حداثة و ديمقراطية

فاعلية الأفكار في الحضارات(١).


لمصطلح “الحضارة” بريق لا تخفي العقول انبهارها به، فغالبية “العلوم الإنسانية” تسعى لامتلاك حقيقة هذا المفهوم ويمضي علماؤها دهورًا في البحث عن الفاعلية التي تنشئ الحضارات.

وهذا ما نجده عند ابن خلدون في المقدمة التي خصصها لبحث “العمران وبداياته وأسباب انهياره”، والفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر (ت 1936م) في كتابه “انحلال الغرب” الذي بحث مفهوم الحضارة والمدنية وتعمق في دراسة مظاهر المدنية الغربية ومآلاتها، والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (ت 1975م) في “الحضارة في الميزان” و”الحضارة على المحك”، والمفكر الأمريكي صمويل هنتجتون (ت 2008م) في كتابه “صدام الحضارات”، والمفكر الفرنسي روجيه غارودي (ت 2012م) في كتابه “حوار الحضارات”، وعشرات الأمثلة الأخرى التي شغلت مساحة واسعة من علم الاجتماع والآداب والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا.

وقد تكون الحالة الحضرية المقابل لحالة الترحال لدى قبائل البدو وتتطور لتصبح الإنتاج الفكري والأنظمة الأخلاقية والاقتصادية والآثار العمرانية التي تنتمي إلى حقبة أو جماعة أو دولة ما فتشمل بذلك الدين واللغة والعلم وكل ما يمت لهذه المفردات بصلة.

لن يخوض المقال في متاهات تحديد المصطلح وأثره في الدراسات النظرية المتعلقة بحقوله العلمية، ولعل التطور التاريخي الذي ارتبط بالمفهوم مع الخلفيات الفكرية المتنوعة لدارسيه (كاللغة أو التأريخ أو الجغرافيا) جعلت ضبطه بتعريف مقتضب أمرًا أقرب إلى العسر من اليسر، إضافة إلى وجوب التنويه إلى أن هذه التعريفات إما أنها ولدت داخل الإطار الغربي أو أنها وضعت للوعي الديني التوحيدي.

الفكرة والحضارة
يسعى المقال لاختصار أهم ما بُحِث عن أثر الأفكار في نشوء الحضارات وتطوُّرها، ولا يخفى أن الخوض في ذلك يستدعي البحث في مسألة السبق، فهل الحضارة أسبق أم الأفكار؟

إن القطع بأي من القولين يعني الوقوع في معضلة السبب والمسبِّب كما في مثال الدجاجة والبيضة، ولذا فإن المسألة معقدة جداً، ولعل مما يسهم في فهمها البحث المدقِّق في التطور الفكري وأثره في الحضارة وأثر تطور الأدوات في حياة الناس وبالتالي أثر تغير حياة الناس في الفكر ومن ثم عودة الدورة لتحقق نفسها مرة أخرى بسبل أخرى، وبذلك تتغير أحوال الحضارات باستمرار.

وعلى أيٍّ؛ فإن كل حضارة محكومة بقانون كلي ينبغي البحث عنه وتحليل عناصره وفهمها، وهو ما سعى لرصده وتحليله المفكر الجزائري مالك بن نبي (ت1973م) “حيث يؤكد مالك رحمه الله أن التصدي لبناء أي حضارة ينبغي في التوجه إلى البحث في سنن الأمر وشروطه، سواء في قيامها أو انهيارها”[ .

انطلق ابن نبي في دراسته لنشوء الحضارة من عدة جوانب كجانب بنية الحضارة وعناصر تركيبها، أو جانبها الوظيفي الذي يتعمق في فهم الغاية التي تؤديها الحضارة –بنُظُمها- في المجتمعات التي تنتشر أفكارها فيها، ليتوصل في النهاية إلى تحليل طرق نشوء الحضارة وتطورها وغايتها الرسالية التي تحققها.

ويجمل ابن نبي مفهوم “الحضارة” من حيث النشوء والدوام والانحطاط في المعادلة الآتية: “الحضارة = إنسان + تراب + زمن” وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مكونات الحضارة تعود إلى ثلاثة عناصر أولية: الإنسان، التراب، الوقت، وهو ما يصطلح عليه أحياناً بثلاثية الأشياء والأشخاص والأفكار.

ولكي تقوم الحضارة فإن الواجب يتمثل في حل مشكلات هذه العناصر الثلاثة من أساسها من خلال التفاعل بين الإنسان صاحب الجهد المنجز، وعنصر التراب (أي مصدر الإنجاز) المادي، وعنصر الزمن الذي هو الشرط الأساسي لأي عملية يقوم بها الإنسان. يوضح ابن نبي أن القانون الكلي للحضارة مقتصر على مدى العلاقة بين الأشياء (أي كل ما ينتجه هذا المجتمع من آثار مادية وزراعة وصناعة وغير ذلك) والأشخاص (العلاقات والنظم وقواعد التواصل التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون المجتمع) والأفكار (المعتقدات والمبادئ والتصورات التي تحتويها عقول المجتمع في لحظة ما) مع بعضها بعضًا وتأثيرها في بعضها أيضًا، حيث تتعايش هذه العوالم جنبًا إلى جنب، وحين يتفوق أحدها على الآخر فإن صبغة المحور الغالب تطبع المجتمع بصبغتها وهو ما سيرد باختصار في مراحل الحضارة.

فالتأثير الحضاري -إذن- مرتبطٌ بتوجيه الأفكار للمجتمع، ولذا لا بد من فكرة تطبع الحضارة فتميزها في التاريخ، وليظهر ابن نبي تأثير الفكرة في الحضارة فإنه يفصل الحديث في الفكرة المركبة -ويمثل لها بالفكرة الدينية- التي تعدُّ أساس القيم الاجتماعية، والمُعبِّر عن روح المبادئ التي تسري في أفراد المجتمع، وتحتاج العناصر الثلاثة للشرارة الفكرية المركبة التي تسير بمركبها قدماً فتحقق علاقات التبادل والتكامل بين العناصر وتطور الحضارة، هذه العلائق هي ما يسميه ابن نبي بـ”شبكة العلاقات الاجتماعية” التي تتحقق بوجود الجهد الإنساني في صورة إنجاز حضاري في التاريخ، والحضارة من هذه النظرة الفاحصة تقوم على عناصر الإنسان والتراب والزمن، في وجود شبكة من العلاقة الاجتماعية التي تشكل الميلاد الحقيقي للمجتمع في التاريخ وبداية إنجازه التاريخي على ضوء الفكرة الدينية.

لعرابي عبد الحي عرابي.

السيبل- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate