حداثة و ديمقراطية

التَّنوُّع البشريُّ المذهِل(١).

ما مصدر اختلافاتنا الَّتي تدلُّ على التَّنوُّع البشريِّ؟ مصدرها الحمض النَّوويُّ الرِّيبيُّ منقوصُ الأكسجين dan بالطَّبع، وهو مخزون هائل للحظوظ -أو للمصائب؟- الجينيَّة. والمسؤول الطَّفرات الَّتي تُسمَّى اختلافات أو مُتغيِّرات، وهي تغيُّرات طفيفة في رسالة الحمض النَّوويِّ الرِّيبيِّ منقوص الأكسجين الَّتي نعرف منها الآن قائمة بعشرات الملايين. لنبدأ في اكتشاف بعض هذه الاختلافات، لاستكشاف آثارها ومحاولة العثور على أصلها، في عصور ما قبل التَّاريخ البعيد. هل تجدُ البيولوجيا مُمِلَّةً؟ تمتَّعْ إذن بالمفاجآت. سوف تجد، وأنت تُقلِّب صفحات هذا الكتاب، توضيحات مذهلة لهذه الاختلافات والخصائص الَّتي تُميِّز بعضنا عن البعض الآخَر، في حين أنَّنا مع ذلك، نساءً ورجالاً، ننتمي إلى النَّوع نفسِه، الإنسان العاقل homo sapiens، الَّذي يُعَدُّ نتيجةً لتطوُّر مُشترَك منذ 300 ألف سنة.

 لَفِي التَّنوُّع متعة كبيرة: نحن جيِّدون كما نحن. أعطِ العقلَ نفسه للبشر،

فتُزيل كلَّ حِدَّة المجتمع. لقد ولد الضَّجَر يوماً من الرَّتابَة».

أنطوان هودار دو لا موت antoine houdar de la motte، الأصدقاء المُتَّفِقون جدَّاً

تعدُّد السِّمات الجسديَّة؛ أي: علامات التَّعرُّف المُميَّزة، نتيجة التَّكيُّف الطَّويل للنَّوع البشريِّ مع البيئة. فبعد انفصال أسلاف البشر عن القِرَدة العليا منذ 6 ملايين سنة؛ ظهرت العديد من الأنواع البشريَّة، وتمكَّنَت من التَّعايش طوال عصورِ ما قبل التَّاريخ. يمكننا أن نذكر الإنسان المنتَصِب قبل 2 مليون سنة، وإنسان دينيسوفان dénisovien قبل 450 ألف سنة، وإنسان نياندرتال neandrtal قبل 400 ألف سنة، ثمَّ الإنسان العاقل قبل 300 ألف سنة (انظر الرَّسم البيانيَّ، ص 18). فعندما عدَّلت المجموعات البشريَّة مكانَ سكنها؛ واجهت ظروفاً بيئيَّة مُتنوِّعة، وتكيَّفت معها. وقد أدَّى ضغط الانتقاء إلى انتقالِ آلاف الاختلافات الجينيَّة الَّتي أثَّرَت في عدد كبير من ملامح شكلنا وقدراتنا واستعداداتنا ونَوَّعَتْها. فإذا كان لكلِّ إنسان رأس، وجذع، وأطراف، وأعضاء؛ فإنَّنا نتميَّز بعدد لا يُحصى من التَّفاصيل المُتنوِّعة الَّتي أشرنا إليها في المقدِّمة، والَّتي يُميِّزنا بعضها في بيئة معيَّنة. وعلى الرَّغم من كبرياء النَّوع البشريِّ الَّذي يعتقد أنَّنا مُتفوِّقون؛ فإنَّ تنوُّع هذه التَّفاصيل يعتمد على التَّأثير العشوائيِّ للظُّهور المفاجئ للاختلافات الجينيَّة وانتقائها تحت تأثير البيئة. فأثناء الانقسام الخلويِّ، يمكن أن تحدث أخطاء أو طفرات في الرِّسالة الوراثيَّة؛ فهي مُحايدة أو غير مُواتية في معظم الأحيان، وتبدو الإيجابيَّة منها مُفيدة، فتمنح الفردَ فرصاً أكثر للبقاء، وللإنجاب ولنقل الطَّفرة الَّتي تمَّ انتقاؤها إلى أحفاده. وبمرور الوقت؛ تنتشر الطَّفرة المفيدة بين السُّكَّان، وتصبح مُتكرِّرة بما يكفي ليُطلَق عليها اسم الاختلاف. وهكذا؛ إن أفراد مجموعة مُعيَّنة لم يتكيَّفوا خلال حياتهم: لقد ولدوا مُتكيِّفين أو غير مُتكيِّفين مع بيئتهم اعتماداً على ما إذا كانوا قد تلقَّوا عند الولادة أم لا الاختلافَ الجينيَّ المُفيد. وإنَّنا نتكلَّم على ضغط الانتقاء للإشارة إلى الدَّور الَّذي تلعبه البيئة: الاختلاف مُفيد أو غير مُفيد في بيئة مُعيَّنة. فميزات الفرد المرئيَّة الَّتي تُسمَّى «الملامح» تدلُّ على خصائص شكلِنا، ومظهرنا الجسديِّ، أطلق عليها العلماءُ اسمَ «النَّمط الظَّاهريِّ» phenotype، وأصلها اليونانيُّ phainein، يظهر montre، ونمط typos. فتنوُّعُ الأنماط الظَّاهريَّة البشريَّة يمتدُّ خارج الجسد، ويتعلَّق أيضاً بطبعنا، وقدراتنا العقليَّة أو قابليَّتنا للأمراض. فهذا التَّنوُّع إذن نتيجة فترة تطوُّريَّة لنوعنا على مدى أكثر من 10 آلاف جيل، ناجمة عن عمليَّات التَّكيُّف والانتقاء، استجابة للظُّروف البيئيَّة المادِّيَّة، وللتَّغيُّرات الثَّقافيَّة أيضاً. وأصبح بالإمكان، منذ أن بدأنا نفهم هذا التَّكيُّف التَّطوريَّ، رؤية أنَّ ما تعنيه كلمة «عِرق» غير موجود. في الواقع؛ لا توجد معايير تُتيح تصنيف جميع الأفراد في مجموعات أو أعراق مُتجانِسة، طالما أنَّ التَّنوُّع بين الأفراد كبير. وإنَّنا ننتمي جميعاً للنَّوع نفسه، وإنَّ اختلافات تراثنا الوراثيِّ هي الَّتي تمنحنا خصائصنا، وصفاتنا، وعيوبَنا الصَّغيرة، وتبني شخصيَّتنا. ولم يقم تشارلز داروين charles darwin بدراسة علميَّة نوعيَّة عن التَّنوُّع البشريِّ، لكنَّ الإنسان مثل أيِّ نوعٍ آخَر يستجيب لنظريَّة الانتقاء الطَّبيعيِّ.

تشارلز داروين يرصد التَّنوُّع

لم يكن داروين عالمَ مُستحاثَّات، لكنَّه كان يهتمُّ بآليَّات تنوُّع الأنواع الحيوانيَّة. ولاحظ أنَّ أفراداً من النَّوع نفسِه يُظهرون أعداداً كبيرة من الاختلافات الصَّغيرة المرئيَّة ولكن الدَّقيقة جدَّاً، في بعض الأحيان، في المظهر والتَّشريح. يمكن أن تنتقل هذه الاختلافات من جيل إلى آخَر، وأن تكون بالتَّالي وراثيَّة. ويمكن تصنيف هذه الاختلافات القابلة للانتقال في ثلاث فئات: الاختلافات الضَّارَّة، والاختلافات المُفيدة، والاختلافات المُحايدة في البيئة الَّتي تظهر فيها. ووفقاً لداروين؛ سوف يُسهِّل الانتقاء الطَّبيعيُّ حفظَ الأفراد الأكثر ملاءمةً لهذه البيئة وبقاءهم. وهذا درس ثمين في عِلم الوراثة قدَّمه لنا داروين قبل وقت طويل من اكتشاف الجينات؛ لأنَّنا نعلم الآن أنَّ الآلاف من هذه الاختلافات مُسجَّلة في جيناتنا في شكل تغيُّرات دقيقة من الرِّسالة الوراثيَّة، تُسمَّى المتغيِّرات.

اكتشفَ الباحثون في عام 2004، منذ توضيح الجينوم البشريِّ بأكمله، عدَّة ملايين من المُتغيِّرات. وأصبح تأثير العديد منها واضحاً الآن. فهذه المتغيِّرات غالباً ما تتوافق مع تغيُّر حرف واحد من الرِّسالة الوراثيَّة، وتُعدِّل معنى كلمة من الرِّسالة الَّتي يمكن مقارنتها بجين. لنأخذ مثالاً؛ كلمة rose «وردة/ ورديُّ اللَّون»: عندما نُغيِّر حرف العلَّة نحصل على كلمة ruse «حيلة، خديعة»، الَّتي لها معنى مختلف. فما هي هذه الحروف في رسالتنا الجينيَّة؟ يحتوي الحمض النَّوويُّ الرِّيبيُّ منقوص الأكسجين على رسالة جينيَّة مُكوَّنة من وحدات كيميائيَّة مرتبطة ببعضها البعض، وتُسمَّى القواعد. فهناك 4 تسميات مختلفة تُسمَّى اختصاراً a (أدنين) وc (سيتوسين) وg (غوانين) وt (ثايمين). ويحتوي الجينوم البشريُّ على تسلسل حوالي 3 مليارات زوج من هذه القواعد أو «الحروف». ففي كلِّ موقع مُحدَّد من هذا النَّصِّ الضَّخم المكوَّن من 3 مليارات حرف؛ نقرأ واحداً من الأحرف الأربعة الممكنة: هكذا تكون “رسالة” كلِّ فرد فريدةً من نوعها. وما يُسمَّى الجين يتكوَّن من ارتباط بضعة آلاف من الحروف، في مكان مُحدَّد من الحمض النَّوويِّ الرِّيبيِّ منقوص الأكسجين: غالباً ما يُقارن بنصِّ تملُّك الخليَّة وسيلةً لفكِّ شفرته أو ببرنامج يمكنها تنفيذه.

إنَّ تأثير مُتغيِّرٍ جينيٍّ في ميزة أو سِمة مرئيَّة أو قابلة للقياس مُقسَّم بالتَّساوي مع تأثير البيئة. وهكذا؛ جمعَت تينكا بولدرمان tinca polderman، عالمة الوراثة في جامعة أمستردام الحرَّة، نتائج أكثر من ألفَي دراسة تقوم على قابليَّة توريث أكثر من 17 ألف سِمة بشريَّة. ويُساهم عِلم الوراثة في جميع هذه السِّمات، بنسبة 49% من تعبيرها. ويمكننا تصنيفها في 3 فئات: الخصائص الخارجيَّة المرئيَّة (القامة، والخَصْر، ولون البشرة…)، والتَّكيُّف مع البيئة (القدرة على مقاومة الحرارة أو البرودة، والمرتفعات؛ التَّكيُّف مع النِّظام الغذائيِّ)، أو القابليَّة للأمراض المختلفة أو لمقاومتها. ومن الميزات الأكثر وضوحاً في نمطنا الظَّاهريِّ؛ نجد ما يتعلَّق بلون الجِلد والشَّعر والعينين، والخصر، القامة القصيرة أو القوام الفارع… إلخ. وفيما وراء ذلك؛ سنهتمُّ بالتَّفاصيل المُتعدِّدة لوجهنا، وتناظره، ومكان الشَّعر وكثافته في الجسم أو في الرَّأس أو شكل الأنف والأذنين. ويذهب تنوُّع الأغطية أبعد من ذلك: شكل الشَّعر، وثخانته، ومظهره، والظُّهور المبكِّر قليلاً للشَّعر الأبيض، وشعر السَّاقين… هذا صحيح؛ فقد تمَّ تحديد العديد من الجينات المسؤولة عن هذه التَّفاصيل في شكلنا، وسيتمُّ شرح آليَّة تأثيرها في الفصول المقبِلة -عندما تكون معروفة. ففضول الباحث فيما يتعلَّق بهذه التَّفاصيل الدَّقيقة لا حدود له. فالعديد من الأعمال المنشورة حديثاً تُشير إلى تحليل الانتقال الوراثيِّ لخصائص المظهر هذه أو القابليَّات لدى المواطنين. ويُمكننا أن نذكر هنا حالة الشَّعر الَّذي يستحيل تمشيطه، وشحمة الأذن المتَّصلة أو المنفصلة، ولون العيون، ووجود خصلة بيضاء على الجبين، وحجم الثَّدي، أو أيضاً مَيْلَنَا إلى أن نكون نشيطين في الصَّباح أو في المساء.

لبرنار سابلونيير  ترجمة محمد أحمد طجو

مؤسسة مؤمنون بلاحدود- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate