حداثة و ديمقراطية

الحداثة و الفكر السياسي.

“عصر الحداثة هو العصر الذي يختل فيه التوازن بين الماضي والمستقبل، فهو العصر الذي يحيا بدلالة المستقبل، وينفتح على الجديد الآتي. وبالتالي لم يعد يستمد قيمته ومعيار يته من عصور ماضية، بل يستمد معيار يته من ذاته” هابر ماسإن الإنسان اختراع حديث العهد، صورة لا يتجاوز عمرها مئتي سنة. إنه انعطاف في معرفتنا وسيختفي عندما تتخذ المعرفة شكلا آخر جديدا” .. م.فوكوالحداثة مشروع لم يكتمل بعد، إنها الفكرة الأساسية التي توصل لها سليل مدرسة فرانكفورت “هابر ماسفالحداثة دفاع عن العقل في استخدامه العام، أو كما يدعوه ماكس فيبر في مشروعه أي عقلنة الاقتصاد والإدارة والدولة والثقافة. ونزع الطابع القدسي على الأشياء واستقلال الثقافة عن الدين.فالحداثة هي وريثة النهضة وحفيدة التنوير، تلك اللحظات التاريخية والحضارية التي أترث في فكر المجتمع الغربي، ومن بعده فكر الإنسانية.لقد نجحت الحداثة في أن تقطع مع الماضي وتخلص أوربا من فكر العصور الوسطى، ودعت بالتالي الإنسان إلى إعمال أدوات معرفية جديدة للوصول إلى الحقيقة والكشف عن الوهم والزيف. لقد نسف فكر ديكارت جميع الدعائم التي قام عليها فكر العصور الوسطى، ليقيم محله صرخا فلسفيا متكاملا، أساسه مطابقة العقل للواقع من خلال منهج رياضي وميكانيكي.لقد ورتث الحداثة عن فلسفة الإغريق احتفاءها الزائد بالعقل والعقلانية ونزعتها إلى رؤية الإنسان وعالمه في صورة كلية، وإن كان سقراط كما قيل قد انزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، فالحداثة قد جعلت من الإنسان أسمى الكائنات على السطح محورها الفلسفة.لقد انطلقت شرارة الحداثة ما إن أعلن المجتمع الإنساني مسؤولية، وسيلة في ذلك هي تحرير العقل من جميع العوائق، فلا شرط لإعمال العقل سوى الحرية.وفي مواجهة اندفاعه تمادى الإنسان في تقته بعقله وقدراته، فكان اليقين العلمي القاطع وموضوعية المعرفة العلمية التي لا يرقى إليها الشك والتطابق شبه الميكانيكي بين الفكر والواقع، والإفراط في عقلنة المؤسسات، فكل شيء يخضع للتقنين المنضبط من الحسابات الفلكية إلى قياس مستوى ذكاء الإنسان، ومن قوانين الطبيعة الصارمة إلى قوانين السوق التي تدانيها صرامة وقطعا. فإذا كان الوعي الفلسفي بالحداثة يعود إلى فيلسوفين آخرين، أولهما ديكارت، الذي ارتبط عبر الكوجيتو بانطلاق دينامية الفكر الحديث. وكانط: الذي يعتبره البعض مفكر الحداثة وبؤرتها ومرآتها”.ويقتفي فوكو من التحليل الهيدجيري في اعتبار كنط مؤسس ورائد الحداثة الفلسفية فهو عتبة حداثتنا. فهو الفيلسوف الذي سيجعل الفلسفة تهتم بالإنسان وبمصيره وبأسئلته الفكرية والذاتية لأن عتبة الحداثة لا تتجسد في اللحظة التي تم الاتجاه منها إلى دراسة الإنسان دراسة موضوعية، بل الإنسان كوحدة تتشكل من عنصرين: التجريبي والمتعالي وبتتبعنا للصيرورة التاريخية والتأصيل الفلسفي لمفهوم الحداثة، فإننا نجد أن هذا المفهوم يشير إلى زمن وإلى عصر جديد والأزمنة الحديثة، ابتداء من القرن الخامس عشر. إلا أن التحقيب التاريخي الزمني يخفي بين طياته التفاعلات والتداخلات المعتملة في بؤرة الحداثة، فالحداثة صراع وتفاعل وتقدم إلى الأمام. وتجاوز الماضي والموروث الثقافي التقليدي،

إن للحداثة فيزياؤها وميتافيزيقا ها، وعمقها عمق فلسفي وتاريخي، فهي ثورة معرفية وإبيستيمولوجية قوية على كل الإبستيمات وتصورات العالم السابق عليها.وقد كان التفكير الهيجيلي في مسألة الحداثة هو التفكير في أية شروط أو ظروف يمكن للمجتمعات الحديثة أن تحافظ على هوية خاصة بها، ليست استمرار المحددات الماضي.بعد ذلك يخطو هيجل في تأملاته خطوة أخرى في تشريح الحداثة الفلسفية مبرزا أنها تتمثل في عنصر الذاتية، وهذا ما يجعل عصرنا عصرا عظيما – كما يقول هيجل- هو الاعتراف بالحرية وبملكية الفكر مما حتم على المفكرين المعاصرين خصوصا أتباع مدرسة فرانكفورت في تحليلهم ومناقشتهم لفكر هيجل باعتباره مؤسسا فعليا للحداثة. وأحد منظريها، وقد قدم هابر ماس عناصر أربع لفكرة الحداثة الفلسفية عند هيجل وتتجلى في:النزعة الفردية – الحق في النقد والعقل- استقلالية العقل البشري والفلسفة المثالية.فهيجل حسب هابر ماس، هو الفيلسوف العظيم الذي قد وعى وعيا فلسفيا بالحداثة. فهناك عالم قديم ينهار في المقابل نجد عالم جديد يظهر، العصر الحديث يخلق الجدة، وبالتالي فالحداثة هي الانفتاح عن المستقبل ووعيا تاريخيا يميز الحاضر عن الفترة الحاضرة، فالفلسفة الهيجيلية تدعونا إلى الجدة وممارسة فعل القطيعة والتحول الجدري. ومن ثمة بزوغ فجر جديد، بزوغ ومطلع الشمس، فالقرن الثامن عشر هو قرن التاريخ الإنساني، جعل من الإنسان كمحكمة يمارس فيها الأفراد حياتهم اليومية، والحداثة هي توسط التاريخ بين المثالي والواقع، فالحداثة لا تستطيع ولا تود أن تستعير من فترة أخرى المعايير التي توجه دلالاتها، فما يميز الثقافة الحديثة هو أن الحداثة لا تستطيع الإفلات من المحددات التي تحددها، إنها بكل وضوح مضطرة وملزمة بأن تمتح معيارتها من ذاتها. ومن قطيعتها مع الإرث والماضي، فالحداثة ليس لها مجد ونموذج ذهبي، ليست ارتداد إلى الماضي بل مصباح ومشعل ينظر وينير الطريق نحو الحاضر والمستقبل، فالحداثة معيار ذاتها ليس لها معيار خارجها، فلا تستطيع إن تركن إلا إلى ذاتها فمشروعية العصور الحديثة تقوم على استقلاليتها الذاتية، وهذا ما يجعل مشكل المشروعية والوعي الذاتي مشكل الحاضر الضمني، فالحداثة بإمكانها أن تؤسس وتدشن وتحدث قطيعة راديكالية ونهائية مع الماضي ومع التقليد. فالوعي الذاتي والتاريخي هو الذي يجعل من الإنسان يتحرر ويطالب باستعادة الكثير من السلطات والقدرات التي اعتبرتها العصور الوسطى بمثابة مسائل ميتافيزيقية كانت تسند إلى الله واللاهوت. فمثلا حقوق الإنسان هي حقوق الله، وقد تم إستعادتها لغاية الإنسان في الوجود، فقد نسبها الإنسان عبر التاريخ إلى السماء سخبا وعطاءا. وفيورباخ جعل الإنسان كنوع يسقط قدراته وكمالاته على كمال سماوي غير أرضي، ويتعين على الإنسان إستعادتها واختزالها، في عقلنة الحياة اليومية من إدارة وقانون واقتصاد وثقافة.

فمسألة القطيعة والمشروعية والاستقلال الذاتي، وحقوق الإنسان تجاوبت معها الأطروحات الفكرية للحداثة ونجد مثالها في النقد الجمالي والفني. كان هيجل – فيما يرى هابر ماس هو أول من طرح مسألة قطيعة الحداثة مع الإيحاءات والإلهامات المعيارية للماضي التي هي غريبة عنها، في صيغة مشكل فلسفي.ففي نهاية القرن الثامن عشر طرحت الحداثة على مسرح الأحداث الفكرية والثقافية الغربية بصفة صراع وجدل معرفي عميق يسائل كل ما هو واقعي للإنسان الأوروبي. ويسائل الحاضر والمستقبل فلم يكن هيجل في تناوله لمسألة المشروعية والذاتية للحداثة بالشيء السهل، بل لقد اتخذت هذه المسألة صورة حادة لدى هيجل، حيث تناولها كمشكل فلسفي.يطرح فيلسوفنا هيجل من خلاله الأزمنة العميقة التي أحدثها واقع الفكر الأوروبي، ومن ثمة نادى بالحاجة إلى الفلسفة. بالفلسفة وحدها يمكننا أن نصغي لحاضرنا وللحظة الزمنية التي نعيشها،فالحداثة وجدت نفسها مرغمة على أن تأخذ توازنها، انطلاقا من القطائع والإنقطاعات التي أحدثتها هي ذاتها.فالفلسفة وخلال تلك الفترة وكما عهدنا عليها من فترة اليونان إلى الآن، أنها تكون بمثابة القاضي الذي يحاكم نفسه ويطبق العدل على الآخرين، فالفلسفة بدأت ترى ذاتها ابتداء من عصر هيجل عصر الحداثة والعقل والحرية ونزع الطابع القدسي والمتعالي على الثقافة والمعرفة، فالفلسفة مكلفة بترجمة العصر والزمن هو زمنها، وبالتالي هي وعي فلسفي بالعصر فهل يمكن أن نتكلم على تلازم عضوي بين الفلسفة والحداثة؟.

يستحيل حسب هيجل على الفلسفة أن تدرك ذاتها خارج مفهوم وإشكالية الحداثة، كما يستحيل عليها أن تفهم ذاتها خارج الفلسفة، وبمعزل عن أسئلتها وهمومها وموضوعاتها، فالفلسفة شرط ضروري وحتمي لفهم الحداثة باعتبار الفلسفة مرآة عصرها وترجمة واقعها إلى أفكار، وهذا مابلورته الفلسفة الحديثة والمعاصرة، فهي شكل من أشكال الفهم الفكري المجرد، فالعالم الحديث بكل تناقضاته وصرخاته المعرفية والميتافيزيقية عالم متطور أرقى من العصور السابقة والماضية، لكنه عالم مدهش،عالم يغوي بسحره وجماليته الفرد، بحكم ما يحمله من قوة ورسوخ ذهني وثقافة مستنيرة بمفاهيم الحرية والعقل والإبداع والديمقراطية والوعي…فالحداثة رائدة بأسئلتها وطموحاتها رغم عامل النقد والاختلاف، فالفكر الحديث هو الذي روج للنقد ويعتبره مؤسسة لها مشروعيتها الخطابية والقولية، فالنقد جزء من كيان الحداثة، بل هو قوة جسمها الصلب، إن ما يشكل عظمة عصرنا – حسب هيجل- هذا هو أنه تم الاعتراف بالحرية كخاصية أساسية للفكر الإنساني، فالحرية صفة التفكير وإعمال العقل النقدي، فالفرد في وعيه وفردا نيته تطلب منه الحداثة أن يكون له الحق في حرية المعتقد والفكر والنقد والاستقلالية الذاتية والمثالية الفلسفية، فالفرد ليس قطعة غيار، فالمجتمع الحديث يتيح للأفراد الخصوصية والتمييز، فأحقية الفرد في الوجود والتميز وأحقيته في الدفاع عن اختياراته وادعاءاته بخلاف المجتمع التقليدي الذي يصهر الكل في دائرة ثقافية وفكرية منغلقة.إن بتتبعنا لهاته المعطيات الفكرية والتاريخية التي تؤطر لمفهوم الحداثة عبر إبراز أهم التجليات والمظاهر التي صاحبت الفكر الفلسفي الحديث، فإننا نقف عند أهم الأحداث الكبرى المؤسسة للتاريخ الحديث، فمفاتيح العصر الحديث مستنبطة من التاريخ المعاصر ومنطلق الحداثة كما يذكرنا هيجل هي أحداث التاريخ، فهناك ضرورة حتمية فرضها التاريخ على المجتمعات والإنسان. وذلك في مسايرة فعل التحديث، سواء عبر صهر التراث المحلي أو عبر فعل الإدماج وفرض ثقافة التحديث وممارسة قطيعة ابيستمولوجية مع الماضي الدفين. فتمرد مارتن لوتر على الكاثوليكية لم يكن من منطلق فارغ، بل ذو نزعة احتجاجية على المسيحية في صورتها مع الكاثوليكية وتجربة عصر الأنوار الغنية بمفاهيم الحداثة، حملت في مشاريعها مجموعة تيارات فكرية تقاسمت عوامل مشتركة أساسها إخضاع كل شيء إلى العقل، وجعله أداة وصنم يجب تقديسه وعبادته كقوة نقدية فاحصة، وألم يكن عصر الأنوار في جعله العقل محكمة قد أصاب السهم الذي افتقده الفكر التقليدي الو توقي لأوربا العصور الوسطى، وهذا ما سنبينه في الفصل الخاص بعصر الأنوار بدراسة سؤال ما الأنوار الكانطي، هذا بالإضافة ما حملته الثورة الفرنسية من مبادئ فكرية وسياسية كانت النقطة الأساسية التي جعلت المجتمع التقليدي يتراجع ويفسح المجال لبزوغ فجر جديد، هذا التحول هو ما استخلصه هيجل في قراءته لكانط، حيث استطاع أن يفهم ما ظل غير مفهوم في العمل الكانطي الذي هو التعبير الأكثر وضوحا من عصره.ذلك أن كانط لم يستشعر أن التمايزات التي شرقت العقل والتمفصلات الصورية التي حدثت في الثقافة تم الانقسام بين الدوائر الكبرى، لم يشعر بها كإنشطارات وتمزقات وشروخ حدثت في الكل الاجتماعي فبمجرد أن فهمت الحداثة ذاتها كفترة تاريخية جديدة، وبمجرد ما وعت هذه الفترة التاريخية المتمثلة في الانفصال عن الفترات النموذجية. فجدة العصر الحديث أنه انفصال عن نموذجية في الماضي، وظهور ضرورة ما يترتب عن الانفصال عن الماضي، وعي العصر الحديث بانفصاله عن ماضيه البائد وتخليه عن الصور النسقية العليا.

إن هيجل بنقده الموجه إلى الأنساق الفلسفية ككل من كانط و فيخته يقصد في نفس الوقت فكرة الحداثة التي تعبر عن نفسها في هذه الأنساق. فالحداثة كما يقول هابر ماس لم تع ذاتها فلسفيا إلا مع هيجل.ذلك إن هيجل بنقده لتعارضات الفلسفية بين الطبيعة والروح بين الحساسية والذهن، بين الذهن والعقل، بين العقل النظري والعقل العملي، بين ملكة الحكم والتخيلات، بين الأنا والا أنا، بين المتناهي واللا متناهي وبين المعرفة والإيمان.إنه يحاول جاهدا أن يقدم الإجابة عن الأزمنة ويستجيب لها المتمثلة لا فقط في هذه الثنائيات المتعارضة، بل في الشرخ والتمزق الذي تحدثه على المستوى العملي والذي حدث في الحياة ذاتها، إن مثل هذا النقد الفلسفي لا يمكنه أن يعد إلا بإشباع الحاجة التي ولدتها موضوعيا، وهو في نفس الوقت نقد لصورة الحداثة، فالنقد لا يمكن ولا يتعين أن يستخدم أية وسيلة أخرى، ذلك أن التفكير الذي تتعرض فيه على القدرة الخالصة لمبدأ الأساسي للعصور الحديثة.فإذا كانت الحداثة مدعوة أن تؤسس ذاتها بواسطة وسائلها الخاصة، فإن هيجل يجد نفسه مضطرا لتطوير مفهوم نقدي للحداثة انطلاقا من جدلية داخلية أو مباطنة لمبدأ أساسي للأنوار، وهذا ما وفر الأرضية الأساس لنقد الحداثة عند “هايدغر” و”نيتشه”. ألم ينظر هايدغر إلى الحداثة من حيث هي حمالة لمشروع ميتافيزيقي أي من حيث هي في ذاتها ميتافيزيقا، الحداثة عصر من عصور العالم، عصر ميتافيزيقي يتحدد بموقفه من الكائن وبتصوره للحقيقة.وإذا كان “سقراط” قد رفض غوغائية الفكر الذي سيطر في أتينا القديمة، ورفض” ديكارت” فكر العصور الوسطى بفتحه الباب على مصراعيه أمام حداثة الغرب كما ذكرنا سابقا، فإننا نجد عكس ذلك لدى مفكرو الحداثة البعدية أو ما بعد الحداثة، هؤلاء يعاودونا الكرة في تصميمهم على نقد وهدم ونسف جميع الأسس المعرفية والفكرية التي قام عليها مفهوم الحداثة.”فنيتشه” فيلسوف العدمية والفوضى والقوة استند في جينالوجيته الفلسفية على أن فكر الحداثة فكر جعل الإنسان أداة قمعية وسلطوية لذاته، ففلسفته أعلنت بشكل صريح رفضها لكل من ساهم في نشأة الحداثة من حرية وعقل وإرادة ووعي……إن “ما بعد الحداثة” ترفض النظرة الميكانيكية للعالم، وتقصي من جهازها المفاهيم السائدة كالحرية والمساواة والديمقراطية….ترفض جميع الأنساق الكبرى التي قامت عليها الحضارة الإنسانية، وترفض الصروح الفلسفية التي أقامها”ديكارت” و” كانط” و”ماركس”و”هيجل”، بل ترفض ميثالية أفلاطون ومنطق “أرسطو”…ووفق هذا المسار النقدي كان لابد أن يشمل الرفض جميع النصوص التي قامت عليها الديانات السماوية، بصفتها هي الأخرى بحثا عن المنطلقات وحسما للتناقضات، يدافع فكر الحداثة البعدية ويبرز موقف ما بعد الحداثة، هذا الموقف المتطرف من السر ديات الكبرى. بأنها جميعها دون استثناء ما هي إلا نوع من ألعاب اللغة كما طرحتها فلسفة فيتجنشتاين”، فعلى حد زعمهم مهما بلغت هذه السر ديات الكبرى من قدرة على التعبير والتوصيف والتحليل، ستظل عاجزة عن تجاوز التناقضات الجوهرية الكامنة في صلب اللغة ذاتها، ولم تكن فلسفة ما بعد الحداثة أن تحظى بكل هذه الأهمية لو توقف مشروعها الفكري عند حدود الفكر الرفض دون سواه.

إن مفكري ما بعد الحداثة قد أرادوا بنسفهم فكر الماضي أن يحرروا الفكر الإنساني من قيوده، كي ينطلق صوب آفاق غير محدودة لتأسيس معرفة جديدة أكثر صلابة، وأن يعي الإنسان عالم على حقيقته لا كما يصوره له فكر نخبته ومثقفيه، وأن يتحرر من سلطة الخطاب بالكشف القوى الاجتماعية المسيطرة غاية ما بعد الحداثة هو البناء من البداية، لا يقصد “ما بعد” أن ” ما بعد” تتبع وتلي الحداثة من حيث الزمن، حيث لا يقر الفكر ما بعد الحداثة بهذه القفزة الزمنية ولا بغيرها من أنواع القفزات، إن فكر ما بعد الحداثة يقوم على مفهوم الاختلاف التباين لا الائتلاف والتطابق، وأن تناقضات الأفراد والمجتمع الإنساني باقية ما بقي المجتمع.فهل ما بعد الحداثة هو عصر مختلف نوعيا عن عصر الحداثة؟ أم هو مرحلة أخرى من مراحل الحداثة؟إنه سؤال يطرحنا أمام سياق التاريخ والسوسيولوجية والأنتربولوجية، وإذا تحدثنا عن ماهيات وتحولات فكرية فنحن نفكر في إطار فلسفي، لذلك يستحسن أن نميز في كل من الحداثة وما بعد الحداثة مستويين:مستوى سوسيولوجي ومستوى فكري.لقد اتضح أن المجتمع الغربي دخل اليوم مرحلة جديدة في التاريخ والتطور الاقتصادي والإعلامي، ومهما تعددت وتلونت التسميات فإن الفعل الحضاري يعبر عن تحولات نوعية وقطيعات جذرية مع الماضي.

لمسلم رشيد.

الحوار المتمدن_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate