حداثة و ديمقراطية

يد السياسة في عجين النفس البشرية.. مشلولة أم مسؤولة؟(٤).

في السياق ذاته، أشارت مقالة نشرتها مجلة “إيكونومست” البريطانية عام 2017 إلى أن السياسة تبدو الآن أكثر قبحاً من جنوب أفريقيا إلى إسبانيا. وعزا السبب في جزء منه إلى المعلومات المضللة التي تحضّ على الكراهية وتبثها وسائل التواصل الاجتماعي، فهي تعمل على تعميق الانقسامات الاجتماعية.

ولكن، برغم كل ما تقدم، تحتكر الدولة الأمن حتى في المجال الرقمي، وما زالت تضع قواعد تنظيم البيانات والمعلومات، ما يعني بالتالي أنها تستطيع الحدّ من التأثير الذي منحه العالم الافتراضي للأفراد، مستفيدة من قدرة الفضاء الرقمي على إعادة إنتاج الهوية من خلال ما يتيحه من تفاعل مؤثر في الأفكار والعقائد. وبذلك تحوّلت نقطة ضعفها إلى قوة في بعض الحالات، ما يحتم عليها وضع قواعد جديدة للسياسة تتناسب مع توجّه إنسان العصر الرقمي، من دون أن يشعر أنها تتحكم بحياته بما يهدد حرياته التي يعتز بها، كما يقتضي منها أن تتحمل مسؤولية أداء المهمة التي وجدت من أجلها في الأساس، أي حماية الفرد من العنف وآثاره القريبة والبعيدة. وهذا هو العامل الذي يلعب دوراً رئيساً في تحديد توجهات إنسان العصر الحديث، ويؤثر في خياراته وتفاعله مع الغير.

لا تقتصر التحديات التي تواجه “السياسة” في العالم على تلك التي تصدر عن البشر، والمثال قائم أمامنا جميعاً اليوم، فقد استقبل العالم زائراً غريباً أواخر عام 2019، استطاع برغم صغر حجمه أن يهدد الديموقراطيات ويؤسس لشكل جديد من العلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالضرورة، ويترك آثاراً يتنبأ البعض باستمرارها طويلاً. لم يكن هذا الزائر سوى فيروس كورونا الذي أخذ يجتاح الدول تباعاً، غير مكترث بالجغرافيا، وراح يخترق الأمن الرقمي والاستخباري، من دون أن يعبأ بالتكنولوجيا، وهو يضع الإنسانية كلها في كفة واحدة ليتخذ منها هدفاً له ما، جعلها سواسية أمام الخطر الداهم. وكشف عن الأنانية التي تميز الدول خصوصاً. أحسسنا لوهلة من الزمن أن كل ما قدمته الدول من ضمانات للحياة البشرية طيلة عقود، قد أصبح في مهب الريح، حتى شعرنا أننا نمر اليوم في مرحلة تاريخية لا مثيل لها بدا فيها العالم مقلوباً رأساً على عقب، بحسب تعبير المفكر الكندي الفرنسي آلان دونو. وبات لزاماً على الحكومات أن تدافع عمّا بنته، وتحاول إحكام السيطرة على نتائج الجائحة التي لم تنتهِ بعد، لذلك كان لا بدّ من محاولة إعادة سيطرتها من جديد أمام سلطة الطبيعة. 

كانت جائحة كورونا بمثابة جرس أيقظ العالم، أفراداً وحكومات، من سبات عميق غطوا فيه طويلاً. وأعادت طرح مفاهيم من قبيل “أنسنة” السياسة وإرجاعها إلى مسارها الطبيعي في العمل لمصلحة المخلوق العاقل قبل أن تنكر لدورها هذا وتتسع المسافة بين صانعي السياسة والأفراد العاديين. كما نبهت إلى وجوب نقل سياسات الدول من مفهومها الوظيفي الضيق القائم على “المصالح العليا” وحسب، إلى أفق أوسع منسجم مع الفطرة الإنسانية الطبيعية، ومبني على أسس المشاركة بعيداً عن الشعبوية، وعلى قيم التعاون والانفتاح وتبادل الخير بين الشعوب، حتى لا تلحق السياسة بالاقتصاد “المتوحش” الذي صار الإنسان فيه مجرد أداة قابلة للاستبدال.

فماذا ستفعل الدول أمام هذا الاختراق المفاجئ والصادم والذي لا يزال يرمي الإنسانية بسهامه القاتلة؟ وكيف سيكون تأثير السياسة في الطبيعة البشرية التي باتت تشهد تغيرات في بعض خصائصها؟ وهل يملك السياسيون خططاً وأدوات مؤثرة في هذه الحرب أمام عدو يتهدد البشرية جمعاء؟

لن تنفع المتاريس المنفردة في هذه المرحلة، فكلنا معاً في القارب نفسه. لذلك لا بد من أن يعمل السياسيون على إعادة تعريف قضايا سياسية رئيسة، كالسيادة والسلطة والتعاون و”المصالح العليا”، حتى يكونوا قادرين على احتواء إنسان العالم الرقمي الجديد، وقادرين أيضاً على الإجابة عندما يطالبهم بـ”جردة حساب” سائلاً: أيها السياسيون… ماذا قدمتم لنا كبشر؟

لحسن اسميك.

النهار العربي- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate