حداثة و ديمقراطية

سيكولوجيا «الحراك الجغروطائفي» للحشود.

هناك العديد من النظريات والمئات من الدراسات المحكمة التي تتحدث عن سلوك الحشود في علم الاجتماع، وأطروحات وافتراضات وسيناريوهات العدوى السلوكية والامتثال والمطابقة، والنمذجة والتقليد والانصياع والطاعة والتقارب والقاعدة الناشئة، والكثير من المفاهيم التي تعجّ بها أمهات الكتب في التخصصات المختلفة في علم الاجتماع وعلم النفس، والتي تحاول جاهدةً تفسير لماذا، وكيف، ومن، ومتى، وأين، وإلى أي مدى يؤثر السلوك الجماعي في الفرد والعكس صحيح؟ويعدّ الانفصال عن الهوية الجماعية غير منطقي وهرطقة مذهبية للفرد في تلك الطائفة ضمن الحدود الجغرافية والحدود الروحية، وهو ما يجعله في صراع داخلي بين الهوية القومية والدينية. وللتغلب على تلك المعضلة يكون نداء وخطابات القائد لطائفته طوق النجاة لروحه من الضياع، وإلغاء شبه كلي للتفكير المنطقي الفردي للشعور بالراحة والانتماء، وعدم الشعور بالذنب من خلال حراك طائفي كل من فيه يشعر بنفس المشاعر والاحتياج. وقد وجد كل فرد ضالته في ذلك الحراك، الذي يجعله مهماً وذا قيمة كبيرة كفرد بغض النظر عن مشاكله المالية والنفسية والظروف الحياتية التي يعيش فيها. ففي تلك اللحظات هو حر من كل القيود التي تكبّله في حياته اليومية، ويرى أملاً وضوءاً يلوح له خارج كهف المعاناة الشخصية، والتي طمست من خلال الإسناد والمشاركة الجماعية التي تجعل المعاناة الشخصية مغيبة وإن كان غياباً مؤقتاً.فالفرد في الطائفة الدينية يسعى إلى الانتماء والتكامل الاجتماعي وعدم الاستبعاد الاجتماعي، ويحصل على التضامن والعضوية الجماعية المجانية إلى جانب وعود الحياة الأبدية ومكافآت فورية للانتماء، ويشعر بالتقدير والقبول وبأنه مميز لمجرد أنه ينتمي إليها وهو أمر مجزٍ للغاية، وفي الحركات الإسلاموية الطائفية والمنضمين إليها بفعل عوامل الاندفاع «الجغروطائفي»، يعتبر الوطن بالنسبة لهم ما تحدده طائفتهم، وتوافق عليه قياداتهم ضمن ولاءاتهم الضيقة للأطر الجغرافية والطائفية والإثنية ضمن ولاءات الحشود القطيعية الانفعالية، وهم يعلمون أن صناديق الاقتراع والمطالب السياسية ليست حقوقاً ثابتة ومطلقة. وما نطلبه اليوم قد يكون مطلباً ساذجاً بعد عدة أشهر، ولهذا يهرعون إلى حضن زعماء تلك الطوائف، ويرون في فرض الوصاية الأبوية الدينية المتمثّلة بكافة سلطاتها الهرمية هي مدخل لأزمة بناء الوطن المثالي وأساس المواطنة، وقد يمتد الوطن لبعضهم بامتداد الجغرافيا الطائفية والمذهبية.ويتأثر الفرد في الطائفة اجتماعياً من خلال تأثير التراث المذهبي والأساطير وموروث الدين الشعبي والمراجع الدينية على آرائه ومشاعره وحتى سلوكياته، ويقر باقي أفراد المجتمع وينشرون ذلك التأثير المتعاقب بينهم. ولربما كان الفرد غير متوافق داخلياً مع تلك التوجهات، أو قد يكون غير واع ولا مدرك أن تفكيره وسلوكه قد تغيرا بسبب تأثير الآخرين عليه، ولكن تأثير الأغلبية يلزمه بالامتثال والأخذ برأي الأغلبية وسلوكهم حتى لا يكون منبوذاً من تلك الأغلبية، وإنْ كان التوافق من خلال الامتثال العام بدلاً من القبول الخاص فتجد الفرد منخرطاً مع السلوك الجماعي تحت التأثير الاجتماعي المعلوماتي، حيث يقبل الفرد صحة المعلومات التي يتلقاها من الآخرين ويغير معتقداته ووجهات نظره بما يتماشى مع أولئك الذين يقومون بالتأثير. وقد يشمل ذلك تغيير كل من المعتقدات والمواقف العامة والخاصة، وخاصةً عندما يعتقد الفرد أن الآخرين هم الخبراء في الموقف، وبالتالي فمن المرجح أن يعرفوا ما يجب عليه

فعله، ليساهم انصياعه لصوت ومنطق الجماعة في إكمال مهمة أكثر صعوبةً بدونهم، وهو ما يحدث مراراً عندما يجد الناس شيئاً صعباً للتنفيذ، وحينئذ ينظرون إلى الآخرين لمساعدتهم في توجيه قراراتهم لأنهم يفتقرون إلى الثقة في أحكامهم الخاصة بالموقف. ومن خلال الجماعة لا يضطرون إلى الكشف عن هويتهم وتحمل مسؤولية شخصية لما سيحدث من عواقب، واعتبار ما يحدث أمراً طبيعياً وثورةً في وجه الظلم والطريقة الوحيدة، لكي يصل صوتهم من خلال الجماعة لباقي المجتمع وحفظ الهوية.

لسالم سالمين النعيمي.

الاتحاد_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate