اصلاح ديني

الضمير في مرآة بول ستروم(٢).

المذهب الكاثوليكي والبروتستانتي:

حسب ستروم: إنّ النتيجة الرئيسة لاستيلاء المسيحية على الضمير؛ هي اختيار جيروم لكلمة “كونشينتيا” اللاتينية، في ترجمته للعهد الجديد من الإغريقية إلى اللاتينية في أواخر القرن الرابع؛ ففي النسخة الإغريقية من العهد الجديد، تعتمد رسائل بولس على مصطلح syneidesis “سينيديسيس”: وهو مصطلح عام شامل يسبق “كونشينتيا” في الإيحاء؛ بمعنى المعرفة المشتركة، أو المعرفة بواسطة الذات “التي تعرف بذاتها”.

يقول ستروم: “وعن طريق ترجمة الاسم “سينيديسيس” إلى “كونشينتيا”، قدم جيروم هذا المصطلح الأخير، في خطوة واحدة، بوصفه نوعًا شديد الأهمية من معرفة الذات في الديانة المسيحية. وبالطبع؛ فإن المصطلحين ليسا مترادفين تمامًا، فباختياره مصطلح “كونشينتيا”، لم يستطع جيروم تجنب بعض مدلولاته التي تكونت سابقًا، فأولًا: كان تاريخ كلمة “كونشينتيا”، يربطها حتمًا بالتوقعات العامة، والمجال العام. وبينما تعد “سينيديسيس”: صفة داخلية متأصلة في الفرد، تعد “كونشينتيا”: مصطلحًا ذا وجه مزدوج، ينظر في اتجاهين: اتجاه داخليّ بلا ريب، لكن أيضًا، اتجاه خارجيّ إلى الرأي العام، والقيم المشتركة، كما هو الحال في الفهم الشيشروني والقانوني الكلاسيكي. وهكذا، فقد أصبحت شخصية الضمير الإنجيلي والمسيحي، شخصية مختلطة في بداية نشأتها؛ حيث مزجت بين مبادئ الوعي الأخلاقي الخاص والتوقعات العامة. وكان هذا المزج، أو ربما التشوش المحتمل، بين الجانبين الداخلي والخارجي، يعني أن؛ الضمير المسيحي، ربما سيظل يخدم سيِّدَين للأبد؛ صاحبه أو الخاضع له من ناحية، والآراء المذهبية أو اللاهوتية لراعيه الكنائسي من ناحية أخرى”.

ما يجب التأكيد عليه: أنّ لتصورات الضمير التي وردت في رسائل القديس بول، كما نقلتها ترجمة جيروم اللاتينية للغرب، مقاييسَ ثابتة، وأيضًا، أسبابًا للجدال عبر التاريخ المسيحي اللاحق، وتظهر أكثر هذه التصوّرات، تأثيرًا في رسالة القدّيس بولس إلى أهل رومية، في الإصحاح الثاني الآيات 14- 16، والتي يوضح فيها القديس بولس: أن اليهود تحكمهم قوانينهم، أما غير اليهود أو المسيحيين؛ فهم يحكمون أنفسهم بالنواميس النابعة من أنفسهم، ويظهر أثر الناموس محفورًا في قلوبهم؛ حيث إن ضمائرهم تشهد عليهم. وهكذا، يُعدّ الضمير لدى القديس بولس؛ جزءًا أساسيًّا من صاحبه، وهديّة مباشرة وشخصية من الله إلى المؤمن، وهو رأي سوف يزداد أهمية مع ظهور العديد من المذاهب البروتستانتية الحديثة الأولى. لكنّ الضمير برأيه يؤدي، أيضًا، دورًا قضائيًّا أعمّ؛ فهو يقضي بين الأفكار المختلفة، وأخيرًا؛ فهو يشهد أمام الله يوم القيامة.

ولتوضيح هذه النقطة أكثر؛ نتوقف عند القديس أوغسطين، الذي ظل متنقّلًا بين العقائد الإيمانية المختلفة، قبل أن يتحوّل إلى المسيحية؛ فقد كان متردّدًا في اختياره؛ لأنّ المسألة عنده مسألة ضمير. يقول في كتابه “الاعترافات”: لقد أتى اليوم الذي يجب أن أتجرّد فيه أمام نفسي، ويتمتم ضميري بداخلي، قائلًا: أين لساني؟ صحيح أنك قد ظللت تؤكد أنّك لن تطرح عبء الكِبَر، لأجل حقيقة غير مؤكّدة، ولكن انظر، فالأمور الآن مؤكدة، ومع ذلك، ما زلت مهمومًا بنفس العبء، بينما الآخرون الذين لم يرهقوا أنفسهم هكذا في البحث عن الحقيقة، ولم يقضوا عشرة أعوام وأكثر يفكّرون في الأمر، قد تخلّصوا بالفعل من أعبائهم، وهكذا، فقد أصبت بالضيق الداخلي، وشعرت بالحيرة العنيفة، والخزي الشديد”.

فحسب ستروم: إنّ شخصية الضمير لدى أوغسطين، كانت شخصية تتميز بنفاذ الصبر، وأيضًا، سرعة الغضب، لكن لم تكن هذه الشخصية محرّضة على الخطأ؛ فالضمير، إذن، يمثل صوت المعارضة المخلصة، ويتميز بالحرص على التحسين الذاتي، وهو ما حصل مع أوغسطين، فرغم التردّد، اعتنق المسيحية؛ لأن ضميره هداه إليها، ففي البداية كان الضمير يتأرجح بين دوريْن؛ مرّة صديق ومرّة عدو. لكن في العصور الوسطى، حسب ستروم، حدث نوع من الاستقرار من خلال اتحاد الكنيسة والضمير، يقول: “فلأوّل مرّة أصبح الضمير، بدلًا من التحول، حسب تقلبات الموقف والرأي العام، مزوّدًا بمحتوى راسخ في صورة اللاهوت المسيحي، واحتفظ الضمير، في العصور الوسطى، بقدرته على الحديث الداخلي ومخاطبة باطن المرء”. وقد عدّ الراهب البنيدكتي (بيتر) الضمير: مرسلًا من الله إلى الروح المسيحية المتقلّبة.

في المقابل، نجد المذهب البروتستانتي؛ حيث يصرّ لوثر على أنّ الضمائر لا يقيّدها سوى أمر من الله، وبالتالي، نهاية دور البابوات، وتدخّلهم في الحياة الإيمانية. يقول ستروم: “ولم تنتقص الادعاءات البروتستانتية، بشأن الضمير، بالطبع، من ولاء الكاثوليكيين لفهمهم الخاص لنفس المفهوم، ولكن الآراء التي يطلق عليها “كاثوليكية” و”بروتستانتية”، بدأت تتباعد؛ حيث ادَّعى كلٌّ من إراسموس الكاثوليكي، ولوثر البروتستانتي: أنّه هو ما فوضهما لتفسير الكتاب المقدّس، ومن ثم؛ فهو البوصلة التي يسترشدان بها في الحياة. إلا أن لوثر يرسخ الادِّعاء الإنجيلي المعتاد: بأن الضمير الشخصي؛ هو أساس تفسيره للإنجيل. بينما يزعم إراسموس، على نحو لا يخلو من المعقولية: أنّ ممارساته التفسيرية، تعتمد على الضمير، وعلى القدرة على التمييز على حدٍّ سواء”. وهنا، ملاحظة لا بد منها؛ فالضمير الشخصي يجب أن يكون، وفق القانون، لا يتحدى النقط الحمراء، ليس فقط فيما يخصّ قضية الإيمان؛ بل وكل ما يخالف الأخلاق.

لمحمد أدعيكل.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود – موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate