حداثة و ديمقراطية

المساواة والعدالة الاجتماعية.

المساواة مصطلح واسع النطاق، ومن السهل التعميم والتبسيط المفرط لما تعنيه كلمة مساواة. وقد نصّت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي: «يَخرجُ جميع البشر من بُطون أمَّهاتهم متساوين في الكرامة والحقوق، وقد أُعطوا عقلاً وضميراً، فيجب عليهم معاملة بعضهم بعضاً بروحٍ طيبةٍ»، وقد تحدثت العديد من الصكوك الدولية عن حق المساواة بين البشر غير الذي تذكره الدساتير والقوانين المحلية والأديان والفلسفات والإيديولوجيات الإنسانية. ولطالما تم الخلط بين المساواة والعدالة، ولا سيما العدالة الاجتماعية مما يوحي بأنهما مترادفان وهما ليس بالضرورة كذلك.
نظرياً ربما يصعب تطبيق العدالة المطلقة على الجميع، وقد تكون عدم المساواة حتمية كنمط بشري غير مقبول أخلاقياً وقيمياً، ولكنه يجبر الطرف الواقع عليه الظلم بتقبله لضمان تجنب الصراعات والنزاعات الإقصائية، وبالتالي ضمان البقاء على قيد الحياة والحرية وإنْ كانت ظاهرية، وتبنّي سلوكيات تجعله متعايشاً مع نسبية العدالة، ولا سيما أنه النقطة الأضعف في هذه المعادلة.
عالمياً، وفي حساب تقبل الظلم أو رفضه، ربما ترجح كفة قبول الظلم، الذي بالرغم من وقوعه، إلّا أن نتائجه تعد مقبولة نسبياً في ميزان البقاء والتعايش وصراع حفظ النوع، والمستفيد الأكبر من هذه الظاهرة البشرية الأزلية على كوكب الأرض، هو الأقوى ومن يملك الموارد الأوفر، ومن له امتداد دعم وإسناد يشكل له مخزوناً مرناً للمضي قدماً سواء أكان شخصاً أو نظاماً أو مؤسسة عامة أو خاصة، مما يجعل تطبيع البشرية مع الظلم أمراً تلقائياً، وجزء متقبل من منظومة صراع البقاء والبقاء للأقوى والأكثر استعداداً ومرونةً لتقبل التغيير والتكيّف مع متغيرات الحياة.
ومن خلال نظرة عالمية، تعد معضلة وملابسة عدم المساواة محورية للطبيعة البشرية الأولى وما ورثناه كبشر من سلوك حاولنا تأديبه وترويضه بشتى الطرق والوسائل، وكان نجاحنا في هذا الجانب خجولاً للغاية حيث اصطدم بالجينات الأنانية للحيوان العاقل، وارتباطه ببناء هوية المجموعة الاجتماعية المتباينة من مجتمع إلى آخر من حيث الاحتياجات والقناعات والأفكار الكبرى، ومدى قدرة كل فرد ومجتمع على تحمل صدمات مخاطر أننا في الحياة لا نحتاج للعدل المطلق وهو ليس من شروط البقاء، والمسلّمات في هذا الحقل شبه معدومة ومتغيرة مع تغير الزمان والمكان. 

والدليل أن الإنسان الذي يدّعي التحضر والإيمان بالمبادئ الإنسانية العليا في أي دولة بالعالم يعلم بكل ممارسات الاحتكار والاستغلال لأخيه الإنسان، وفي بعض الحالات يُصوّت لرئيس يميني متطرف يكره الآخر المختلف، ويعلم أن ما تجنيه دولته من ضرائب تساهم في الصراعات المسلحة والتدمير الاقتصادي والمجاعات وسرقة موارد الدول الأخرى، ولكنه يغض الطرف ويتغاضى عن ما تقوم به حكومته، لأنه يتعلق ببقائه هو وجودة حياته وحياة ذريته، ويفسر العدالة بأسلوب تخدير روحي وعقلي ونفسي يجعل البرجماتية في حياة الإنسان من أسس البقاء التلقائية.
ففي كل الثقافات هناك سلوكيات سائدة تتمايز فيها المجتمعات باسم القرب من السلطة أو الأحزاب أو المال أو المعرفة أو النخب، أو الموقع الجغرافي أو الإنتماء الديني والقومي والمجتمعي والاقتصادي والمهني. والمساواة هي الحصول على نفس الظروف والامتيازات لتكون الفرص متكافئة وليس الحصول على فرص متكافئة فقط.

لسالم سالمين النعيمي.

الاتحاد-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate