اصلاح ديني

الإسلام العامُّ كتِرياق للعُنف؟(٣).

إنَّ الممارسات الاجتماعيَّة الَّتي ترتكز على أفكار المصلحة العامَّة، والَّتي تساهم في تشكيل الإسلام العامِّ؛ تشمل أيضاً طقوساً جماعيَّة من قبيل الحجِّ إلى مكَّة والاحتفالات الشَّعبيَّة وتخليد المواسم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة. كما أنَّها تتضمَّن تقاليد انضباطيَّة وفرجويَّة لا يختلف تنوُّعها عن تنوُّعِ الطُّقوس الصُّوفيَّة وزيارات الأماكن المقدَّسة المحلِّيَّة، والاقتصاد غير المُهَيكَل، وعادات التَّمدرس الرُّوتينيَّة، واستخدام الصَّحافة وتقنيات الاتِّصالات الحديثة. فالموقع الإلكترونيُّ النَّشيط والرُّباعيُّ اللُّغة لنادية ياسين (www.nadiayassine.net) والموقع العربيُّ لوالدها عبد السَّلام ياسين (www.yassine.net) في المغرب يوضحان بما لا يدع مجالاً للشَّكِّ كيف يمكن للطُّرق الدِّينيَّة الَّتي يفترض أن تكون «تقليديَّة» أن تتحوَّل بسرعة فائقة إلى حركات تحشو عقول جماهير عريضة بمسألة الدَّور الصَّحيح الَّذي يتحتَّم على الدِّين أن يلعبَه في المجتمع. وتمثِّل حركة فتح الله غولن، المتمركِزة في تركيا مع تزايد إشعاعها عبر الوطنيِّ، مؤشِّراً آخَر على هذا التَّوجُّه البارز. فحركة غولن تنشط دونَ أن تُشكِّل تهديداً واضحاً «للعلمانيَّة laicism»؛ أحد المبادئ المؤسِّسة للدَّولة التُّركيَّة الحديثة (turam 2006).

ليست فكرة المصلحة العامَّة إرثاً ثابتاً للتَّقاليد الدِّينيَّة أو المعياريَّة، حتَّى ولو زعم بعض النَّاطقين الرَّسميِّين المسلمين خلافَ ذلك. بل يتمُّ تعريفها انطلاقاً من مفاهيم أخلاقيَّة وقِيَم اجتماعيَّة يُتنازَع حولها، وتتمُّ إعادة تعريفها من خلال التَّفاعل والممارسة والتَّوارث عبر الأجيال. لقد وفَّرَت الطَّائفيَّة في أوربا المسيحيَّة الإطارَ الجنينيَّ والشَّكلَ الجماعيَّ المناسبَينِ لتطوُّر مثل هذه الأفكار والممارسات، وبالتَّالي؛ فإنَّه من الممكن فهم التَّقاليد الصُّوفيَّة والممارسات الدِّينيَّة الأُخرى لدى المسلمين كإسهامات مماثلة في رسم إطارٍ جنينيٍّ تشاركيٍّ، ولكن أيضاً باعتبارها الحدود السُّلطويَّة المتأصِّلة في علاقة الشَّيخ بالمُريد، لمثل هذه المشاركة ولفكرة المجال العامِّ ذاتها (pinto 2004). وكما هو الحال بالنِّسبة للطَّوائف المسيحيَّة؛ فإنَّ أصناف الصُّوفيَّة الأكثر أصوليَّةً وأشكال أخرى من مظاهر التَّقوى قد ساهمت في تشكيل ذوات استدلاليَّة، وإعادة صياغة العلاقة بين السُّلطة الشَّرعيَّة والسَّعي المستقلِّ للبحث عن الحقيقة. وعلى الرَّغم من أنَّ إمانويل كانط لم يولد بالعراق؛ إلَّا أنَّ طرق الاستدلال العامِّ تملك تاريخاً طويلاً وتقاليد راسخة في الفقه الإسلاميِّ، بشقَّيه السُّنِّيِّ والشِّيعيِّ، والَّذي ازدهر في العراق وألهم عمليَّة الإصلاح الإسلاميِّ الحديثة.

لقد لعبت أغلب الحركات الطَّائفيَّة في أوربا دوراً رئيساً في تطوير فكرة الذَّات النَّسقيَّة، وهي ذات تستمدُّ قوَّتها من الضَّمير الأخلاقيِّ الَّذي يمكن أن يواجه السُّلطة الثَّابتة لكلٍّ من الدَّولة والدِّين. ففي هذا المسار الأوربيِّ؛ يمكن للمجال العامِّ أن يتطوَّر فقط عندما يتمُّ الاعتراف بحرِّيَّة الضَّمير الفرديِّ وتقبُّلها. ومع ذلك؛ يمكن إقامة حجَّة عامَّة على قدرة الأفكار والممارسات الدِّينيَّة على رعاية المجال العامِّ الصَّاعد، وهذا ما حدث في البلاد ذات الأغلبيَّة المسلمة.

من الصَّعب فصلُ الأفكار المتعلِّقة بما هو عامٌّ عن سياقها التَّاريخيِّ وعن روابطها المتينة مع التَّصوُّرات الثَّقافيَّة المشتركة للذَّات والمجتمع. فهذه الأفكار تتموضَع في تقاطعات استراتيجيَّة بين الممارسة والخطاب. فالإسلام العامُّ مفهومٌ يمكن أن يشمل الممارسات والتَّفاعلات اللَّانخبويَّة وسابقاتها ما قبل الحديثة. كما أنَّ تطوُّرات المفهوم تتضمَّن تحدِّيات السُّلطة فيما يرتبط بتأويل النُّصوص المقدَّسة، وتغيير الكيفيَّة الَّتي تتمُّ بها صياغة القضايا. فالتَّصوُّر المشترك للمجال العامِّ المدمج داخل هذه التَّفاعلات الاجتماعيَّة؛ يتفاوت من مكان لآخَر ومن زمان لآخَر، بما أنَّ قضايا المسؤوليَّة الفرديَّة والرَّفاه والعدالة والتَّقوى، هي أمور مُتنازَع عليها وفي حالة تحوُّلٍ مُستمرٍّ.

حدود الفضاءات العلمانيَّة:

كيف يمكن لهذه التَّطوُّرات أن تنسجم مع الآراء حول المجال العامِّ المرتكزة على وجود عتبة علمانيَّة، وبكلِّ تأكيد محايدة دينيَّاً تؤطِّر النِّقاش العامَّ؟ فبعض الأفكار حول «ما هو علمانيٌّ» تُجرِّد أطراف السِّجالات العامَّة من هويَّاتهم الدِّينيَّة والثَّقافيَّة، أو على الأقلِّ تعمل على تهميش تلك الهويَّات. ولكن مِن شأن خلق ثقافة عامَّة تسعى إلى تنمية الحوار والنِّقاش؛ أن تتضمَّن أيضاً مشاورات حول القضايا ذات الاهتمام المشترَك من خلال استحضار أعراف الخطابات الدِّينيَّة والأخلاقيَّة والتَّشريعيَّة. ومن شأنها -بالإضافة إلى ذلك- تشجيع تصاعدٍ تدريجيٍّ لأنماط تجريديَّة من العضويَّة والمواطنة؛ تستند على الالتزامات والحقوق المتناغمة أكثر فأكثر مع اللُّغة القانونيَّة والرُّؤية التَّعاقديَّة للمجتمع.

على الرَّغم من الاعتراف المتزايد بأنَّ الدِّين يلعب دوراً مهمَّاً في الحياة العامَّة، ويستطيع أن يساهم في تعزيز المصلحة العامَّة؛ إلَّا أنَّه من الضَّروريِّ مواجهة الفرضيَّة السَّائدة الَّتي ترى أنَّ العلمانيَّة والعقلانيَّة العمليَّة المؤسَّسَة على العلمانيَّة؛ هما الأساسان المعياريَّان الحصريَّان للحياة العامَّة «الحديثة» (eickelman 2000; salvatore 1997, 2001; salvatore and le vine 2005). فالفكر والممارسة الإسلاميَّان فى العالَم الإسلاميِّ يمكن أن يُشكِّلا مصدرَ إلهام للاتِّجاهات العقلانيَّة العمليَّة؛ تماماً كما تلهم المقاربات العلمانيَّة الفعل الاجتماعيَّ. فبعض هذه الممارسات، بما فيها الطُّرق الصُّوفيَّة، تتفاعل معَ، وأحياناً تصطدم بأنماط مختلفة من العلمانيَّة المتضمَّنة في إيديولوجيَّات وممارسات أغلب الدُّول ذات مُجتمعات تقطنها أغلبيَّة مُسلمة، أو مُجتمعات تقيم بداخلها أقلِّيَّات مُسلمة.

خلال الفترة الممتدَّة ما بين القرن التَّاسع عشر إلى عصرنا الحاليِّ؛ يُمكن رصد معايير السِّجال والخطاب باعتبارهما نتاجاً لتلك التَّفاعلات والاصطدامات، ونتاجاً أيضاً لأصناف مُتعدِّدة من الأنماط الإسلاميَّة للسُّلوك المدنيِّ والعموميِّ، الصَّريحة منها والضِّمنيَّة. وهذا بدوره يتطلَّب مجهوداً لاستنطاق التَّاريخ الاجتماعيِّ، أو الجينيالوجيَّة، لإبراز معنى وبنية التَّواصل العامِّ والمشاركة في المجتمعات الَّتي تؤطِّرها التَّقاليد الثَّقافيَّة الدِّينيَّة والسِّياسيَّة الإسلاميَّة.

وتختلف الفترة الحاليَّة عن سابقاتها في السُّرعة والكثافة والأعداد الغفيرة للأشخاص المنخرطين في توسيع حدود التَّقاليد، لكنَّ الجماهير في العهود السَّابقة كانت بدورها منخرطة في هذا المشروع. إنَّ إعادة تشكيل الهويَّة الدِّينيَّة وأنماط التَّواصل والسُّلوكات العامَّة في الإمبراطوريَّة العثمانيَّة خلال القرن التَّاسع عشر تكتسي أهمِّيَّة كبيرة بهذا الصَّدد. لنأخذ بعين الاعتبار، وعلى سبيل المثال، إسطنبول: المدينة الَّتي كانت تقطنها ساكنة مُتعدِّدة دينيَّاً وإثنيَّاً ولغويَّاً، وأيضاً ساكنة لم يتجاوز فيها عدد المسلمين أعداد غيرهم خلال الجزء الأكبر من تاريخ العهد العثمانيِّ. ومن الفرضيَّات الأكثر شيوعاً؛ هو أنَّ الجماعات الدِّينيَّة المختلفة كانت تعيش بشكل مُنفصل في الإمبراطوريَّة العثمانيَّة، مع وجود حدٍّ أدنى من التَّفاعل المتبادَل والرَّوابط والولاءات الاجتماعيَّة المتطوِّرة؛ خصوصاً داخل محيطها الاجتماعيِّ. وهذه الفرضيَّة تصرف الأنظار عن تثمين الجانب الدِّيناميكيِّ والعلائقيِّ للعلاقات المجتمعيَّة بإسطنبول العثمانيَّة، ولا تروي الكثير عن شعور النَّاس بالهويَّة، وعن الولاءات الجماعيَّة. ففهم التَّحوُّل المستمرِّ للإمبراطورية العثمانيَّة من القرن التَّاسع عشر حتَّى الآن؛ يمكن أن يُيَسِّرَ استيعاباً أفضل لإمكانيَّات التَّحوُّل في البلاد ذاتِ الأغلبيَّة المسلمة المعاصرة (meeker 2002; kirli 2004; cinar 2005). إنَّ تعلُّمَ كيفيَّة التَّفكير والتَّصرُّف بشكل مدنيٍّ فى المجال العامِّ؛ عمليَّة طويلة الأمَد ومُميَّزة تاريخيَّاً، وتُقدِّم تركيا مثالاً حسناً لمزيج دقيق ومُعقَّد مِن العمليَّات والإمكانيَّات الدَّاخليَّة مع أُخرى «خارجيَّة». فإذا كانت المفاوضات الرَّسميَّة والمحفِّزات لدخول تركيا إلى الاتِّحاد الأوربيِّ تُوفِّر البنية الأفقيَّة؛ فإنَّ التَّوافقات والتَّعامل المرن لأتراك أوربا الَّذين يعودون لوطنهم بشكلٍ مُتكرِّر ويبقون على اتِّصال بوطنهم عبر وسائل الاتِّصال الجديدة (yavuz 2003: 180-184) توفِّر الحافزَ القاعديَّ والجماهيريَّ لإذابة التَّمييز المفترَض بين «الشَّرق» و«الغرب».

إنَّ التَّجربة الجماعيَّة التَّاريخيَّة للتَّعايش بين المسلمين وغيرهم في الإمبراطوريَّة العثمانيَّة يمكن تحليلها استناداً إلى مصالحهم المشتركة؛ باعتبارهم أفراداً في مجتمع نابض بالحياة. أمَّا في الهند؛ فيمكن وصف العلاقة بين الهندوس والمسلمين كعامل حاسِم في تطوُّر أفكار العلمانيَّة والتَّديُّن ارتباطاً بالمجال العامِّ. وفي مثل هذا المنظور التَّاريخيِّ الدِّياناتيِّ؛ فإنَّ أنماط الإسلام العامِّ في القرن العشرين تبدو كتبلورات عرضيَّة لعمليَّات تاريخيَّة أكثر تعقيداً. فعلى سبيل المثال: لطالما كانت المواجهات الإمبرياليَّة تكتسي أهمِّيَّة عظيمة للتَّطوُّر التَّاريخيِّ للنِّقاش العامِّ في المتروبول (metropole) والمستعمرات على حدٍّ سواء -وهو نفس السِّياق الَّذي أخرجَه الاحتلال الأمريكيُّ للعراق في 2003 إلى النُّور؛ رغم أنَّ معظم صانعي السِّياسة الأمريكيِّين المرتبطين بالعراق قد أقرُّوا بصعوبة فهم الاختلاف بين السُّنَّة والشِّيعة (stein 2006)، ناهيك عن خلفيَّات أُخرى تدخل في إطار البديهيِّ لدى معظم المتعلِّمين في الشَّرق الأوسط.

وعلى الرَّغم من هذا التَّنوُّع في الخبرات؛ فإنَّ معظم المسلمين يشتركون في مفاهيم موروثة حول أفكار المصلحة العامَّة. فتلك الأفكار المشتركة عن الماضي تؤطِّر الفهم المعاصر لِمَا هو عامٌّ في المجتمعات المُسلمة (eickelman and salvatore 2002). فعلى سبيل المثال، وعلى الرَّغم من أنَّ الباحثين المتديِّنين الإسلاميِّين «أي: العلماء» يزعمون أنَّ الله أوحى بأفكار المصلحة العامَّة للبشريَّة؛ إلَّا أنَّهم في الوقت نفسه يعتبرون أنفسهم -بصفتهم رجالا ذوي خبرة في علم التَّأويل الدِّينيِّ- القادرين بالدَّرجة الأولى على استنباط هذه الأفكار. وهؤلاء الباحثون الدِّينيُّون ينخرطون في سجالات قويَّة فيما بينهم حولَ: ماذا يترتَّب عن المصلحة العامَّة؟. ومع ذلك؛ فهم ليسوا الطَّرف الوحيد المشارك في هذا النِّقاش. فبالرَّغم من أنَّ سلطاتهم تظلُّ قويَّة في العالم الحديث؛ إلَّا أنَّها تواجه تحدِّيات متزايدة مِن قِبَل سلطات دينيَّة وسياسيَّة بديلة؛ غالباً ما تفتقد إلى تكوينٍ رسميٍّ في العلوم الدِّينيَّة التَّقليديَّة.

إنَّ تزايد توفُّر وسائل الإعلام الجديدة، بما في ذلك الفضائيَّات والإنترنت والاستخدام الحديث لوسائل الإعلام القديمة كالفيديو وأشرطة التَّسجيل الصَّوتيِّ (الكاسيت) والأقراص المضغوطة cds وdvds، قد ساهم في تَشظِّي البنيات التَّقليديَّة للسُّلطة الدِّينيَّة. كما أنَّه قد مهَّد لظهور أفكار خلَّاقة عن السُّلطة الدِّينيَّة وتمثيل الإسلام في المجال العامِّ بطرق غير مُتوقَّعَة (gonz?lez-quijano 2003; hefner 2003). فهناك العديد من التَّوليفات بين أشكال السُّلطة الدِّينيَّة القديمة منها والجديدة، المجزَّأة منها والسَّليمة من جهة، وأشكال التَّأثير في المجال العامِّ من جهة أُخرى؛ ما يجعل النِّقاشات حول طبيعة الإسلام «الصَّالح» والحقيقيِّ أكثرَ تنافسيَّةً حاليَّاً مِمَّا كان عليه الحال في الماضي.

تتمثَّل إحدى مفارقات المجال العامِّ الإسلاميِّ الحديث في كون المصلحة العامَّة ما زالت تُعرَّف بشكل متزايد من داخل معايير الإسلام على الرَّغم من هذا التَّضخُّم الخطاباتيِّ في العديد من الدُّول والمجتمعات ذات الأغلبيَّة المُسلمة. فبعض الدُّول، كتركيا الجمهوريَّة، تسعى جاهدةً إلى إضفاء الطَّابع المحلِّيِّ والحياديِّ على المؤسَّسات والأفكار الإسلاميَّة، ومع ذلك؛ فإنَّ السِّياسات التُّركيَّة الحاليَّة يمكن فهمُها من خلال توافقات متبادلة ومفاوضات ضمنيَّة، كما يدلُّ على ذلك تمكُّن حُرَّاس العلمانيَّة وأولئك المشاركين في المجال العامِّ والحياة المدنيَّة في تركيا من إيجاد صيغة للتَّكيُّف مع بعضهم البعض من خلال النِّقاش والممارسة العامَّيْنِ (white 2002).

كما تذكر فرىبا عادلخاه (2004) بالنِّسبة لإيران، فإنَّ الجزء الأكثر قوَّةً من الحركات النِّسائيَّة لا يتمثَّل في المنظَّمات الرَّسميَّة والمُعترَف بها، والَّتي تتمُّ مراقبتها وقمعها من طرف الدَّولة، بل يتمثَّل في الأنشطة النِّسائيَّة داخل قطاع الاقتصاد غيرِ الرَّسميِّ، وفي تشكيل الممارسات الدِّينيَّة. فكما حدث في الثَّورة الفرنسيَّة؛ تؤكِّد عادلخاه أنَّ مثل هذه الأنشطة «غير الرَّسميَّة» تستطيع على الأقلِّ أن تُشكِّل أدوات فاعلة لتغيير الأدوار المرتبطة بالجنس والأفكار عن الإسلام؛ شأنها شأن البيانات الإيديولوجيَّة المباشرة والمنظَّمات الرَّسميَّة. ففي جميع الأحوال؛ تشهد الأفكار الإسلاميَّة عن المصلحة العامَّة تحوُّلاً مُستمرَّاً على مستويَي المضمون والصِّياغة. وعلى الرَّغم من أنَّ هذا التَّحوُّل يتمُّ إنكاره بشكل صريح؛ إلَّا أنَّه ربَّما يتقاطع في حالات عديدة مع الفهم الغربيِّ لمعظم القضايا الرَّئيسة كالدِّيمقراطيَّة والتَّسامح مع التَّعدُّديَّة الدِّينيَّة (hefner 2000). ولقد ذهب صادق سليمان (1998)؛ الصَّحفيُّ السَّابق والنَّاشط في الدَّوائر الإسلاميَّة في شبه الجزيرة العربيَّة، بعيداً جدَّاً عندما قال: إنَّ الدِّيمقراطيَّة هي جزء لا يتجزَّأ من الوحي الإسلاميِّ، وإنَّ الولايات المتَّحدة، الَّتي تطلَّب منها الأمر قرنين من الزَّمان قبل أن ينعم كلُّ مواطنيها بحقِّ التَّصويت، هي أفضل مثال لكون إحلال الدِّيمقراطيَّة يستغرق وقتاً طويلاً وتجارب تاريخيَّة مشتركة. من غير المرجَّح أن تنحسر أهمِّيَّة دور الإسلام في تحديد أنماط فهمِ المصلحة العامَّة في السَّنوات المقبلة؛ إذ إنَّ أطروحات سليمان تُذكِّرنا أنَّ الفكر الإسلاميَّ بعيد عن كونه مُنغلقاً على المستوى التَّأويليِّ في وجه السِّياقات التَّاريخيَّة والسِّياسيَّة غير الإسلاميَّة.

يشارك المسلمون في بلورة فكرة المصلحة العامَّة بطرق مُتنوِّعة، كما أنَّهم يساهمون في تحديد معاني المصالح العامَّة الأوسع والأكثر شمولاً في المجتمعات الَّتي لا يُشكِّل المسلمون فيها أغلبيَّة، كأوربا مثلاً (khosrokhavar 1997: kepel 1997 [1994])، أو كسوريا وتركيا مثلاً؛ حيث يواجهون نُخَباً ضاربة الأطناب في العلمانيَّة، أو كإيران؛ حيث توجد نخب كهنوتيَّة تتزايد لا شعبيَّتها رغم قوَّتِها (adelkhah 2004). وفي الهند؛ يعيش المسلمون في دولة علمانيَّة تكتوي بلهيب التَّطرُّف الدِّينيِّ المستعِر(van der veer 1994).

لديل ايكلمان.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate