حداثة و ديمقراطية

السياسة بوصفها حرفة.

تعتبر أعمال ماكس فيبر (1864-1920) من أكثر الأعمال الفكرية ذكراً إلى يومنا هذا ولها تأثيرات جلية في مسار العلوم الإنسانية بصفة عامة والعلوم الاجتماعية بصفة خاصة؛ ولا يخلو مرجع جدي من ذكر نظريات ماكس فيبر أو الإحالة إلى أعماله… وفي هذه المقالة سنتوقف عند كتاب له هو عبارة عن محاضرتين “العلم بوصفه حرفة” و”السياسة بوصفها حرفة”؛ والراجح كما يذهب المحققون أنه ألقاهما في أواخر عام 1918 أي في شهور الاضطرابات والثورات التي تلت الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا وسقوط القيصرية، ثم إن هذا يعني أن المقالتين كانتا من آخر ما كتب ماكس فيبر. والسياسة في نظر ماكس فيبر تتناول أنماط النشاط ومساراته في سائر المجالات، فهناك سياسة معرفية، وهناك سياسة تعليمية وهناك سياسة ريفية أو مدينية لإحدى البلديات، إلا أن ماكس فيبر أوضح أنه معني من بين سائر السياسات بإدارة الاجتماع السياسي الذي يسمى الدولة وبالتأثير الذي تمارسه هذه السياسة أو تلك على الإدارة؛ بمعنى أن فيبر في تعريفه للدولة يستنبط ويشرح الخاصية المميزة لها وهي القوة، ولكن ليس أية قوة كما يمكن أن يتغنى بذلك بعض بطانة السوء اليوم الذين كانوا يحيطون ببعض رموز السلطوية المطلقة أو لا يزالون كما في سوريا؛ فعندما يتحدث فيبر عن القوة أو الإرغام فإنما يتناول مفهوم القوة الممكنة في المدى الطويل أي التي تتمتع بالمشروعية. ويضيف ماكس فيبر أن التطور الذي حول السياسة إلى مشروع أو هيئة أو منشأة أو مؤسسة، يتطلب تنشئة خاصة للذين يسهمون في الصراع على السلطة، وفقاً لمبدأ الحزب الحديث. والتنشئة في نظرنا هي كل شيء وهي الفيصل بين الحق والباطل في المجال السياسي، وهي تكون بمثابة التربية التي تجعل الإنسان يتشبع بروح المواطنة السياسية التي هي جزء من المواطنة الكبرى التي تصنع الولاء للدولة؛ والمواطنة السياسية أو الحزبية (حسب تعبيرنا) تخضع لبرامج حزبية ولقناعات إيديولوجية ولبرامج اقتصادية يبلورها الساسة داخل المجال السياسي العام قصد الوصول إلى السلطة وبلورتها في سياسات عامة عند الوصول إلى سدة الحكم وتنفيذها في برامج حكومية وسياسات مجالية على الصعيدين الوطني والمحلي. ولكن هل هذا يعني أن الحزب الفائز الذي وصل إلى الحكم عليه أن ُيحزِّب كل صغيرة وكبيرة في البلد وأن يوظف الناس على مقاس الحزب وأن يضع خارج الإدارة كل من لم ينضو في إطار الحزب الجديد؟ هذه الأسئلة وغيرها غالباً ما تطرح في دول ما بعد الربيع العربي. وسيجد القارئ لماكس فيبر جزءاً من الجواب عندما يقول إن على رجل السياسة المحترف ألا يمارس العمل السياسي التزاماً بدعوته ودعواه ورسالته بالضبط، بل يكون عليه إلى جانب عمله السياسي أن يمارس الإدارة بطريقة غير متحزبة. وهذا ضروري لزعيم الحزب السياسي ولكل الموظفين ذوي المعنى السياسي؛ فلدى الموظف الإداري اعتبار الدولة بنظامها العام، واعتبار شرف الوظيفة، وإذا لم يتوافر هذا الانضباط فإن النظام كله ينهار. هذا كلام صحيح. تصوروا معي أن حزباً ما فاز في الانتخابات، وبدأ ينظر بمنظور حزبي ضيق، يخاف من كل الموظفين السابقين، ويزيح المسؤولين والمعاونين الواحد تلو الآخر ثم يضع أناساً من حزبه غالباً ما لا تكون الكفاءات والتجارب متوفرة عندهم، فإن جهاز الدولة سيتفجر إن عاجلاً أم آجلاً. هذه ليست بالسياسة، وإنما هي خوار سياسي خاطئ تجعل متبنيها يسيئون إلى الديمقراطية… ومن حقهم فعل ذلك لأن الشعب فوض لهم مهام تقلد المسؤولية، ولكن مع ذلك ستكون سياستهم سياسة بدون حكمة؛ فالحكمة والمسؤولية هي شرط لنجاح السياسي المحترف، والانضباط العالي هو شرط لنجاح الإدارة العامة للدولة رغم تغيير الأحزاب السياسية التي تشكل الحكومة. انظروا إلى الانتخابات الأميركية والفرنسية، قد يذهب حزب ويأتي حزب آخر ولكن الإدارة ومسؤوليها يبقون في غالب الأحيان… والذي يتغير هو البرامج التنموية الجديدة التي أتى بها الحزب الفائز، والتي على أساسها صوّت الشعب له والتي ستفرضها الحكومة الجديدة عن طريق قوانين ومراسيم على العام والخاص بما في ذلك الإدارة وكل الإداريين. هذه البرامج هي مخططات وأفكار ونظريات ومقاربات لمحاربة البطالة مثلاً والقضاء على التضخم والمديونية وطرق إعمال السلم الاجتماعي وتطوير التعليم وتحديث وتحفيز الاستثمار وغيرها… صحيح أنه يجب إزاحة من سيكون عثرة في تحقيق البرامج أو من كان في تلك المسؤولية وهو ليس بأهل لها، ولكن ليس يعني إطلاقاً وصول الحزب إلى الحكم الانتقام من الإدارة وأهلها عن بكرة أبيهم. إنني هنا أرغب كما رغب ماكس فيبر منذ عقود أن يصبح السياسي وبالأخص السياسي العربي سياسياً محترفاً وقائداً حكيماً وستكون العواقب محمودة وستجري بالشكل الذي عبر عنه شكسبير في مقطوعته (رقم 102): كان الوقت ربيعاً آنذاك وكان حبنا شاباً، كنت أحييه كل صباح بما أصدح به من أغان. هكذا يصدح البلبل بأغانيه صيفاً. ويصمت اللحن من نضوج الأيام. فالأمور لم تصل إلى هذا الحد للأسف، فازدهار الصيف ليس وارداً، ويمكن أن تنتظرنا ليال قطبية جليدية مظلمة وقاسية ولكن يمكن التغلب على كل ذلك بالسياسة الحكيمة وتحمل جهد مضن مع ما فيه من معاناة ومن بُعد نظر في ثقب ألواح من خشب قاس. 

صحيفة الاتحاد-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate