اصلاح ديني

“أولياء الله” في تل أبيب(٢).

انتهاج سياسة بناء مقامات الأولياء و”الصِّدِّيقِين” اليهود، عقب حرب العام 1967، هدف إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع اليهودي، لتقوية الروابط وصهر الفوارق والخلافات الفكرية والثقافية، عبر العروض الفولكلورية والشعبية المتداخلة، في ظل بقاء كل مجموعة عرقية منعزلة عن الأخرى ومحتفظة بعاداتها وتقاليدها، وانفجار الثورة السفاردية الأولى عام 1949، وتبعتها تظاهرات “النمور السوداء” عام 1971، المنددة بالدولة الإشكنازية والتي أوشكت أن تصل إلى حرب أهلية.

ارتبط بناء الأضرحة اليهودية كذلك بالحركة السياسية الحزبية، التي استمدت دعمها وقوتها من الطبقات الشعبية الإسرائيلية، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من عائلات الأولياء و”الصِّدِّيقِين” اليهود كان لهم دور فاعل في الحياة السياسية الإسرائيلية، مثل عائلة “أبو حصيرة”، التي تولى أفرادها مناصب مهمة في الحكومة الإسرائيلية، وكان من أشهرهم أهارون أبي حصيرة، عضو الحزب الديني القومي، ووزير العمل في الحكومة الائتلافية التي شكلها مناحيم بيغن عام 1981.

مثلما كانت سياسة الاحتفالات بموالد ومقامات الأولياء و”الصِّدِّيقِين” اليهود، محاولة لإذابة جبال الجليد بين الطوائف المتناقضة ثقافياً، كانت كذلك الأداة الرابحة في بناء المستوطنات الجديدة في المناطق النائية في الأطراف الشمالية والجنوبية، من خلال تحزيمها بالأضرحة الرمزية، في إطار عملية “ميكانيكية” تستهدف خلق الشعور بالانتماء بين سكانها، وربطهم بالمجتمع اليهودي.

من أشهر مقامات الأولياء و”الصِّدِّيقِين” اليهود، التي أقيمت في إسرائيل بعد عام 1948، مقام الصديق “حاييم خوري”، تونسي الأصل، وهاجر إلى تل أبيب عام 1955، وتوفي ودفن في بئر سبع عام 1957، ومقام “ربي خوري”، ومقام “إسرائيل أبو حصيرة”، المعروف بـ”بابا سالي”، وانتقل إلى تل أبيب عام 1964، وتوفي عام 1984، ودفن بالقرب من مدينة بئر سبع، وكذلك الضريح الرمزي لـ “داود أبو حصيرة”، والضريح الرمزي لـ”مسعود أبو حصيرة” جزائري الأصل، والضريح الرمزي لـ”شمعون بن يوحاي”، والضريح الرمزي لـ”يعقوب أبو حصيرة” (مدفون في مصر)، و الضريح الرمزي لـ”سيدي يوسف”، وغيرهم.

في أيلول (سبتمبر) 2020، أيدت المحكمة الإدارية العليا في القاهرة حكماً نهائياً لا يجوز الطعن به بمنع الاحتفال بمولد الحاخام اليهودي “يعقوب أو حصيرة”، في محافظة البحيرة، وشطبه من قائمة الآثار الإسلامية والقبطية، وإخطار لجنة التراث العالمي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو” بذلك، فضلاً عن رفض نقل رفاته إلى إسرائيل، استناداً إلى أن القدس أرض محتلة.

لم تسلم مقامات “الأولياء المسملين” من الاحتلال والهيمنة الصهيونية، زعماً بانتمائها وتبعيتها للشريعة اليهودية، لا سيما الذين يرتبطون بأساطير العهد القديم، في محاولة لخلق “جغرافيا مقدسة”، تروج لأهداف استيطانية في مختلف المدن الفلسطينية.

انتشرت ظاهرة الاعتقاد في أضرحة الأولياء و”الصِّدِّيقِين” بين اليهود الشرقيين، خصوصاً اليهود المغاربة، لأسباب سياسية واجتماعية متعلقة بالدولة المغربية ذاتها، والذين نقلوا طقوسهم وتقاليدهم المتوارثة عن “الصِّدِّيقِين اليهود”، إلى عمق المجتمع الإسرائيلي، في ظل تشجيع الحركة الصهيونية، على نمو هذه العقيدة واستثمارها سياسياً في بناء المستوطنات الجديدة، وتقليل حدة الصراعات الطبقية.

تُعد دولة المغرب من أكثر الدول العربية احتضاناً لمقامات الأولياء و”الصِّدِّيقِين” اليهود، إذ يوجد فيها 656 ولياً، بينهم 126 ولياً يشترك اليهود والمسلمون في زيارتهم، وفقاً للباحث في التاريخ المغربي، الدكتور عمر لمغيبشي، استناداً إلى دراسة قام بها الباحث اليهودي إسخار بن عمي، حول أولياء اليهود “الصِّدِّيقِين” في المغرب، ويخضع الاحتفال بهم لمناسبات تسمى “الهيلولة”، وتعني الاحتفال بذكرى وفاة الأولياء و”الصِّدِّيقِين” اليهود.

من أبرز “الصِّدِّيقِين” اليهود المغاربة، “ديفيد بن باروخ”، في منطقة برحيل بتارودانت، جنوب المغرب، و”عمران بن ديوان”، بمنطقة أشجن بوزان شمال المغرب، و”إبراهيم أوريور”، و”إسحاق بن الوليد”، و”سيدي إبراهيم”، و”يحيا بن يحيا”.

احتفال اليهود المغاربة بأوليائهم وصِّدِّيقِيهم، واستمرار علاقتهم القوية باليهود المغاربة في إسرائيل، يرجع في الأساس إلى اعتبار دستور المملكة المغربية اليهود أحد مكونات المجتمع، في ظل صدور قانون عام 1976 يمنع إسقاط الجنسية عن اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى تل أبيب، وإمكانية عودتهم إلى المملكة المغربية وقتما شاؤوا.

لعمرو فاروق.

النهار-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate