ثقافة

السطو الفكري…وانتشاره الواسع

السرقات الأدبية والفنية مسلسل طويل وهي أطول المسلسلات التلفزيونية، وسرقة الأدب بأجناسه المختلفة والفن والموسيقا ليست وليدة اليوم بل لها امتدادها في تاريخ الأدب، وبعض الأسماء المشهورة لم يسلموا من تهمة لصوص الأدب، ففي الثمانينات من القرن الماضي اتهم الكاتب الجزائري رشيد بوجدرة بالسطو على بعض نصوص الكاتب محمد بنيس التي أثارت ضجة كبيرة وكتب عنها كبار الكتاب الجزائريين والعرب ومنهم أدونيس..

المؤلف الأمريكي الشهير ستيفن كينغ طالبوه بدفع 500 مليون دولار في محكمة قضائية بدعوى لجوئه إلى الانتحال في سلسلة رواياته برج الظلام وأن بطلها المسمى (رولاندو ديبسكاين) نسخة عن قصص (ريستين داين) للكاتب ستيفن غرانت التي اعترف في المحكمة أنه قرأها.

تتعدد أشكال السرقات الأدبية وأهدافها ما بين المادي والمعنوي حيث يعمد المبتذلون الذين يحشون عقولهم في أحذيتهم ويمشون حفاة ولقطاء الأدب و الفن وقواريط الصحافة والإعلام الذين ليس لهم شنب ولا عقب إلى قهر الكلام واغتصاب المعاني والعبث والتشويه وتحريف الغايات والمضمون ونسف إبداعات الغير لتدبيج نصوص لها صوت كخشخشة الحصى.

أحلام مستغانمي اسم أدبي لا يحتاج إلى ترويج رفعت لواء تحرر وتحرير المرأة وكسرت تابوهات مغلولة مكتوبة في ذهن القارئ العربي، روائية جزائرية مشهورة أمضت عمرها وسخرت كتاباتها للدفاع عن قضايا المرأة في المجتمعات العربية، ترتدي المايوه والـ تي شيرت في أوروبا والجلباب والنقاب في وطننا، قال عنها الناقد الجزائري بوشرومة في رواية ذاكرة الجسد: إن الرواية (هي سيرة ذاتية للكاتبة) وهي صديقة الشاعر الراحل نزار قباني الذي اتهموه بكتابة بعض نصوصها، وصديقة الشاعر العراقي سعدي يوسف الذي اتهموه بكتابة رواية ذاكرة الجسد، حيث اتهمها صحفي تونسي بأنها ليست كاتبة الرواية وأن كاتبها الحقيقي هو سعدي يوسف فقامت برفع دعوى قضائية عليه، وبعدها خرج سعدي يوسف عن صمته لينفي الحادثة.

السارق الأدبي يسرق، عن عمد ومع سبق الإصرار والتصميم، النصوص والأفكار والصور الفنية وكلمات حرفية من قصائد شعراء معاصرين وتراثيين بذريعة الاقتباس وغيرها من الأفكار الغامضة المشوهة القريبة من السواد، وفي الصحافة يجري لطش أفكار مقالات الآخرين ونسبها للص، ولا تسلم رسائل الماجستير والدكتوراه من أيدي اللصوص والسطو على أفكار وإبداع أتعاب الآخرين..

 في عام 2011 هزت فضيحة كبيرة جائزة الشيخ زايد بن سلطان للكتاب في النقد حيث أقدم الدكتور الناقد حفناوي بعلي الأستاذ بجامعة عنابة الجزائرية على السطو على ما يزيد على 30 مقطعاً سلخها من كتب عبد الله الغدامي وترشح بها لنيل الجائزة، ولم ينف السارق الواقعة ولم يدافع عن نفسه على غرار بقية اللصوص الذين مسّهم اتهام السرقة، لكنه أقر فيما بعد بإمكانية رد المبلغ المحصل من الجائزة، والكاتب البريطاني الاسكتلندي الأصل المشهور جوزيف ريديارد كيبلينغ أحد أبناء المستعمرين البريطانيين للهند الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1907 اعترف في رسالة وجهها إلى سيدة مجهولة بسرقته لأجزاء من مؤلف (كتاب الأدغال) الذي يحكي قصة (ماوكلي) ومغامراته في الأدغال التي تدور أحداثها في الهند حيث مسقط رأسه، وجاء في رسالته: (هناك احتمال كبير أنني لجأت إلى الاقتباس- إلا أنني لا أتذكر لمن تعود القصص التي سرقتها).

 من سرقات كبار رموز الموسيقا الكلاسيكية الغربية قيام باخ أبو الموسيقا الأوربية الحديثة بسرقة الكثير من ألحان موسيقيين معاصرين له، ومن أشهر سرقاته موضوع (الفوغا الخالدة للأرغن)، كما سرق موزارت حرفياً مقدمة عمله (القداس) عن ترنيمة دينية قديمة أما بتهوفن فقد سرق الكثير ومنها الحركة الأولى من السيمفونية السادسة التي سرقها من لحن شعبي ألماني في منطقة الراين، وكذلك اللحن الأساسي للحركة الرابعة مسروقة من أغانٍ شعبية، ومنذ سنوات أصدرت منظمة اليونيسكو لائحة اتهام ضمنتها أشهر اقتباسات محمد عبد الوهاب الذي وهب سنوات عمره المديدة وهو يلون المقامات العربية الأصيلة بألوان عصرية، ويعد من أهم عباقرة النغم والغناء والعزف والتأليف الموسيقي العرب، من الموسيقا الأوربية وقد أطلق عبد الوهاب ثورة تجديدية موسيقياً وغنائية أسفرت عن منحه لقب موسيقار الأجيال وعشرات الألقاب التي جعلته ملك الموسيقا والغناء بلا منازع، وتلك الاقتباسات والانتقادات لا تقلل من أهميته كواحد من كبار مطربي وملحني القرن العشرين العرب. ظاهرة السطو الأدبي استفحلت كثيراً بعد دخول الانترنت عصر الفضاء المفتوح وسهولة السرقة والتمويه وتمييع المواقف..

المطلوب من النقاد الكشف عن لصوص الأدب ومساهمة المؤسسات الثقافية في ردعها، ويظن السارق الذي يتلطى ويطلب السترة منهم كمن يغطي عينيه ويسفر وجهه، وكمن يطمر رأسه في الرمال ويبقى جسده عارياً مكشوفاً.

لنعمان إبراهيم حميشة.

الوحدة- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate