اصلاح ديني

المساجد بين رهانات الدعوة و التحكم الديني المغرب نموذجا(٢).

2- المساجد رهان الدعوة والدعاية

لا شكّ أنّ الدعوة خطاب ومعطى تاريخي لظاهرة دينية اقترنت أساسا بالنبوّة، فلا وجود لدعوة خارج النبوّة، لأنهّا ابتدأت برسالة ووحي انتهى بصريح التعبير القرآني: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا…”؛ ووفقا لهذا المعطى التاريخي، فالنبوّة حتما لا تستأنف. أمّا ادعاء مشروعية الدعوة، فمبرّراته كثيرة منها أنه يوفّر لصاحبه رأسمالا مهمّا في المنازعات السياسية والدعوية، لاسيما في مجتمع، مشروعيته السياسية وثقافته العميقة دينية؛ فالدعوة رأسمال يعين الداعية على مهمّته ويتيح له امتلاك سلاح لا يقهر في مخاطبة الجمهور. من هنا نفهم كيف ظلت الدعوة سلطة تزايد عليها الطلب في مختلف محطات تاريخ الإسلام، وهو ما يفسر أيضا كيف أنّ دولا كثيرة حكمت المغرب، سبقتها عمليا دعوات ومهّدت لها حركات دينية أو صوفية ودعوية، فالمرابطون مثلا سبقتهم دعوة عبد الله ياسين، والموحّدون تزعم حركتهم المهدي بن تومرت. هاهنا يصبح المشروع السياسي مسبوقا بحركة دعوية، لأنّ الدعوة شكل من أشكال التعبئة والتجييش.

أمّا اليوم، فيمكن الحديث عن أسواق للدعوة ومؤسسات لإنتاجها وترويجها، مما يجعل الربط بين الدعوة والدعاية ربطا قويا، اتسع وامتد ليشمل صنف الدعاة الذين اخترقوا الساحة الإعلامية ووسائل الاتصال الرقمي الجديدة بغاية الوصول إلى أكبر عدد من الناس وعبر مجموع الأوساط والبلدان العربية والإسلامية. ولئن كان الشائع اختلاف مفهوم الدعوة عن الدعاية، فإنّ باحثا مثل عبد الله حمّودي يرى أنهما مرتبطان، داعيا إلى ضرورة تفكيك هذا المفهوم وإعادة النظر فيه من حيث هو يتضمن حركة في ذاتها لها تنظيماتها وزعاماتها، ومن ثمة تحديد المسافة التي تفصل الديني عن السياسي وما يلفّهما معا، مثل التوظيف والاستعمال والنزعة التحكمية المفضية إلى العنف وتجميع الثروة. ولئن كان مفهوم الدعوة يحمل معنى الانفتاح بالدعوة إلى الله والدين والأخلاق واستحضار الآخر، فإنّ الدعاية إيديولوجيا مغلقة على ذاتها تسعى لأن تبسط وجودها. ثم إنّ “الدعوة إلى الله” ليست مفهوما مجرّدا، بل هي رهان واقعي للتنافس بين مجموعة من الأطراف، لأنّها: “من المهام الأساسية للحكّام المسلمين، وهو الأمر الذي جعل منها فضاء يتنافس فيه الدعاة الرسميّون ومؤسّساتهم مع الدعاة والحركات التي تنصب نفسها للقيام “بواجب الدعوة” إلى الله”. إنّها تجربة تاريخية أفرزت دعاة مختلفين ومتعدّدين، إن على المستوى السرّي أو العلني، بأهداف متباينة مصرّح بها أحيانا وغير مصرّح بها أحيانا أخرى.

بالتوقّف عند لحظات من تاريخ المغرب، نجد أنّ المسجد لعب أدوارا كبرى تبرز تمفصلات الدعوة والدعاية سياسيا وتنظيميا وحركيا، فقد كان مثلا قناة تواصل أعضاء الحركة الوطنية ومجالا قويا لنشر الفكر السّلفي، كما ساهم في الرفع من مستوى الوعي الوطني لدى النخب الدينية وتوطيد الروابط بين الأفراد من مختلف مناطق وجهات البلاد. فقد كان فضاء للتنظيم السياسي، بدليل أنّ قراءة اللطيف ضدّ ما عرف ب”الظهير البربري” انطلقت من رحابه لمّا خرج المصلون سنة 1930، محتجين ومعلنين رفضهم، حيث “شكّلت خطب الجمعة مجالا لنشر الفكر السياسي للنخبة الوطنية، (…) وكانت هذه الخطب تنتهي بتظاهرات احتجاجية يكون المسجد منطلقها”؛ بهذا حقّق هذا الفضاء في تلك الفترة التاريخية، وظيفة جديدة تمثلت في ربطه بين النخبة والمجتمع، سواء على مستوى التمثل أو السلوك السياسيين.

وعبر محطات تاريخية وسياسية مختلفة، راكم المسجد بالتدريج رأسمالا قداسيا لا يقهر، تحوّل بموجبه إلى منبر دعوي وسياسي، بل أمسى من خلاله مدارا للصراع ورهانا للتنافس الإيديولوجي بين أطراف مختلفة، لأنه ببساطة كان ولا زال قادرا على لعب أدوار مختلفة تبلغ مبلغ التباين، من تعزيز الطاعة وتبرير الخضوع والمصادقة على الأمر الواقع ومباركة الوضع القائم، إلى التعبئة والتجييش ضدّ الحكام والساسة والأحزاب، وصولا إلى مستويات التحريض والتمرد والعصيان والاحتجاج. فمثلما يمكن للمسجد أن يكون مصنعا لتفريخ جماعة الطيّعين والمطيعين، يمكنه أن يستحيل أيضا إلى حاضنة لإنتاج محتجّين وعصاة متمرّدين.

في سبعينيات القرن المنصرم، صارت المساجد رهانات دعوية كبرى بالنسبة إلى الحركات الدينية وللجماعات السلفية مثلا بمختلف تلويناتها وشبكاتها الموزعة بالأحياء والمنتظمة في حركات لبناء المساجد، بعد تنفّذها في الأحياء الهامشية والفقيرة، عبر آليات التضامن الاجتماعي والاقتصادي التي استطاعت تطويرها في صفوف الفئات المسحوقة خصوصا في المدن الكبرى. في هذا السياق، وجدت مجموعة من الحركات الإسلامية في الشبيبة المتمدرسة التوّاقة إلى الابتعاد عن التمثيليات الدينية التقليدية (الفقيه، الزوايا، الطرقية…) قاعدتها الصلبة، كما وجدت في المساجد منابر مواتية لمخاطبة الجماهير الواسعة بشكل مقنّن أيام الجمعة، معتمدة على مجموعة من الوعاظ المتمدرسين والمهتمين بالشأن العام والمتتبعين للقضايا الاجتماعية والسياسية الراهنة والمنفتحين كذلك على المرجعيات الحداثية. فقد بدا الرابط بين الحركات الإسلامية و”الحداثة” واضحا، خصوصا مع روّادها الكبار في العالم العربي سواء مع “عبد السلام ياسين” بالمغرب أو مع “حسن الترابي” بالسودان أو لدى “راشد الغنوشي” بتونس. فقد “كفّت العديد من الحركات الإسلامية في العقدين الأخيرين عن النهل من مرجعيات الإسلام السياسي التقليدية، ولا يتمّ التذكير بأسماء الرواد مثل “ابن تيمية” و”الغزالي” و”المودودي” و”سيد قطب”، إلاّ من قبيل الإشادة بفضائل أصحابها”؛ تزايد عدد نشطاء هذه الحركات، كردّ فعل عن الحرمان الذي تعيشه الطبقات الوسطى والدنيا، ومن منابر المساجد وظّفوا خطب الجمعة للتنديد بتهاون السياسيين في الدفاع عن الدين وتطبيق التعاليم الشرعية؛ ويبدو أنّهم في ذلك، استطاعوا ملء فراغ كبير في صفوف الفئات الشعبية، لا سيّما بعد الفشل الواضح لمؤسّستين كبيرتين بالمغرب هما جامع القرويين ودار الحديث الحسنية، مستثمرين قدراتهم الواسعة على التواصل مع الناس والتأثير فيهم من خلال الخطب ودروس الإرشاد.

وممّا هو غير خاف أيضا أن جماعة دينية، “كالدعوة والتبليغ” مثلا، استطاعت أن تجعل من المسجد مركزا قويا لنشاطها الديني والدعوي؛ لمّا عمدت منذ تأسيس فرعها بالمغرب سنة 1975، إلى شراء كنيسة قديمة وتحويلها إلى مسجد تحت اسم “مسجد النور”، لتتمكن عبره أن تضمن لنفسها قاعدة متزايدة خصوصا في صفوف القرويين والفئات الشعبية بالمجتمع ككل، موجهة استقطابها كذلك لشخصيات دولية وأخرى محلية فنّانين ومطربين مشهورين. في هذا الزمن السبعيني، كانت الخطبة أهم أداة لتمرير الخطاب الإسلاموي، بعد بروز خطب على شاكلة “الخطب الكشكية” (نسبة للشيخ عبد الحميد كشك) لقدرتها الواسعة على تحميس جماهير المصلين وتعبئتهم بسرعة فائقة. غير أنه بانتشار هذا الصنف من الخطب النّارية في كثير من مناطق المغرب، تنبّهت السلطة لخطورتها، فعملت من خلال وزارة الأوقاف على تحديد مواصفات خاصة للخطيب في مؤتمر فاس1987؛ كما حاولت لاحقا من خلال النشرات الخاصة التي تسهر على نشرها تحت عنوان “نشرة الأئمة والخطباء”، أن تحمّل الأئمة والخطباء مسؤولياتهم الدينية دون أن تعلن بشكل مباشر حجرها على حريتهم الخاصة التي تقتضيها مزاولة مهامهم بمنابر المساجد.

وبدول مجاورة، يمنحنا النموذج الجزائري تجربة خاصة، تحوّلت فيها المساجد من أماكن للعبادة إلى مراكز للجهاد وتفريخ المجاهدين المساهمين في حرب العصابات والمنضوين تحت ألوية جبهة الإنقاذ، التي عبأت شبابها بأفكار سياسية معارضة، من خلال المضمون السياسي الذي أضفته على خطابها الديني، هاهنا نكون أمام مستوى يتحوّل فيه المسجد، تحت التأثير الدعوي والإيديولوجي، إلى مركز تنظيمي لثقافة العنف والوصول إلى السلطة، وإن كان هذا العنف يأخذ في لغة هذه التنظيمات معنى مغايرا هو “الجهاد”.

وعلى غرار ما يقع في المدن والحواضر الكبرى، لم تعد خطبة الجمعة بالأوساط القروية خطبة مواعظ ودروس دينية فقط، بل صارت بالتدريج قناة لتمرير خطابات جديدة قياسا لما كان عليه الحال فيما سبق؛ بعد أن برزت داخل الدواوير القروية، نماذج جديدة من النقاشات الدينية والمظاهر المجسدة لانتماءات خاصة، سواء على مستوى اللباس والهندام أو على مستوى التعامل مع الجسد (اللحية- شكل تصفيف الشعر- الحجاب بأنواعه وأشكاله المختلفة…)، مخترقة نسيجها الاجتماعي، ليتقوّى هجوم هذه النماذج الدينية مع ما ساوقها إعلاميا في بعض القنوات الفضائية العربية المعروفة، متجاوزة بذلك نموذج إسلام “فقيه الشرط”؛ والحال أنّ بقاء صنف شبه أمّي من هؤلاء الخطباء التقليديين على منابر المساجد وضعف دور الدولة في تكوين أطر مؤهلة وقادرة على الاضطلاع بمسؤولية الإمامة والخطبة خصوصا بالبوادي، سمح ببروز زعامات دينية جديدة منافسة، وتضاعف انتقاداتها لتكوينه الضعيف ولإشرافه على الشأن الديني بالبادية المغربية.

يتيح المسجد اليوم إذن، فرصة كبرى لشباب يملكون ثقافة دينية “عصرية” تنهل من مرجعيات علمية مختلفة وينضّدها تكوينهم الدراسي والجامعي، قياسا إلى “الفقهاء” والوعّاظ التقليديين بسطاء التكوين. يتعلّق الأمر بجيل جديد يتمتع بقدرات التواصل مع المستمعين بعيدا عن اللغة الفقهية الصعبة، يعتمد أسلوبا بسيطا ومباشرا في تناول مواضيع مختلفة ومنفتحة على المستجدات الراهنة، أحداثا وقضايا وظواهر متجاوزا مفهوم الموعظة التقليدية. والجدير بالذكر، أنّ هؤلاء الأئمة والوعاظ الجدد لا يخفون في كثير من الأحيان تأثرهم السّافر بالمشرق ونماذجه الدعوية وأفكاره المذهبية؛ والملاحظ أنّ أعدادهم باتت في تزايد مستمرّ، بالغة عمق المداشر والدواوير القروية، مستفيدة من عوامل كثيرة، نذكر منها هاهنا:

– ضعف الإعلام الديني بالمغرب، رغم الجهود المبذولة في هذا الباب.

– قوّة الخطاب الدعوي المشرقي لاعتماده على ترسانة إعلامية مهمة، أبطالها دعاة جدد ومشايخ متخصصون في الإفتاء المباشر من على منابر قنوات فضائية مشهورة.

– ضعف الكتابات الفقهية المغربية وميلها إلى التعقيد مع ابتعادها أيضا عن قضايا الناس ومعيشهم اليومي.

– غيابها في الأسواق، مقارنة مع كتابات المشارقة التي تفيض بها المكتبات الشعبية وعتبات المساجد وأسواق القرويين أيضا!

يبتعد هؤلاء الخطباء الشباب “المتمشرقون” في خطبهم، عن خصوصيات الإسلام المغربي ومشاكله الفقهية، لأنهم باعتمادهم على كتب ومراجع مشرقية، استنسخوا مشكلات فقهية لا تناسب دائما الواقع الاجتماعي والثقافي المغربي. ونستطيع أن نؤكد أنّ استعارة هذه المرجعيات الفقهية المشرقية، أو لنقل النماذج الإسلامية المشرقية، أضحت مشكلة حقيقية تهدد الفهم الديني بالمغرب وتلبسه بمجموعة من البدع والمحدثات التي لا تلائم حياة المغاربة ولا تناسب في شيء نمط وجودهم الاجتماعي والثقافي.

لعبد الهادي أعراب.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate