اصلاح ديني

لماذا لن يختفي الدين و لن يقدر العلم على أن يدمره؟(٢)

إذا نظرنا للمجتمعات التي ما يزال الدين فيها حيوياً فإنّ سماتها المشتركة أقل صلة بالعلوم وأكثر ارتباطاً بمشاعر الأمن الوجودي

تقدم تركيا حالة أكثر وضوحاً؛ فمثله مثل معظم القوميين الرياديين، كان مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، علمانياً ملتزماً، واعتقد أتاتورك بأنّ العلم كان متجهاّ إلى تنحية الدين جانباً، ومن أجل أن يتأكد من أنّ تركيا على الجانب الأيمن من التاريخ؛ بوّأ أتاتورك العلم، ولا سيما البيولوجيا التطورية، مكانة مركزية في نظام التعليم الحكومي في الجمهورية التركية الوليدة، وإثر ذلك؛ أصبح التطور مرتبطاً ببرنامج أتاتورك السياسي بأكمله، بما في ذلك العلمانية، كما أنّ الأحزاب الإسلامية في تركيا، التي تسعى إلى مواجهة المثل العلمانية لمؤسسي الأمة، هاجمت أيضاً تدريس نظرية التطور، فبالنسبة إليهم؛ يرتبط التطور بالمادية العلمانية، وقد توّج هذا الشعور بالقرار الذي اتخذ في حزيران الماضي، بإلغاء تدريس نظرية التطور من الفصل الدراسي بالمدرسة الثانوية، كرّة أخرى، أصبح العلم ضحية إثم ارتباطها بالعلمنة.

تمثل الولايات المتحدة سياقاً ثقافياً مختلفاً؛ حيث قد يبدو أنّ الإشكالية الرئيسة هي الصراع بين القراءات الحرفية لسفر التكوين والسمات الرئيسة للتاريخ التطوري، لكن في الواقع؛ إنّ الكثير من الخطاب القائل بالخلق (creationist) يركز على القيم الأخلاقية، ونرى في حالة الولايات المتحدة أيضاً أن معاداة التطور تنبع جزئياً، على الأقل، من افتراض أنّ النظرية التطورية هي ذريعة ومطية للمادية العلمانية وللالتزامات الأخلاقية المصاحبة لها، وكما في الهند وتركيا؛ تضرّ العلمانية بالعلم.

باختصار، ليست العلمنة العالمية حتمية، وعندما يحدث ذلك؛ فإنّه لا يحصل بسبب العلم، أضف إلى ذلك، عندما تبذل محاولة لاستخدام العلم من أجل الدفع بالعلمانية، فإنّ النتائج يمكن أن تضرّ بالعلم، وتفشل الأطروحة القائلة: إنّ “العلم يسبب العلمانية“، ببساطة، في الاختبار الإمبيريقي، فتجنيد العلم كأداة للعلمانية يتبين أنه إستراتيجية ضعيفة، فالعلم ومزاوجته بالعلمانية أمر أخرق جداً؛ لأنه يثير السؤال الآتي: لماذا يعتقد أحدهم خلاف ذلك؟

أمريكا المجتمع الأكثر تقدماً من الناحية العلمية والتكنولوجية بالعالم، ولكن في الوقت نفسه المجتمع الأكثر تديناً في المجتمعات الغربية

والحال؛ أنّ الناس في يومنا هذا أقل ثقة في أنّ التاريخ يتحرك من خلال سلسلة من المراحل المحددة نحو وجهة واحدة، ولا يؤيد معظم مؤرخي فكرة وجود صراع دائم بين العلم والدين، رغم استمرار هذا الاعتقاد الرائج. والتصادمات المشهورة، مثل قضية غاليليو، انتقلت إلى السياسة والشخصيات، وليس فقط العلم والدين، وقد كان لداروين مؤيدون دينيون كبار ومعارضون علميون، والعكس بالعكس، وأضحت كثير من الحالات المزعومة الأخرى، من الصراع بين العلم والدين، الآن، محض اختلاقات خالصة، وفي الواقع؛ كانت القاعدة التاريخية في الغالب واحدة، وهي الدعم المتبادل بين العلم والدين، وفي الأعوام التكوينية في القرن السابع عشر، اعتمد العلم الحديث على الشرعية الدينية، وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ساعد اللاهوت الطبيعي في تعميم العلم.

لقد عرض النموذج الصراعي بين العلم والدين وجهة نظر خاطئة عن الماضي، وعندما اقترن بتنبؤات العلمانية فقد أدى إلى رؤية خاطئة للمستقبل، وفشلت نظرية العلمنة في كلّ من الوصف والتنبؤ، والسؤال الحقيقي هو: لماذا ما نزال نواصل مواجهة مؤيدي الصراع بين العلم والدين؟ فالكثير منهم هم من العلماء البارزين، وسيكون من غير الضروري أن نتدرب على محادثات ريتشارد دوكينز حول هذا الموضوع، لكنه -في أي حال من الأحوال- ليس صوتا انفرادياً؛ حيث يعتقد ستيفن هوكينغ أنّ “العلم سيفوز لأنه يتقدم”، وقد أعلن سام هاريس أنّ “العلم يجب أن يدمر الدين”، ويعتقد ستيفن واينبرغ أنّ العلم أضعف الثقة الدينية؛ كما يتوقع كولين بلاكيمور أنّ العلم سيجعل الدين غير مهم في نهاية المطاف، والحال؛ أنّ الأدلة التاريخية لا تدعم ببساطة مثل هذه المزاعم، بل إنها، في حقيقة الأمر، تشير إلى أنها مزاعم مضللة.

فلماذا يستمرون في ذلك؟ الإجابات عن ذلك سياسية، وبغضّ النظر عن أيّ ولع دائم بالتفاهمات التاريخية الطريفة للقرن التاسع عشر، فعلينا أن ننظر إلى الخوف من الأصولية الإسلامية، والسخط على نظرية الخلق (creationism)؛ فهو سخط على التحالفات بين اليمين الديني وإنكار تغير المناخ، والقلق بشأن تآكل السلطة العلمية. وفي حين أننا ربما نكون متعاطفين مع هذه المخاوف، إلا أنّه لا ينبغي أن يكون ثمة تمويه لحقيقة أنها تنشأ عن التدخل غير المفيد للالتزامات المعيارية في المناقشة، والتفكير الحالم، الآمل بأنّ العلم سيحطم الدين، ليس بديلاً عن تقييم رصين للواقع الحالي، ومن المحتمل أن يكون الاستمرار في هذه الدعوة مؤثراً على العكس من ذلك.

الدين لن يختفي عمّا قريب، ولن يحطمه العلم، وإذا كان من شيء، فإنّ العلم هو الذي يتعرض لتهديدات متزايدة لسلطته وشرعيته الاجتماعية، وعلى ضوء ذلك؛ يحتاج العلم إلى جميع الأصدقاء الذين يمكنه الحصول عليهم، ومن المستحسن أن يعمل مناصروه على التوقف عن إنتاج العدو الديني له، أو الإصرار على أنّ الطريق الوحيد لمستقبل آمن يكمن في التحام العلم والعلمانية.

لكريم محمد.

حفريات-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate