حداثة و ديمقراطية

التَّنوُّع البشريُّ المذهِل(٢).

لفُّ اللِّسان: وراثيٌّ أم لا؟

يقوم هذا التَّمرين الَّذي يكون في بعض الأحيان موضوع خصومات شرسة بين تلاميذ المدارس على تبديل شكل اللِّسان إلى شكل حرف u بالمحافظة على الشَّفتين مُستديرَتين. ويفعل ذلك 65% تقريباً من البشر بشكل طبيعيٍّ. ففي عام 1940؛ زعم عالِمُ الوراثة الأمريكيُّ ألفريد ستورتفانت alfred sturtevant أنَّ الأمر يتعلَّق باستعدادٍ وراثيٍّ، ينتقل بطريقة مهيمنة من الآباء لأطفالهم. فلماذا لا نبحث عن الجين المسؤول؟ وفي عام 1975 أظهر نيكولاس مارتن nicolas martin، عالِمُ الوراثة في جامعة أديليد adélaïde؛ أنَّ 53% من التَّوائم الحقيقيَّة والكاذبة وُهِبُوا القدرة على لفِّ اللِّسان، وهي نتيجة ليست في صالح تأثير الجين المسؤول. في الواقع؛ يُمكن اكتساب هذه المهارة بعد تعلُّم متكيِّف يُقدِّمه أحد الوالدين لأطفاله. وهي تعتمد على مرونة عضلات اللِّسان، ويمكن للجميع تدريبها بالصَّبر والتَّحفيز. وهذا صحيح، فليس كلُّ شيء مُسجَّل بالضَّرورة في جيناتنا.

الإنسان والشَّمبانزي: أبناء العمومة الوراثيَّة

يُمكن مقارنة جينوم الإنسان المعاصِر بجينوم الشَّمبانزي؛ أحدِ أبناء العمِّ القريبين من حيث التَّطوُّر. ومع ذلك، ليس لدينا حمضٌ نوويٌّ ريبيٌّ منقوص الأكسجين له جودة كافية لمقارنة كامل الحمض النَّوويِّ للإنسان العاقل مع الأنواع الأُخرى من أسلاف البشر الَّتي تعاقبت قبله. فعندما نُقارن الرَّسائل الجينيَّة لدى البشر والشَّمبانزي؛ نلاحظ حوالي 1% من الاختلافات، وهي نسبة تبدو ضئيلة، ولكنَّها يمكن أن تُفسِّرَ الكثير من التَّباعد بين هذين النَّوعين. فمن إجمالي حوالي 20 ألف جين؛ خضعَ ألفُ جين لانتقاءٍ إيجابيٍّ لدى الإنسان العاقل، اتَّضح أنَّ أقلَّ من مائة منها على الأرجح خضعَت لتعديل كافٍ لتُميِّزَنا عن الشَّمبانزي. ويتعلَّق العديد من هذه الجينات الَّتي تُميِّز مجموعة الاختلافات بنموِّ الدِّماغ وعمله، والقدرة على اللُّغة المُتقَنة والتَّواصل. وقد تطوَّرت بعض الجينات، وكشفت عن اختلافات مُتعلِّقة بتأثير البيئة: تفتيح البشرة أو تناقص الشَّعر، على سبيل المثال. وخضعت جينات أُخرى لاختلافات مفيدة، مثل الجين foxp2، أحد الفاعلين الأساسيِّين في تطوير اللُّغة. كما خضعت جينات أُخرى لانتقاءٍ سلبيٍّ مثل الجين myh16؛ الَّذي قلَّلَ من القدرة على المضغ لدى البشر، ولكنَّه أتاح تكبير حجم الجُمجمة عن طريق زيادة حجم الدِّماغ على حساب حجم العضلات الَّتي تُحرِّك الفكَّ.

غير ناضج لفترة أطول: نجاح الرَّجل العاقل

تعُرِف الإنسان باستدامة المرحلة اليرقيَّة؛ الأمرُ الَّذي يعني أنَّه يحتاج إلى فترة نموٍّ طويلة للوصول إلى النُّضج، مقارنةً بالرَّئيسات. ويلاحظ ذلك على وجه الخصوص في الدِّماغ؛ الَّذي ينتهي نضجُه في عمر 25 سنة. وهكذا؛ تصل كثافة الاتِّصالات بين عصبونات القِشرة الأماميَّة المسؤولة عن القدرة على التَّجريد والتَّأمُّل حدَّها الأقصى بعد شهر من ولادة الشَّمبانزي، وفي عمر 5 سنوات فقط عند البشر. فالجين mef2a المنظَّم بشكل مُختلف لدى الإنسان والقرد؛ مسؤول عن عدم نضج أطول، وعن إمكانيَّة متزايدة لاكتساب وصلات عصبونيَّة أكثر عدداً. ويرى علماء الإحاثة أنَّ إنسان نياندرتال استفادَ من النُّضج المبكِّر للدِّماغ. ووفقاً لشيلينج ليو xiling liu، عالمِ الوراثة في جامعة شنغهاي؛ تمَّ انتقاء اختلاف للجين mef2a منذ حوالي 300 ألف سنة لدى الإنسان العاقل، ولم يحدث ذلك لدى إنسان نياندرتال.

لبرنار سابلونيير ترجمة محمد أحمد طجو.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate