هذا الإطار المفاهيمي، يتضح لنا أن العلمانية قائمة على ثلاثة أسس هي الفصل السياسي عن الديني، حرية الاعتقاد وحيادية الدولة تجاه أي دين ما، وهذا ما يجعلنا نستغرب لماذا نرفض العلمانية؟ أو لماذا أغلبية الناس ترفض العلمانية؟ وهذا الاستغراب لا يأتي اعتباطا، بل جاء من خلال الإطار المفاهيمي الذي يوضح أن العلمانية جاءت لتحرير الإنسان من التسلط السياسي ذي الغلاف الديني أو التدخل المباشر، باعتباره شريعة سياسية.

الإشكال الأخير الذي قال لماذا نرفض العلمانية؟ أو بالأحرى لماذا غالبية الناس ترفض العلمانية؟ وهذا الإشكال يتطلب منا أن نبحث عن بعض علل وأسباب رفض العلمانية وسط مجتمعاتنا العربية عموما.

نجد من بين الأسباب التي تجعل المجتمع العربي يرفض العلمانية، هي كونها -العلمانية- ليست من ثقافتنا، بل من ثقافة برّانية، بالإضافة إلى طردها للجليل اللاهوتي الذي يعتبر المكون المركزي والروحي للمتدينين حسب بعض الاعتقادات الخاطئة، ثم بعض التجارب التاريخية التي رفضت الدين في المجتمع كما أشرنا سابقا، حيث أصبح ممنوعا ممارسة العقائد والشعائر، وهذا ما جعل أن تكون هناك ردة فعل تجاه هذا العمل الإقصائي والتهميشي للدين، بالإضافة إلى الخلط النابع عن مغالطات إيديولوجية بين الدولة العلمانية والدولة اللادينية أو الملحدة، وهذا ما وفر تربة خصبة لصالح الكهنوت الديني الذي أربك الفهم وأخلط بين الدولة العلمانية والدولة اللادينية أو الملحدة، وبدأ يلعب بالأوراق سواء على المستوى الإبستمولوجي أو الإيديولوجي إما عن وعي أو عن لاوعي. أما بالنسبة إلى كونها ليست من ثقافتنا، بمعنى أن العلمانية جاءت من الغرب الذي كان يعاني من اضطهاد السلطة الكنسية التي كانت تفرض عقيدتها ولا يحق لأحد أن يأتي بعقيدة أو فكر أو رأي مخالف للدوكسا الكنسية، أي التدخل المباشر من طرف الكنيسة في الأمور الاجتماعية والسياسية …، ولا يمكن أن تقوم الدولة على شيء آخر غير المسيحية في القرون الوسطى، والتي من خلالها نشأت الدولة المؤسساتية على أنقاض الدولة الكنسية. “التدخل الديني في السياسة”.

أما نحن كثقافة إسلامية لم تفرض السلطة الدينية سلطتها بشكل مباشر في غالب الأحيان؛ أي لم يكن المسجد هو مركز القرار، بل كان -الخليفة أو السلطان أو الأمير- الحاكم هو الذي يفرض سلطته من خلال الدرع الديني “سواء من داخل البلاط أو المسجد أو أي مكان” هو الذي كان في غالب الأحيان في جانبه إن لم نخاطر ونقل في كل الأحيان، وهذا هو الأخطر بالنسبة إلينا في الثقافة العربية والإسلامية التي يمكن أن نقول إنها أسقطت الدين ضحية السياسة، وهو ما يجعلنا أن نقوم بإماطة اللثام على أهم فترات التاريخ الإسلامي، وأن نعرف كيف كانت تسير الأمور في تلك الفترة؟.

فمن خلال المسح الكرنولوجي الذي سنقوم به، يتضح لنا أنه بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، والإعلان عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين، بدأ الاجتهاد الإنساني بعيدا عن الوحي الإلهي، ولكن انطلاقا من المرجع الديني، وهذا ما سيتبعه الذين خلفوه مثل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، -وإن اختلفت آليات تنصيبهم كخلفاء-، سواء بالقوة أو من خلال السياق التاريخي التي كانت تمر منها الأمة الإسلامية، يتبين لنا أن الاجتهاد الإنساني هو الذي كان يتحكم في الأمور، لكن المهم من هذا الاجتهاد والطريقة التي كانوا يجتهدون من خلالها حسب الظروف والسياقات، مما كان يؤثر على الوضع السياسي هناك وما ينتج عنه من نتائج، بالإضافة إلى هذا كان للاجتهاد وسائل الضغط تجعل الكفة تميل لمن هو أكثر قوة، وهذا ما يؤدي بنا إلى حدث مهم، وهو ما بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث سيخرجون مجموعة من مواليه يطالبون بثأر له، حيث ضغطوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وطالبوه بدمه ولكن عليّا لم يفعل شيئا تجاه هذا الوضع، باعتباره خليفة للمسمين، ولكن الإشكال الحقيقي والخفي هو أن هؤلاء الذين طالبوا عليّا بدم عثمان رضي الله عنه كانت نواياهم هي السلطة وعلى رأسهم معاوية، وإن تمظهرت في رد الاعتبار لعثمان بن عفان رضي الله عنه. ومن هنا سيقوم الصراع الحقيقي من أجل السلطة السياسية أي من سيحكم الأمة الإسلامية، وهذا ما سنراه فيما بعد؛ أي نشأة الدولة الوراثية، وهذا لا يعني أن من قبله لم تكن صراعات، بل كانت هناك صراعات ذات طابع سياسي صرف مغلفة بما هو ديني، وتتجلى منذ أول وهلة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، صراع المهاجرين والأنصار حول من سيكون خليفتهم، صراع المسلمين مع أبي بكر رضي الله عنه حول فرض الزكاة، وصراع رؤوس الأمة حول الغنيمة … إلخ، وهذا الأمر استمر بعد نشوء الدولة العصبية القائمة على الوراثة مع بني أمية وبني العباس، ومن هنا يتضح لنا أن صراع المسلمين لم ينج أيضا من إقحام الديني في السياسي، حيث أصبحت السلطة السياسية تستعمل المرجعية الدينية كآليات من أجل الحكم والسلطة، وبالتالي صار الدين ضحية لأفعال سياسية تطمح إلى السلطة والمال، وهذا ما جعلنا نقول إن الدين سقط ضحية السياسة. “استعمال الدرع الديني في الأمور الدينية”.

وهذا ما سيجعلنا نرجع إلى أوروبا التي نشأت بالبناء المؤسساتي، حيث خرجت من خندق البراغماتية الكهنوتية المباشرة التي كان همها الوحيد هو فرض سلطتها بشكل مباشر وكسب الثروة، وهذا لا يعني أنها ألغت الدين “أوروبا”، بل العكس من ذلك، فهي قامت بحمايته، وأصبحت السلطة الدينية تراعي الظروف الإنسانية للمتدين وغيره، وأصبح الدين متعلقا بحريات الأفراد والجماعات، بالإضافة إلى الثورات الفكرية والمعرفية التي عرفتها أوروبا في عصر الأنوار، والتمهيدات التي سبقته.

وهذا ما يتطلب منا نحن، أن نستورد العقلية المؤسساتية كشكل، باعتبارها صناعة إنسانية، وأن نكيفها حسب واقعنا ووضعنا السوسيو-سياسي…

فنحن بعدما انهارت الدولة الإمبراطورية الإسلامية، دخل الاستعمار الأجنبي لكي يفرض نموذجه الغربي دون أن يراعي خصوصية هذه الأمة، بجميع تلاوينه علينا، فمنا من لم يتقبله، ومنا من تقبله، ومنا من حاول أن يأخذ الإيجابي ويترك السلبي فيه، ومع ذلك وقعنا في أزمة ما بين الحفاظ على الثقافة واستيراد الحداثة “الغربية” أو تركها بما فيها العلمانية كنتيجة للحداثة، وهذا ما يطرح علينا إشكالا يتعلق برفض المجتمع العربي للعلمانية، كما أشرنا سابقا، وبالتالي ما البديل عن العلمانية؟

بالفعل نريد الإجابة عن هذا الإشكال الذي يتحدد في البديل عن العلمانية التي أخذت عنها صورة سيئة، أو ربما لم يتم فهمها في مجتمعنا، ويتبين لي أن البديل عن الدولة العلمانية، هي الدولة المدنية، فما هي إذن “الدولة المدنية”؟

الدولة المدنية: هي دولة تحافظ على كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية والفكرية والسياسية وكل انسجاماتهم وتناقضاتهم، حيث تقوم وتتأسس الدولة المدنية على السلام والتسامح والقبول بالآخر والمساواة في الحقوق والواجبات والمواطنة بشكل أساسي، قد يقول لي منكم أو منكن، إن الدولة المدنية لا تختلف عن الدولة العلمانية، أقول لكم ليس بعيدا، ولكن الدولة المدنية، لا أحد أخذ عنها نظرة سيئة على خلاف الدولة العلمانية، بل إن الدولة المدنية جاءت كتعديل وتقويم للدولة العلمانية، ومن هنا سنكون أمام اجتهاد إنساني ذي أفق واسع من الناحية السياسية والفكرية وكذا المعرفية في بناء الدولة المدنية، وبعد ما قمنا “كبشر” بمرحلة التقييم للدولة العلمانية وعرفنا إخفاقاتها فتجاوزناها واحتفظنا بما هو إيجابي فيها، وعرفنا أنه في إطار الدولة المدنية تهتم السلطة العليا للبلاد التي تكون في سدة الحكم بالشأن الديني في شقه المحدود ولأصحابه فقط؛ بمعنى أن لا تعزله نهائيا ولا تفصله عن المجتمع، بل يجب أن تهتم به، ومن هنا لا نكون في الفصل بين السلطة السياسية عن السلطة الدينية ولا دمجها، بل نكون أمام التمييز بينهما، ولكل مجاله واختصاصاته السياسي سياسي والديني له علاقة بأصحابه المتدينين في المجتمع، حيث لا يجب أن يتعدى الأمر الديني اختصاصاته ولأصحابه فقط أي من يعتقدون به. أما من لا يعتقدون به، فلا شأن لهم به، ومن الناحية السياسية، لا يحق للعسكر أن يتدخل في الشأن السياسي، ولا ينقلب على السلطة السياسية المدنية القائمة على التعاقد، على خلاف الدولة العلمانية؛ فالعسكر يمكنه الانقلاب على السلطة المدنية، بل يجب حماية الديمقراطية الاجتماعية القائمة على الاقتراع والمقاربة التشاركية، ومن هنا تكمن الاختلافات بين العلمانية والدولة المدنية، حيث تعتبر الدولة العلمانية التي جاءت كردة فعل عن السلطة الكنسية في عصر التنوير، وجدنا البديل عنها وهي الدولة المدنية، التي بدأت تعدل كل ما يوجد في العلمانية منذ القرن العشرين، خصوصا في أواخره، بل لأنها تعتبر اجتهادا واسعا من الناحية السياسية الاجتماعية الفكرية والمعرفية…، ولم تأت كردة فعل عن السلطة الكنسية، بل طورت وعدلت الدولة العلمانية إلى الدولة المدنية القائمة على التنوع والاختلاف والتسامح والمساواة.

لمحسن الودواري.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate