اصلاح ديني

الدين و التدين (٢).

نظريات البحث في الدين
اهتم الاتجاه العلمي السائد لدى الغرب في عصر النهضة الحديث بالبحث في أصل الأشياء، فبعد أن كان ذلك محصوراً في الجوانب التجريبية اتسع ليشتمل على العلوم الإنسانية، حيث انتقل من السؤال عن أصل الإنسان البيولوجي وتطوره إلى السؤال عن أصل دينه وتطور معتقداته، وقد زاد من العناية بهذا السؤال الأخير نشأة علم الاجتماع وتَشكُّل مناهجه وتحديد قضاياه وموضوعاته.

في هذا السياق ظهرت نظريات عديدة تبحث في أخص قضايا الاجتماع الإنساني -وقد تكون أعقدها- التي هي الدين، وتحاول تفسيرها وبيان دورها وعلاقاتها داخل المجموعة الإنسانية. وفيما يأتي عرض لأهم هذه المحاولات أو النظريات التي تحاول تفسير الظاهرة الدينية:

أوغست كونت

النظرية الوضعية لصاحبها أوغست كونت: ترى أن الدين ناتج الذكاء الإنساني في طفولته، الذي يتخذه وسيلة ليفسر بها مظاهر الطبيعة الحيوية التي يراها من حوله، غير أن هذا الذكاء ينضج فينتقل من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الميتافيزيقية (الغيبية) الفلسفية، وصولاً إلى المرحلة الوضعية، وهنا يفقد الدين مسوغات وجوده وتسود النظرية الوضعية (العلمانية) للعالم، وأي عودة للدين هي ارتكاس بهذا الذكاء إلى طفولته.

وتقرر النظرية أن هذا الذكاء الإنساني في مرحلته الأولى يستعين بالتجريد والخيال ليفسر بهما العالم وما فيه، لكن ذلك يزول على نحو تدريجي في طريق المسير نحو الوضعية المطلقة التي لن تقبل بغير الواقع في تفسير العالم، وستنحي أي فرض ميتافزيقي أو ديني في هذا السبيل، لذلك فإنها لن تبحث في علة وجود العالم ولا الغاية منه، لأنهما سؤالان من بقايا المرحلتين السابقتين، ولا يمكن إخضاعهما لأدوات المنهج الوضعي.

ويلاحظ أن النظرية توجه الأمور عكس اتجاهها الطبيعي، فالطفل مثلاً يتصل اتصالاً وثيقاً بالأشياء المادية التي حوله، ولا يمكن له أن يدرك أو يتصور إلا ما تقع عليه حواسه، وعالمه محدود بحدود مطعمه ومشربه ونحوهما، فإذا تقدم في النمو اتسعت دائرة احتياجاته واتسع معها عالمه وتطلعاته، فإذا وصل إلى غاية نضجه، انبعثت لديه الأسئلة التي تتصل بمصدر العالم ومصيره والغاية من وجوده، وهي أسئلة تتصل بأرقى ملكات الإنسان، وهي الخيال والقدرة على التجريد، وهي أسئلة الروح الكبرى، ولذا فإن الترتيب الذي اقترحه كونت معكوس، والأدق أن يكون على هذا النحو: المرحلة الحسية ثم مرحلة العقل القانع ثم مرحلة العقل المتسامي، وذلك قياساً على أطوار نمو ذكاء الطفل. ومن الانتقادات المهمة لهذه النظرية أنها لا تدرس نشأة الدين بل تبحث في موقعه من نمو الذكاء الإنساني الذي تفترضه.

السبيل- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate