اصلاح ديني

“الإرهابي” من “مبحوث” إلى “باحث” (١).

تفسير ظاهرة التطرف والإرهاب وتحليلها، لن يتحقق من دون الوقوف طويلاً أمام الجوانب السلوكية والنفسية والفكرية المكونة لشخصية “الإرهابي”، ودراستها بتعمق للوصول إلى الحقائق الكامنة حول دوافع الارتباط بالمكون الفكري والتنظمي أو الانفكاك عنه أو التمرد عليه. 

يعتبر “الإرهابي”، أو “المبحوث”، النقطة الأهم في “العملية البحثية” لتشريح ظاهرة تمدد “الإرهاب” واستمراره، واستبيان حقيقة العوامل المساهمة والفاعلة في بناء منظومة “التطرف الأصولي”، وقدرته في إخضاع أتباعه ومريديه لسياسته واتساقهم مع توجهاته الفكرية والحركية، وإدارته ماكينة التجنيد والاستقطاب في الأوساط المجتمعية. 

انتقال “الإرهابي” (المبحوث)، من حيز التجربة الحركية، إلى نطاق “الوظيفة التشريحية” (الباحث)، أمر في غاية الخطورة، في ظل انتساب العديد من القيادات السابقة في الجماعات الأصولية إلى عملية “البحث العلمي”، حول تفسير ظاهرة “التطرف”، انطلاقاً من واقع التجربة الخاصة التي مروا بها بين جدران المكون التنظيمي. 

ارتباط الأشخاص بـ”الجماعات المتطرفة”، لا يمنحهم فرضية القدرة على توصيف الظاهرة “الإرهابية”، وتشريح جوانبها، إذ لا يمكن للمريض النفسي الذي ظل لسنوات طويلة في معارك التخبط والتصارع مع الاضطرابات النفسية والفكرية، أن يتحول إلى طبيب نفسي معالج للظواهر المراضية المسيطرة على انفعالاته. 

منذ عام 2005، والنخبة المصرية والعربية تشهد نمواً مبالغاً فيه حول ظاهرة تحول “المتطرفين” (المبحوثين)، إلى باحثين معنيين ومتخصصين في رصد إشكاليات تنامي تيارات الإسلام السياسي والجماعات التكفيرية المسلحة في العمق المجتمعي، ووصفهم تجاوزاً بألقاب خبراء الإرهاب والتطرف عبر وسائل الاتصال الحديثة المرئية والمسوعة. 

الخلط المتعمد بين “الباحث”، المتصل بالإطار المنهجي والعلمي في دراسة ظاهرة “التطرف”، وبين صاحب التجربة الحركية والفكرية، المراد تحليلها وتفسيرها على المستوى النفسي والفكري والعقائدي والاجتماعي (المبحوث)، يعد جريمة يحاسب عليها الإعلام المصري (تحديداً)، إخلالاً بضوابط العملية البحثية، في ظل عدم تجردهم التام تجاه قياس “ظاهرة الإرهاب”، والوقوق على أسبابها ونتائجها. 

غالبية العناصر المنشقة عن الجماعات المتطرفة، واقعة تحت تأثير الاضطرابات النفسية المعقدة والمركبة، في ظل خضوعها لتنظيمات سرية مغلقة لفترة طويلة، كما أن بعضهم ظل حبيس جدران السجون انفرادياً، لأكثر من 15 عاماً، بعد تورطهم في أعمال العنف المسلح التي شهدتها مرحلة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ما يدفع بأن نتائج مخرجاتهم البحثية موجهة، أو تحكمها دوافع خاصة أو نزعة انتقامية، أو بمعنى أدق ليست قائمة على أرضية بحثية متزنة أو متجردة.  

اختصرت البرامج المعنية بتأهيل القيادات التكفيرية والأصولية السابقة، دورها في “الجدلية الفكرية”، واسقطت من حساباتها “المعالجة النفسية”، التي تمثل العمود الأساسي في عملية التحول الطارئ على شخصية “الإرهابي”، ومراحل التنميط السلوكي المتغير، لا سيما تجاه المجتمع من التكفير والاستعلاء واستحلال الدماء. 

إلقاء الضوء على ظاهرة تحول “الإرهابي” أو “المنشق” إلى “باحث”، يضع أمامنا مجموعة من الملاحظات الهامة، إذ إن بضعهم استغل تلك الصفة التي خُلعت عليهم من  وسائل الإعلام  في “التربح”، و”المتاجرة” بتجربتهم الخاصة التي فتحت أمامهم الأبواب في جني الأموال وتسكينها في الحسابات البنكية، فضلاً عن محاولات غسل السمعة من الجرائم الدموية التي اشتراكوا فيها، والهروب من وصمة التطرف والإرهاب. 

مة ملاحظة أخرى لا يمكن تجاهلها تبلورت في فكرة الانتقام أو النيل من قيادات المكون التنظيمي المنتمين إليه سابقاً، بناء على مواقف شخصية حدثت بينهم في إطار العلاقة الفوقية المغلفة بضوابط الانصياع والخضوع، فالكتيبات التي وثقت جزءاً من تجاربهم، فضحت الكثير من خلافاتهم وصراعاتهم الشخصية، والتي وظفت ضمن الإطار البحثي، اتساقاً مع الحالة الثأرية والنفسية.

لعمرو فاروق.

النهار العربي- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate