اصلاح ديني

الإسلام العامُّ كتِرياق للعُنف؟(٥)

التَّنافس حول الإسلام «الحقيقيِّ» في المجال العامِّ:

تصطفُّ الممارسات والنِّقاشات، سواءٌ منها المعاصرة أو تلك المشهورة تاريخيَّاً بين المسلمين، ضدَّ كلِّ الجهود لإيجاد فكرة فريدة وشاملة ومشتركَة بين جميع المجتمعات المسلمة حول المصلحة العامَّة، حتَّى لو تبنَّى بعض المفكِّرين المؤدلَجين، سواء منهم الَّذين يدَّعون تمثيل الإسلام أو أولئك الَّذين يهاجمونه، مثل هذه المزاعم الماهويَّة (eickelman and piscatori 2004: 46-79). وفي هذه الحالة، ومثل هذه السِّجالات أو الخلافات حول ما يُمثِّله الإسلام «الصَّالح» أو «الحقيقيُّ»؛ غالباً ما تُساهم في تصدُّع التَّصوُّرات الضِّمنيَّة أو حتَّى المُموَّهة عن المجال العامِّ، كما يحدث في العديد من المجتمعات في العالَم المسلم. ومن شأن تحليل هذه السِّجالات والسِّياقات الَّتي تتمُّ فيها هذه السِّجالات؛ أن يُسلَّطَ الضَّوء على الأدعياء المتنافسين على التَّحدُّث في المجال العامِّ، وبالتَّالي؛ سيكشف عن خيوط الإجماع ونقاط الاختلاف والقطيعة.

إنَّ مشاركة السُّلطات الدِّينيَّة في نقاشٍ دينيٍّ عامٍّ لا يُمكن فهمُها بدون تحليل الجمهور المتلقِّي الَّذي تستهدفه هذه الخطابات، والأواصر الَّتي تربط الأتباع بشخصيَّة القادة الدِّينيِّين. فوسائل الإعلام الجديدة، بما في ذلك المواعظ المُسجَّلة على الأشرطة الصَّوتيَّة والجرائد الشَّعبيَّة والإذاعات المحلِّيَّة، قد تتضافر مع وسائل إعلام أكثر تقليديَّة (كالقيل والقال، أو الفتاوى المنشورة أو التَّأويلات الدِّينيَّة) لتوسيع مجالات المشاركة وجعلها أكثرَ تعقيداً. ولكنَّ الدَّرجة الَّتي يمكن أن تُغيِّرَ بها مشاركة أو تأثير هذه الجماهير الجديدة مفاهيمَ المصلحة العامَّة وتفعيلها؛ تظلُّ سؤالاً يجب دائماً طرحُه بدلاً من التَّسليم به (eickelman and salvatore 2002: 105-110). فالمتكلِّمون الجُدُد يولدون في المساحة بين الدَّولة والسُّلطات الدِّينيَّة المُغرَقة في التَّقليديَّة، وبالتَّالي؛ ينجحون في تمثيل مراكز سلطة بديلة.

إنَّ السُّلطة الدِّينيَّة تستطيع أن تُشكِّل طرفاً أساسيَّاً في تأسيس الخطاب الدِّينيِّ العامِّ بطرق مختلفة. فعلى سبيل المثال: تُوفِّق مشاركة الصُّوفيِّين في النِّقاش الدِّينيِّ العامِّ بين أشكال حديثة من صياغة المفاهيم وطرح حجج دينيَّة، وذلك بناءً على درجة العضويَّة في إطارٍ دينيٍّ مُتَّسم بالتَّراتبيَّة والشَّخصنة الحادَّة.

إنَّ العلاقة بين السُّلطة الدِّينيَّة -سواء ادَّعى أحقِّيَّتها باحثون دينيُّون تقليديُّون أو مثقَّفون دينيُّون «جُدُد» (roy 1994 [1992]) أو نُظراؤهم السِّياسيُّون- والمجال العامِّ؛ تظلُّ بالتَّالي علاقة جدُّ غامضة وأكثر تعقيداً ممَّا قد تجعلنا النَّظريَّات الهابرماسيَّة التَّقليديَّة نعتقد، على الرَّغم من التَّعقيدات النَّظريَّة لهذه الأخيرة. وحتَّى في البلاد الَّتي تكون فيها الدَّولة راعيةً للإيديولوجيا الإسلاميَّة، مثل باكستان وإيران، فإنَّ الأفراد والجماعات والمجتمعات غالباً ما يستأثرون بهذه الإيديولوجيا لتعزيز موقعهم في النِّقاش الدِّينيِّ العامِّ من خلال ادِّعاء الاعتماديَّة الإسلاميَّة من أجل تعريف المصلحة العامَّة، أو لقضاء مآرب خاصَّة؛ يُضفون عليها صفة المصالح العامَّة، وهذه وسيلة مُنتشرة في كلِّ المجالات العامَّة أينما وُجِدَت (masud 2005).

قبلَ أيلول/سبتمبر 2001؛ أصبح تنامي أعداد المسلمين في أوربا وشمال أمريكا يطرح تساؤلات عديدة حول الهويَّة الوطنيَّة والمواطنة وتعدُّد الولاءات، كما هو الحال في كلٍّ من فرنسا وألمانيا مثلاً. ومنذ ذلك الحين؛ ضاعف تواتر الأحداث من هشاشة المسلمين المقيمين في الشَّتات. وفي بعض الحالات؛ أدَّى ذلك إلى مضاعفة المجهودات لتنظيم الجاليات من أجل انخراطٍ أكثرَ فعاليَّة في الحياة السِّياسيَّة للمجتمعات المعنيَّة، وفي حالات أُخرى؛ خلق موجاتٍ من الاستغراب-الذَّاتيِّ؛ مَا ساهم في فضحِ هشاشة خطابات التَّعدُّديَّة الثَّقافيَّة. ومع ذلك؛ فحتَّى في مثل هذه الظُّروف الصَّعبة، كان من النَّتائج الإيجابيَّة للاغتراب المزدوج في الوطن وداخل المجتمعات المُستقبِلة: تشجيع الانخراط في قضايا المسلمين عبر الوطنيَّة، خاصَّةً حين يصبح المسلمون ضحايا لانتهاكات حقوق الإنسان. وبناءً على ذلك؛ فإنَّ هشاشة الوضعيَّة الصَّعبة لمسلمي الشَّتات، والَّتي تفاقمت منذ أحداث أيلول/سبتمبر 2001، قد تُعزِّز على المدى الطَّويل المشاركةَ في الفضاءات الإسلاميَّة العامَّة وعبر الوطنيَّة.

باختصار: ليس هناك إسلامٌ عامٌّ مُفرد، ولكن بالأحرى، هناك تعدُّد الأشكال المتداخلة من الممارسات والخطابات الَّتي تُمثِّل المسارات السِّياسيَّة والتَّاريخيَّة المتنوِّعة للمجتمعات المسلمة؛ وعلاقتها بمجتمعات أُخرى وتأثيرها فيها. فالنِّقاشات في المجالِ العامِّ حول المصلحة العامَّة تشمل كلَّاً من الأقوال والأفعال. كما أنَّ الممارسات الجديدة والأشكال الجديدة للنَّشر والاتِّصال والطُّرق الجديدة في التَّفكير حول السُّلطة الدِّينيَّة والسِّياسيَّة؛ قد ساهمت في تحديد ملامح هذه النِّقاشات بشكلٍ عميق.

ترجمة ماهيتاب صبحي منتصر ، ديل أيكلمان.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate