اصلاح ديني

الدين أولا….أم الأخلاق.

خلال التطورات التي عاشها الإنسان في البحث عن أسس أخلاقية مثلى، آمن بداية بالظواهر الطبيعية، لأنه وجد فيها قوة خفية في التمييز بين الخير والشر، ثم انتقل بعد ذلك لعبادة الأصنام لاعتقاده أن هذه الأصنام لها قوة في تحويل الشر إلى الخير، وفي فترة زمنية لاحقة كان “إبراهيم” مقدمة لظهور الديانات السماوية التي تأخذ من القيم الأخلاقية أساسا لتنظيم حياة البشر، وبالتالي الوصول إلى الفكرة السابقة في تغليب الخير على الشر.

من الملاحظ أن جميع هذه الأديان لم تكن قادرة على تشكيل منظومة أخلاقية تعمل على تنظيم وتثبيت قيم ومبادئ فاعلة لدى الفرد والمجتمع، كما أننا لا نستطيع أن نجزم اليوم بأن المنظومة الأخلاقية هي واحدة لدى جميع الأديان، ولا نستطيع أيضا أن نؤكد بأن هذه المنظومة -وإن اختلفت- تلقى قبولا جماعيا في الفكر والمنطق. وإذا افترضنا أن الديانات باختلاف عقائدها هي ركيزة لأساس منظومة أخلاقية تنظم حياة الأفراد والمجتمعات، فلماذا إذا اندحرت الأخلاق والإنسانيات….وانحرفت السلوكيات باسم الدين؟

هذا يقودنا إلى جدلية البحث في مفهومي التدين والإيمان، ومدى المفارقة والتلاقي بينهما. ولأن الآراء والنظريات في هذا تعددت وتباينت أحيانا؛ أكتفي بالتعريف اللغوي هنا، حيث عرف الفرد المتدين بالذي “اتخذ دينا، وتشدد في أمر دينه وعقيدته”، فيما عرف الإيمان بأنه “تصديق ويقين بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وما وقر في القلب وصدقه العمل”.

وفي نظري الشخصي فإن التدين هو محدودية في الفكر والتفكير والممارسة… هو انسلاخ عن الواقع الحياتي والروحاني المتوازن…. هو الأخضر الأسود الذي ينبت التطرف والعنف بأسوأ أشكاله….هو البعد الزماني والمكاني عن مفهوم الإيمان.

فلماذا إذن نعلم الدين في مدارسنا؟ إذا كان هذا التعليم لا يزيد مجتمعنا أخلاقا وفاقا وتناغما وتعايشا مثمرا بناء؟ لماذا لا نسعى عوضا عن ذلك إلى تعزيز القيم والمبادئ المثلى من خلال مادة أخرى تُعنى بالتربية الأخلاقية؟ نستطيع من خلالها توجيه الجيل الجديد من البحث عن الذات “الأنا” إلى البحث عن المجتمع الكلي، ليتم تكريس مفهوم الحقوق والواجبات كقاعدة أساسية لنشر الأخلاق والأسس الحياتية السليمة. ولا بد لمادة الأخلاق هذه أن ترتكز على أساسين متوازيين هما: التربية العاطفية، والتي تقوم على تثبيت قيم التسامح، والاحترام والمحبة، والثقة. بينما يقوم الأساس الثاني على التربية الفكرية، أي مد الأفراد بالثقافة الأخلاقية القائمة على تجارب الآخرين، ومن المهم أن يكون هناك توازن بين هذين الأساسين لبلوغ المنشود.

ومن منطلق المعرفة والاستزادة الفكرية، فإن تعريف الأجيال المتلاحقة بمختلف العقائد والأديان يثري احترامهم وقبولهم للآخر، ويعزز لديهم روح المواطنة ضمن إطار المفهوم الإنساني الأخلاقي، علّ وعسى أن يقودنا هذا البناء إلى دولة مدنية تحكمها القيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية، بعيدا عن التصنيف الديني، والاجتماعي والمحاصصة، لتكون الأخلاق جزءا أصيلا من ممارساتنا اليومية، مما يجنبنا حالة من الانفصام بين إيماننا وسلوكنا، خاصة في ظل مستقبل مرتقب مجهول.

لرمزي شاهين.

الحدث-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate