حداثة و ديمقراطية

التَّنوُّع البشريُّ المذهِل (٤).

البَشَرة الفاتحة أو الدَّاكنة: تكيُّف مع الشَّمس

ترتبط لوينات البشرة المختلفة بتعبير عشرات الجينات الَّتي سوف ندرس تأثيرَها بشكل مُفصَّل في مجموعة الألوان لاحقاً. يتكيَّف لون البشرة مع شدَّة التَّعرُّض للأشعَّة فوق البنفسجيَّة. ويُنتِج الجلدُ تحت تأثير الشَّمس كمِّيَّة متزايدة من الصِّباغ الأسود؛ أي: الميلانين، والغرض منه حماية الخلايا من التَّأثير الضَّارِّ للأشعَّة فوق البنفسجيَّة. وتزيد المتغيِّرات الجينيَّة المشاركة أو تُقلِّل من إنتاج الميلانين؛ الأمر الَّذي يؤدِّي إلى بشرة داكنة بشكلٍ طبيعيٍّ في المناطق الاستوائيَّة، وإلى بشرة فاتحة في مناطق خطوط العرض العالية؛ الأمر الَّذي يُسهِّل اختراق الأشعَّة فوق البنفسجيَّة واصطناع الجلد لفيتامين د. وإذا كان منشأ هذه المتغيِّرات قديماً جدَّاً؛ فإنَّ تنوُّعَه تسارَعَ بقوَّة في العصر الحجريِّ الحديث، قبل حوالي 7 آلاف سنة.

مقاومة البرد

إنَّ تكيُّف الإنسان العاقل المُعرَّض لدرجات حرارة جليديَّة؛ هو الَّذي انتقى مُتغيِّرات لدى سُكَّان سيبيريا. ووفقاً لسارة تيشكوف sarah tishkoff، عالمة الوراثة في جامعة فيلادلفيا؛ تتعلَّق هذه المتغيِّرات الَّتي تمَّ انتقاؤها على إثر هجرات بشريَّة في شمال أوروبا وآسيا بالجينات cpt1a وlrp5 وthada وprkg1. ولا يعني اسمها شيئاً لغير المتخصِّصين، ولكنْ يمكننا أن نشرحَ، بالنِّسبة إلى كلٍّ منها، تأثيره في التَّكيُّف مع درجات الحرارة المنخفضة. فالجين cpt1a مُفيد للكبد لإنتاج الطَّاقَّة، إذ تمّ لدى السُّكَّان المُعرَّضين للبرد القطبيِّ والمُتكيِّفين مع نظامٍ غذائيٍّ مناسب غنيٍّ بالدُّهون وفقير بالسُّكَّريَّات، انتقاء متغيِّرات لهذا الجين الَّذي يُحفِّز إنتاج الطَّاقة انطلاقاً من الدُّهون، ويُقلِّل من مخاطر نقص سُكَّر الدَّم. ويشارك الجين lrp5 والجين adhd في زيادة الوزن وإنتاج الكَبِد للسُّكَّر، ويُحسِّنان بالتَّالي إنتاج طاقة الجسم. وأخيراً؛ يشارك الجين prkg1 في تكيُّف القلب مع توزيع حرارة الجسم أثناء درجات الحرارة الجليديَّة؛ إذ إنَّه يحدُّ مِن مخاطر تجمُّد القدمين واليدين بفضل تمدُّد الأوعية الدَّمويَّة بشكل أفضل.

ثمَّةَ تكيُّف آخَر مُرتبط بالانتقاء الجينيِّ: زيادة قدرة اللُّعاب البشريِّ على هضم النَّشاء بواسطة إنزيم الأميلاز[3]amylse، الَّذي يُحوِّل جزيئات النَّشاء إلى الجلوكوز؛ أي: الوقود الَّذي تحرقه خلايانا بسرعة. وتعتمد كمِّيَّة الأميلاز الَّتي تفرزها الغدد اللُّعابيَّة على نشاط الجين amy1. فمن أجل التَّكيُّف مع الاستهلاك المتزايد للنَّشاء، بعد أن أضاف الإنسان العاقل الحبوبَ لنظامه الغذائيِّ، حدث اختلاف جينيٌّ يقوم على زيادة عدد نسخ الجين amy1 خلال التَّطوُّر. فالشمبانزي لديه نسختان من الجين، والإنسان المعاصر لديه حوالي 6 نسخ. هذا العدد المُرتفِع من النُّسخ ربَّما تمَّ انتقاؤه بفعل ظهور الزِّراعة، منذ حوالي 7 آلاف سنة. ما ميزة مثل هذا الانتقاء الجينيِّ؟ استفادت بدايات استهلاك النَّشاء المطبوخ، الَّذي يتمُّ هضمه معويَّاً بشكل رئيس، من زيادة كمِّيَّة الأميلاز اللُّعابيَّة الَّتي تُنشِّط إفراز الجلوكوز في الفم والمعدة. وقد سهَّلَ ذلك الإنتاج الهضميَّ بعد الوجبات مباشرة، فزاد إنتاج الطَّاقة. وفضلاً عن ذلك؛ قلَّلَت هذه الميزة من الخطر المرتبِط بنقص التَّغذية السَّريع خلال العدوى الطُّفيليَّة المعويَّة المصحوبة بالإسهال.

هضمُ الحليب بشكل أفضل

إنَّه مثال رائع على الانتقاء الجينيِّ المرتبِط بتطوُّر ثقافة الإنسان – نتكلَّم على “التَّطوُّر المشترك” جين-ثقافة. في الواقع؛ لقد ساعد تطوُّر تدجين الماشية في العصر الحجريِّ الحديث قبل 10 آلاف سنة على انتقاء مُتغيِّر للجين lct، لدى التَّجمُّعات السُّكَّانيَّة الَّتي كانت تمارس تربية الماشية وتستهلك حليب الحيوانات المُجترَّة (الأبقار، والماعز، والأغنام، والإبل). ويتحكَّم الجين lct في إنتاج اللَّاكتاز، وهو إنزيم معويٌّ مفيد لهضم اللَّاكتوز في الحليب. ويكون هذا الجين عادةً نشطاً في البشر حتَّى الفطام، ثمَّ يتوقَّف عن العمل. وقد ظهر لدى الجماعات البشريَّة الَّتي تمارس تربية الحيوانات في مناطق مختلفة (أفريقيا، والشَّرق الأدنى، وأوروبا، وآسيا)، مُتغيِّر للجين lct جعلَه نَشِطاً دائماً لدى البالغ. فانتقاء هذا المتغيِّر كان ميزةً حقيقيَّة تُتيح لمجموعات الرَّعي التَّحرُّك مع قطيعهم بالاستفادة من مصدر للغذاء متاح دائماً، يتكوَّن من الحليب، الغنيِّ بالماء والبروتينات والدُّهون. وهكذا؛ ظهرت 5 مُتغيِّرات مختلفة تمنح هذا الثَّبات ما بين 6 آلاف و10 آلاف سنة قبل عصرنا في مناطق مختلفة من العالم، لدى السُّكَّان المناصِرين للاقتصاد الرَّعويِّ.

تُمثِّل الأمراض المُعدِية أو الطُّفيليَّة مُنشِّطاً قويَّاً للانتقاء الجينيِّ. فالاختلافات الجينيَّة عند بعض أفراد المجتمع الَّذين يعيشون في البيئة نفسها؛ تُتيح ظهور مقاومة للأمراض الَّتي تُهلِك بشكل منتظَم نسبةً منهم. ويشهد على ذلك مثال مقاومة الملاريا، وهو مرضٌ طفيليٌّ شائع في أفريقيا وآسيا، الأمر الَّذي يزيد بشكل كبير من معدَّل وفيَّات الرُّضَّع قبل سنِّ الخامسة. وقد تطوَّرت الملاريا خلال النُّموِّ الدِّيموغرافيِّ للسُّكَّان، المُنظَّمين في مجموعات صغيرة والمشاركين في تربية المواشي وزراعة الحبوب في العصر الحجريِّ الحديث. وربَّما ظهرت في الوقت نفسه تقريباً طفرة للجين bbb، الَّذي يُنتِج الهيموغلوبِّين غير الطَّبيعيِّ المُسمَّى hbs. وهذا الأخير مسؤول عن الكُريَّة المِنجليَّة، وهو مرض تتراكم فيه خلايا الدَّم الحمراء المُشوَّهة مُسبِّبةً ألماً شديداً. ينطلق المرض في حالة تماثل الزِّيجوت؛ أي: في حالة وجود جينيَن مُتغيِّرَين متماثلين في كلِّ خليَّة ينتقلان عن طريق كلٍّ من الوالدين. وفي المقابل، في حالة اختلاف الزِّيجوت (أي: في حالة وجود جين مُتغيِّر واحد فقط وجين آخَر طبيعيٍّ)، لا تُعاني حاملات الطَّفرة hbs من فقر الدَّم المنجليِّ، لكنَّها أكثرُ مقاومةً لخطر الوفاة من العدوى بالملاريا بعشرة مرَّات. وهكذا؛ تمَّ انتقاء هذه الطَّفرة، وانتشرت بكثرة بين سكَّان المناطق الاستوائيَّة، حيث تنتشر الملاريا.

لبيرنار سابلونيير ترجمة لمحمد أحمدطجو.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate