حداثة و ديمقراطية

فلسفة المنهج لدى برغسون.

يشكل “برغسون” أحد الأعمدة الكبرى التي ترست عليها الفلسفة الفرنسية المعاصرة، والفلسفة العالمية بشكل عام. والواقع أن المتتبع لذلك، سيجد أن فلسفة الرجل لا تخرج عن سياق المشكلات الفلسفية الكبرى التي جعلت الخطاب الفلسفي يعاني تضييقات كثيرة، أهمها المكانة التي أصبح يتبوؤها الخطاب العلمي. فلما كان “برغسون” يعاتب الفلاسفة من حيث ضرورة وضع المشكلات الفلسفية الحقيقية، لا المزيفة، وضعا صحيحا، فإن ذلك كان بهدف إخراج الفلسفة من الميتافيزيقيات السلبية التي ما لبثت تتخبط في دواليبها. وبالتالي جعلها مسايرة للعلوم، مضاهية لها، قادرة على تقديم إجابات يحكمها المنطق من جهة، والواقع التجريبي/الروحي من جهة ثانية.هكذا إذن، لن يتأتى لنا ذلك إلا بتأسيس منهج ملائم، لا هو بعقلي خالص مجرد، ولا هو بتجريبي مادي محض؛ يمكن وسمه ب الحدس الزمني. إضافة إلى أنه أضحى، مع “برغسون”، منهجا مفكرا فيه، ومعدٌ من ذي قبل، يقول “جيل دولوز” بصدد هذه النقطة:”الحدس هو منهج الفلسفة البرغسونية، إلا أنه ليس بإحساس أو إلهام، كما أنه ليس بتعاطفية مضطربة، لكن يبقى بمثابة منهج مُعَدْ، وكذلك من بين المناهج الأكثر تصويبا في الفلسفة. له قواعده الصارمة، التي يسميها “برغسون” ب الدقة في الفلسفة.

“لهذا، نعتقد، أن هذا القول الدولوزي يضعنا أمام كوجيتو فلسفي جديد، يمكن صياغته على الشكل الآتي: “أنا أدوم في الزمان إذن أنا موجود”. والواقع، إن تمثل ووعي هذا الزمان لا يكون إلا بالحدس كمجهود متعب تبذله الذات، إذ سيغدو المنهج الرئيس بالنسبة إليها. ولما كان الزمان والذاكرة خاصيتين أساسيتين تميزان الحياة عند “برغسون”، كانتا، بصورة أو بأخرى، سابقتين على الحدس طالما أنه يأتي في مرحلة ثانية.

ولعل في ذلك، تفسيرا من بين التفسيرات الدالة على اتخاد الحدس كمنهج فلسفي موكول له مهمة القبض على معاني زمن الحياة بتأسيسنا لمعرفة حوله، يمكن وسمها بالدقيقة موازاة مع تلك التي تحصل في مجال “العلم”، على الرغم من أن “الزمان”، “الذاكرة”، “العاطفة”، “الوجدان”.. تبقى، عموما، مفهومات حاملة في ثناياها تجارب معيشية. فما طبيعة هذا المنهج البرغسوني؟ وما هي هذه القواعد الصارمة التي تؤسس له وتحدده؟ وهل من جوهر يجمع بين هذه القواعد يجعلها غير قابلة للتفريق أو التجزيء؟ إذا كان هذا الجوهر هو الزمان، حسب “برغسون”، نتساءل عن ماهيته الفلسفية؟لو شئنا تحديد المنهج كمفهوم بشكل عام، لقنا هو اتجاه الباحث أو وجهة نظره في الطريقة الأفضل للبحث، وهو مجموع الإجراءات والعمليات الضرورية التي يحتاجها العالم أو الباحث في التعامل مع موضوعه للوصول إلى الأغراض المستهدفة. فما يظهر من خلال هذا التوضيح هو أن المنهج، لا محالة، يحتوي العديد من الوسائط. ولما كان “دولوز” هو الأخر يؤكد ذلك، كان الإشكال الذي يفرض نفسه بنفسه يخص طبيعة الحدس بشكل عام. فكيف للحدس أن يكون منهجا والحال إنه معرفة مباشرة؟فإن كان “برغسون” مقرا، بشكل من الأشكال، أن الحدس فعل بسيط محايث لمعيشيات الذات، فإن البساطة هنا ترتبط بمعاني متعددة ودلالات متنوعة، حيث تكون غير قابلة للاختزال. لذلك وجدنا الرجل آخذا بعين الاعتبار ثلاثة أفعال تحدد بصورة دقيقة قواعد المنهج الحدسي أو الحدس كمنهج، تفيد أولا: ضرورة طرح المشكلات وإبداعها بشكل صحيح ودقيق. وبعد ذلك، الوقوف على اكتشاف تلك الاختلافات الحقيقية الموجودة في الطبيعة. وأخيرا القدرة على إدراك الزمن الحقيقي الذي يجري داخل ثنايا الحياة عموما.القاعدة الأولى: ربط ثنائية “صحيح”، “خطأ” بالمشكلات نفسها، ورفع المشكلات الزائفة؛ وذلك لتحقيق المصالحة بين الحقيقة والإبداع على مستوى هذه المشكلات.فلاستنبات هذه الخاصية المنهجية في عمق أرض تفكيرنا، يذهب “برغسون” إلى ضرورة تجاوز والقطع مع ما تعلمناه من قبل المجتمع من أحكام مسبقة حالت دون تعلم الذات خلق وإبداع المشكلات السليمة والحقيقية. فإذا كان الاعتقاد أن الصحيح والخطأ مرتبطان فقط بالنتائج كحلول، فإنه اعتقاد يعد حكما مسبقا صبيانيا يكون المجتمع هو الأول والأخير في تنصيبه؛ وذلك من خلال مؤسساته التي تحرمنا الحرية وتجعلنا نعتاد على العبودية؛ وبالتالي استحالة الإبداع وانعدام القدرة على اتخاذ القرارات بذاتية حرة وباستقلالية كاملة. لذلك نثبت مع “برغسون” أن غياب هذه الحرية على مستوى الإبداع معناه السقوط داخل براثين المشكلات الزائفة، وكذا اختفاء الظهور الخلاق للمشكلات الحقيقية. يقول الرجل على لسان “دولوز”:

“في الحقيقة يتعلق الأمر، في الفلسفة وحتى في غيرها، بإيجاد المشكل ثم طرحه، حيث ذلك أكثر أهمية من حله. لأن مشكلا نظريا يُحل عندما يطرح بشكل جيد. وأنا أعني بذلك أن حله يوجد عندئذ في الحال، على الرغم من أنه يمكن أن يبقى مضمرا، يمكن القول أيضا، إنه ينبغي كشف الغطاء عنه. لكن طرح المشكل لا يعني الاكتشاف فحسب، وإنما هو إبداع. إن الاكتشاف يتناول ما هو موجود سلفا، بالقوة أو بالفعل، وهكذا كان سيظهر عاجلا أو آجلا. في حين أن الإبداع يمنح الوجود لِم لم يكن موجودا، وكذا لهذا الذي لم يكن ليأتي أبدا. وعلى مستوى الرياضيات بشكل مسبق، أو بالأحرى على مستوى الميتافيزيقا، غالبا ما نجد جهد الإبداع في حفز المشكلة، كما في خلق الكيفيات التي ستطرح بها. فطرح المشكل وحله تقريبا يصيران في ميزان واحد: لذا فالمشكلات الحقيقية الكبرى لا تُطرح إلا حين تُحل”.

إن هذا القول يثبت بشكل ملموس عمق مضمون هذه القاعدة المنهجية، حيث لما كانت الخطابات سواء العلمية منها أو الفلسفية تروم بناء الحقيقة، كان المنطلق، حسب هذه القاعدة، يقتضي أن إيجاد المشكلة وطرحها أهم بكثير من حلها؛ وذلك لأن الطرح الجيد للنظريات بما هي مشكلات هو السبيل الواضح للكشف عن الحلول. والحق، إن في ذلك إبداع للمشكلة، وليس مجرد اكتشافها، حالما إن الإبداع يعني منح الوجود للأشياء التي لم تكن موجودة من ذي قبل. فعلى غرار ذلك يبدو، حسب برغسون، أن طرح المشكلة وحلها هما وجهان لعملة واحدة، إذ من المستحيل إحداث الفصل وكأن المنطق الحاكم لوجوديهما يقتضي تلازما منطقيا.وفقا لهذا المعنى، يمكننا استنباط أن تاريخ الإنسان هو تاريخ إبداع المشكلات، سواء من حيث ما هو نظري أو من حيث ما هو عملي. فخلافا لـ “كارل ماركس” إن صنع الإنسان لتاريخه يكمن من خلال قدرته على خلق المشكلات الحقيقية وحلها في الآن ذاته. على اعتبار أن هذا النشاط هو الكامن وراء تحقيق الإنسان لحريته.هكذا إذن، فالوعي باتخاذه قدرة حدسية تجعل الذات الإنسانية مبدعة لقضاياها ولمشكلاتها، هو الذي يحدد وجودها وموقعها التاريخي. وبصيغة أكثر دقة إن الحياة بمعناها الحيوي البيولوجي تتحدد من خلال قدرتها على وضع اليد على العوائق والعقبات الحقة، ثم على تجاوزها وحلها. ولعل ذلك بيّن بقوة إن نحن نظرنا إلى الجسم نظرة بيولوجية، فهو طرح للمشكلة وحلٌ لها في الوقت ذاته.انطلاقا من ذلك، نجد “برغسون” مقترحا إلزامية التمييز وعدم الخلط بين المشكلات الصحيحة/الحقة وبين المشكلات الزائفة، إذ من بين الصعوبات التي يمكن أن تعترض الباحث بصدد هذه النقطة هو أن هذه الأخيرة نوعان وليس نوعا واحدا. فهي إما مشكلات غير موجودة أصلا، وإما مشكلات أسيء طرحها.يحلل “برغسون” البواعث العميقة التي تؤدي بالذات الباحثة إلى السقوط في مثل هاته المشكلات التي هي ليست بمشكلات، أو إنها مشكلا لم تطرح كما ينبغي. حيث يرجع جل هذه البواعث إلى الخلط الذي تقع فيه الذات بين طبيعة الشيء وبين الكيفيات التي يوجد بها. وإن كان طرفي هذا الاختلاط محكوم بالزمان والمكان، وبالتالي بالتغير، فإن ذلك هو ما يحول بيننا وبين إيجاد التناسب الحقيقي بين الشيء ومتغيراته سواء من حيث الكيف، أو من حيث الكم، النقصان أو الزيادة…؛ فالسؤال، حسب برغسون، كم يكبر الإحسان؟ يحيل دائما إلى مشكلة مُساء طرحها، حالما أن وعينا غارق في الخلط بين ما هو كمي وما هو كيفي. يقول “برغسون”:”لأنه إذا كان اختلاط الكيفية مع الكمية ينحصر في كل حالة من حالات الوعي حينما تؤخذ بشكل منعزل، فإنه سيخلق وضعيات غامضة، كما سبق أن رأينا، بدلا من مشكلات.”لهذا، فالإحساس هو إحساسات وليس إحساس واحد، كما أن الأمر، دائما يتعلق بشيء ما. أي إحساس بشيء ما؟اعتبارا لهذا الوضع الشائك الذي تلاقيه الذات، حيث التداخل بين ما للذات وبين ما للأشياء، يجد الباحث أن “برغسون”، وبشكل غير مباشر، يربط السبب الرئيس في ذلك بضعف عمل الإرادة. لهذا ينجلي لنا، من خلال سياق هذا المعنى، كيف أن “برغسون” يربط بين الإرادة والحدس، مما يعني أن هذا الأخير هو بمثابة جُهد شاق تبذله الذات كي تصل إلى مستوى القدرة على فصل الكمي عن الكيفي، وأيضا القدرة على عزل الزماني عما هو مكاني. والحق إن ذلك غير مؤتي للذات إلا بإدراكها واستيعابها لمغزى الديمومة والاندفاع الحيوي اللذين يميزان الحياة بشكل عام.هكذا، فالقول بالفوضى مثلا واعتبار وجودها لا يعدو يرجع إلى كوننا عاجزين غير قادرين على رؤية وإدراك النظام. على أساس أن الفوضى هي هذا النظام الذي لم نستطيع الكشف عنه بعد، حيث الأمر يتطلب منا مجهودا كبيرا. يقول “برغسون”:”إن الفوضى كفكرة تبدو للإنسان حين لا يرى أن هناك نظامين أو عدة أنظمة من الصعب اختزالها، وكمثال على ذلك: (نظام الحياة ونظام الالية mécanisme، اللذين ينفيان بعضهما البعض) وبدلا من ذلك يأخذ بعين الاعتبار فقط فكرة عامة عن النظام، يكتفي بأن يعارض بها الفوضى، وبأن يفكر من ضمن علاقة بفكرة الفوضى”.من هنا، يتضح كيف أن فكرة الفوضى تتولد لدى الذات بقدر ما تبقى هذه الأخيرة عاجزة وغير قادرة على تجاوز الفكرة العامة التي لديها عن النظام. والواقع، إن ذلك خليط أسيء تحليله، يرى “برغسون”.ولما كان الرجل يتفق مع “نيتشه” قليلا على مستوى أن العقل يحتوي في طياته، ليس الأخطاء فحسب، وإنما الأوهام كذلك، وجدناه يقر، إن كانت هي، بشكل أو بأخر، باعثا من بين البواعث التي تجعل الذات أسيرة دائرة المشكلات الزائفة والمشكلات التي لا تطرح بالشكل الذي ينبغي لها أن تطرح به، وجدناه يقر بأن هذه الأوهام من الصعب إن لم يكن من المستحيل تبريرها، لذا يجب إلغاءها.والحق، إن هذا المنطوق يجعل من فلسفة “برغسون” خاصة على مستوى هذه النقطة قريبة جدا من “هوسرل” في ما يخص عملية الإيبوخي والتي هي نوع من الحذر والاحتراس من الوقوع في الزلل بلغة القدامى. نتساءل هنا مع “برغسون” إن كان العقل لا ينتج إلا الأوهام، فما هو السبيل الممكن اعتماده لتحصيل وبناء المعرفة؟

يجيبنا الرجل بأن العقل يحتوى في عمقه ميلا نقديا نواجه به هذا الميل السلبي، إن صح التعبير، الذي يشدنا إلى الارتباط بمنطق الزيادة والنقصان. لهذا، فليس من منهج قادر على إبراز ذلك، يمكن لنا اعتماده سوى منهج الحدس طالما أنه الوحيد القادر حفزه وتحريكه لطالما اعتبر القابض على الاختلافات والفروقات في الطبيعة وراء الفروق في الدرجة، حيث العقل هو الذي يبلغنا المقاييس التي تمنحنا التمييز بين المشكلات الحقيقية والمشكلات الزائفة.يحلل “دولوز” هذا الطرح ليصل في نهاية المطاف إلى أن “برغسون” يبيّن أن العقل هو القوة التي تطرح المشكلات عموما، أما الغريزة فهي بالأحرى قوة إيجاد الحلول. لكن الحدس وحده يقرر ما الصحيح وما الزائف في المشكلات المطروحة، على أن يدفع العقل للتقوقع على ذاته.القاعدة الثانية: مقاومة الوهم لإيجاد الاختلافات الحقيقية في الطبيعة أو تمفصلات الواقع.إن الأطروحة الأساسية التي يحاول “برغسون” طرحها من خلال هذه القاعدة ترتبط، لا محالة، بطبيعة الطبيعة في حد ذاتها. كونها تحتوى على ثنائيات يحكمها الاختلاف من جهة، والتمفصلات القائمة بين هذه الثنائيات التي تشكل في نهاية المطاف الواقع من جهة ثانية. من هنا، فإذا كان “برغسون” ينطلق دائما في تحليلاته من ثنائيات محددة، فذلك لاعتقاده أن السقوط في مصيادات أتفه الميتافيزيقيات يعود إلى غياب القدرة الحدسية التي يجب على الذات أن تبذلها في فهم واستيعاب هذه الاختلافات الحقيقية الحاصلة في الطبيعة، حيث تبدو لنا على شكل ثنائيات متضادة. لذلك فالأمر يتعلق دائما، حسب “برغسون”، بقسمة خليط وفقا لتمفصلاته الطبيعية؛ أي إلى عناصر تختلف من حيث الطبيعة.وفقا لذلك، إن إيجاد هذه الاختلافات ورفع هذا الخليط لن يتأتى للدارس إلا باعتماد الحدس كمنهج قائم على عملية التقسيم. في الواقع، إن لفي هذا التصور تأثر قوي بالنزعة الأفلاطونية من قبل “برغسون” حسب “دولوز”. بهذا يعتبر “برغسون” أنه إذا كانت نظرتنا إلى الأشياء لا تخلو من خلط ومزج بين الثنائيات التي تحويها، نجد مثال ثنائية الزمان والحيز (المكان) يترجمان هذا الخلط بشكل واضح، إذ نكون عن الزمن تصورا مشبعا بالحيز l’espace. هكذا إذن يتبين “برغسون” عمق المشكل الذي يعوق الفلسفة في تحقيقها لمعارف يقينية ودقيقة يمكن أن نجعلها في مرتبة العلم الصارم.

لا يمكن تحقيق ذلك طالما “نقيس المزائج بوحدة هي ذاتها غير نقية، إذ أصبحت ممزوجة. وبالتالي فقدان صواب الأخلاط”. مرة أخرى يتضح مدى الدور الهام والأساس للحدس. فإن كان منهجا للتقسيم، فإنه شبيه في ذلك بتحليل صورية ما سابقة على التجربة transcendantale. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه بهذا الصدد يفيد: ما المقصود بالحدس كمنهج للتقسيم؟المقصود بذلك، هو أنه لا مجال لرفع هذا الالتباس والخلط الذي يكتسي نظرتنا إلى أشياء العالم، حيث التمييز بين إن كانت “كيف” فهي كذلك. وإن كانت “كم” فهي كذلك. وهكذا دواليك في ما يخص خصائص وجواهر الطبيعة. لهذا، فلا مجال لرفع هذا الخلط إلا باتخاذ الحدس منطلقا أساس قادر على جعلنا “نقسم الخليط إلى نزعات أو إلى حضورات خالصة نقية ليست موجودة إلا قانونا”. فهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن هناك تصورا خاصا يقدمه “برغسون” لمفهوم التجربة، وهو تصور، في العمق، يحتوي نوعا من التجاوز للتصور الكانطي. فإن كان هذا الأخير يروم إحقاقا لشروط قبلية لإمكان المعرفة، وجدنا “برغسون” محاولا تجاوز التجربة ذاتها نحو شروط للتجربة. حيث شروط كل تجربة ممكنة معناه شروط التجربة الفعلية بالتمام والكمال.لهذا، فالاختلاف والفرق في عناصر الطبيعة، هي فقط من جهة الدرجة وليس من حيث طبيعة الطبيعة. مما يعني أن المعرفة الحقة بالفروقات والتمايزات الحقيقية الكامنة وراء الطبيعة، تغني المتأمل عن الوحل داخل شباك المشكلات الزائفة والوهمية. والحق، إن”نسيان الفروقات في الطبيعة، بين الإدراك والتعلق من جهة، والإدراك والتذكار من جهة أخرى، يولد كل أنواع المشكلات الزائفة بأن يجعلنا نؤمن بطابع غير ممتد لإدراكنا الحسي. سنجد، في هذه الفكرة القائلة إننا نُسقط خارجنا حالات داخلية خالصة، الكثير من إساءات الفهم، ومن الأجوبة العرجاء عن أسئلة أسيء طرحها”.

من هنا، فإن كان “برغسون” يرمي إلى القبض على شروط التجربة لإمكانية إنشاء معرفة حقة عن العالم، فإنه يُرهن ذلك بالحدس الذي يجعل الذات تبذل المجهود المطلوب لتجاوز حالة التجربة نحو شروط التجربة. إن الذي يبعث على الانتباه في الارتباط بهذا المضمون هو أن الشروط التي يحاول “برغسون” الحديث عنها هاهنا؛ هي ليست بذلك الطابع الكلي وليست، أيضا، بالصورة المجردة التي تزعمها “كانط” في كتابه “نقد العقل الخالص”. لكن هي، حسب “برغسون”، شروط التجربة الفعلية في حد ذاتها. حيث الوعي بالشيء والشيء شيء واحد، يحكمهما منطق التحايث. ولعل في ذلك تقارب واضح بين “برغسون” و”هوسرل”. فهذا الأخير قد بين من ذي قبل كيف أن الوعي محايث لموضوعاته.ولإيضاح هذا المعنى بشكل أدق، يمكننا العودة إلى كتاب “المادة والذاكرة” حتى نتبين هذا التلاحم بين شروط التجربة والتجربة الإنسانية نفسها، إذ الحاكم في تحقيق هذا التلاحم يكون، بالضرورة، بالحدس التعاطفي كمجهود كبير تبذله الذات. وبالتالي فلا إدراك لتلك الاختلافات والفروقات الموجودة في الطبيعة إلا باتخاذ هذا التلاحم نقطة أساس، والذي هو غير محصّل لنا إن انعدم المجهود الحدسي. اعتبارا لذلك، وجدنا “برغسون”:”مُقرا بحركة متلائمة مع التجربة تارة، وتوسيع وشدة وتضييق تعيشه الذات تارة أخرى. حيث تحديد كل “فاصل” في الطبيعة يستتبع نوعا من التقلص، كما تمثلنا لأفعال متنوعة في الظاهر تتجمع وفقا لتناغماتها الطبيعية مشدودة تبعا لتمفصلها”.القاعدة الثالثة: حل المشكلات يكون باعتماد الزماننصل في الأخير مع هذه القاعدة إلى القبض على المعنى الأصيل للحدس؛ وذلك لكونه يقتضي زمن الديمومة الحي، حيث إنه مع الحدس تفكر الذات بحسٍ زماني. إلا أن استيعابنا لذلك لا يكون إلا بشرط فهمنا لتلك الاختلافات والفروقات الكامنة في الطبيعة والتي حاولنا تلمسها مع القاعدة السالفة الذكر. فإذا كان “برغسون” يرجع، بصورة أو بأخرى، كل ثنائيات الوجود إلى ثنائيتين أصيلتين أساسيتين يفيدان “الزمان” و”الحيّز”، فذلك لكي يجلي بكل وضوح كيف أن الحدس الزمني هو وحده القادر على تبيان وإيضاح وحل المشكلات من جهة، وتميزها عن الزائفة والمطروحة بشكل سيء من جهة أخرى.والحق، إن ذلك بيّنٌ في مدى المكانة الأصل التي يوليها “برغسون” للزمان. فإذا كان الحدس يُعد منهجا للتقسيم، أي تقسيم المشكلات من ناحية، وتلك الاختلافات الحاصلة على مستوى الطبيعة من ناحية ثانية، فإن مهمته هاته تقتضي:”الديمومة التي تنزع من جهتها إلى الاطلاع بكل الاختلافات في الطبيعة أو لحملها؛ وذلك لأنها (موهوبة القدرة على أن تتغير نوعيا مع ذاتها)، والحيّز الذي لا تظهر عليه أبدا غير اختلافات في الدرجة لأنه تجانس كمي.”لهذا، فنظرتنا للأشياء إن لم تكن اعتمادا على الحدس الزماني، فإننا سنتمثلها كمظهر له هيئة مكانية دون القبض على تلك الديمومة الجارية لتغيراتها وتبدلاتها والتي تتخذ صورة كينونة في الزمن. والواقع إن هذه الخصائص الزمانية لا يمكن إجلاءها إلا بالحدس الزماني. فلما كانت نظرتنا هاته يحكمها الزمان (الديمومة) وليس الحيّز (المكان)، حيث التغيرات التي ندركها ونستشعرها هي حاصلة في مستوى زمانيتنا الداخلية، وليس في هذه الأشياء التي تتخذ هيئات مكانية، لما كان الأمر هكذا، اتسع لنا فهم كيف أن الاختلافات هي ليست في الطبيعة وإنما هي اختلافات على مستوى زمن الديمومة.خاتمةسعيت في هذا المقال إلى محاولة إيضاح طبيعة المنهج الفلسفي الذي يقترحه “برغسون” لحل معضلات الميتافيزيقا. فإذا كان العلم تتلاءم طبيعته مع المناهج التي تروم تحليل الظواهر المادية، فإن الفلسفة، إن كان موضوعاتها وقضاياها كيفية وليست كمية، تقتضي أن يكون الحدس منهجها. ذلك كونه يضمن فهم واستيعاب زمانية وحيوية الموضوعات ذات الطبيعة فوق-عقلية. هكذا، فالمنهج الحدسي يمكننا من القدرة على اكتشاف وإبداع المشكلات الحقيقية وحلها في الان ذاته، والتمييز بين الصحيح والخاطئ منها من ناحية، ثم القبض على الروح الزمنية/ التعاطفية لطبيعة الوجود من ناحية ثانية.

لساكو زهير.

مؤسسسة مؤمنون بلاحدود_ موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate