حداثة و ديمقراطية

استحقاق سياسي بإطار اجتماعي الأردن نموذجا.

الانتخابات في المجتمعات الديموقراطية هي مناسبة للتنافس السياسي بين الأحزاب السياسية الممثلة لفئات المجتمع حول القضايا العامة التي تهم المواطنين. وعادة ما يبذل كل حزب جهدا كبيرا في محاولة إقناع الناخبين بأن تصوره لمعالجة تلك المشاكل هو الأفضل، والأقدر على حلها. كذلك، فإن الانتخابات تكون مناسبة لتثقيف المواطنين حول القضايا التي تواجه البلد وجذبهم وتحفيزهم للمشاركة السياسية وتفعيل دورهم في العملية الانتخابية. وبالرغم من أن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستكون المرة السادسة التي يتم بها انتخابات بعد عودة الحياة البرلمانية في الأردن العام 1989، التي تم من خلالها السماح للأحزاب السياسية بالعمل العلني.

المحصلة التراكمية لهذه التجربة، هي تراجع متسارع في الحياة السياسية، المرتبطة بالانتخابات والمؤسسات الأخرى، فبدلا من أن تؤدي عودة الديمقراطية للبلد إلى إفراز أحزاب وحركات سياسية تعبر عن المكونات الاقتصادية والاجتماعية ومصالحها، فقد شهدنا انكفاء متعاظما إلى الأطر الاجتماعية الأولية، عشائرية كانت أم مناطقية، لتكون هي الناظم للحراك الانتخابي البرلماني والسياسي بشكل عام. 

كما نلاحظ بأن الانتخابات بدأت تتحول من “عرس ديمقراطي سياسي”، الجميع مدعوون للمشاركة فيها، إلى “عرس عائلي” ليس له علاقة بالسياسة سوى المصالح الشخصية من خلال مشاركة الأصدقاء وذوي القربى بها. لذلك، فإن تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة لن يكون مرتبطا فقط بمقاطعة بعض الأحزاب لها، لكن سيكون بالدرجة الأولى مرتبطا بأن الكثير من الناس ليس لهم أي دور أو علاقة أو مصلحة بهذه الأعراس لأنهم ليسوا من أبناء تلك العائلات. 

التنافس والصراع حتى داخل العشيرة الواحدة أصبح واقع الحال في كثير من المناطق، ولا ضير في التنافس لو كان حول القضايا العامة أو برامج سياسية، لكنه ليس إلا تنافسا شخصيا على المكانة الاجتماعية.

ارتداد الناس إلى العشيرة والعائلة كوسيلة للوصول للبرلمان يجب أن لا تلام عليه العشيرة والعائلة، لأنه نتيجة طبيعية لغياب الأطر السياسية الفاعلة في العملية الانتخابية، حتى عندما تختار الأحزاب المشاركة بالانتخابات (بما فيها المعارضة) وطرح مرشحين لها، فأول اعتبار تأخذه في أسس اختيار المرشح هو ثقله العشائري وإمكانيته للفوز، لا برنامج الحزب الجامع المانع، وهو تكتيك مشروع ولكنه يؤكد ضعف الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على تجاوز الأطر التقليدية.

فواقع الحال إذا، هو تراجع البعد السياسي وتعاظم البعد الاجتماعي والعودة إلى الغرائزية الفردية والاجتماعية لتكون هي الضابط للإيقاع السياسي. 

السباق إلى قبة البرلمان أصبح تنافسا بين شخص أو عائلة أو عشيرة، وأصبح الانتماء للوطن والمصلحة العامة يمر من هذه البوابة السياسية. وكمحصلة لهذا الواقع تشعر نسبة كبيرة من أبناء هذا الوطن المخلصين بالاغتراب عن العملية السياسية التي ستقود نسبة كبيرة منهم لعدم المشاركة بالانتخابات.

تراجع المجتمع السياسي وغيابه عن الاستحقاق السياسي الأهم في مسار العملية الديمقراطية له انعكاسات سلبية بالغة الأهمية على تطور وتقدم الدولة الأردنية، ويحتاج إلى مراجعة شاملة لتصويب المسار الذي قد لا يكون ممكنا قبل الانتخابات، لكنه يجب أن يكون على أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة.

الغد-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate