حداثة و ديمقراطية

تثقيف السياسي أم تسييس المثقف.. هذا هو السؤال2.

معادلة غير متكافئة

ثمة عقدتان تسيطران على نفسيتي السياسي والمثقف في العالم العربي، ومنشأها انعدام الثقة، وهما تخوف المثقف من الخوض في الشأن السياسي، وتوجّس السياسي من المثقف باعتباره عديم الالتصاق بالواقع وحساباته الاقتصادية والسياسية.

المشكلة أن السياسي (رجل السلطة) يستطيع بسرعة أن يأخذ بيد المثقف نحو عالم السياسة، ولكن من البوابة المغلوطة، أما المثقف ففي غالب الأحيان يفشل في توريط السياسي ضمن مشروع ثقافي طموح ومثمر.

المؤسف في العالم العربي أن الأمور تعود نحو القهقرى من حيث تداخل وتكامل الثقافي والسياسي. أليس الخديوي إسماعيل هو الذي أسس دار الأوبرا في مصر مثلا؟ أين ولت تلك الأيام. الجميع يتفق على أن النخب العسكرية التي استولت على الحكم هي سبب كل بلاء.

الصورة النمطية للمثقف الذي يختفي خلف نظارات سميكة ويتمترس وراء كومة من الجرائد وسط سحابة دخان وجهاز الراديو يصدح بنشرات الأخبار، لم تعد اليوم، نفسها، من جهة الكاركتر (الشكل)، لكنها لا تختلف عنها من ناحية العزلة والابتعاد عن صناعة الحدث السياسي أو المشاركة فيه بل وحتى مجرد إبداء الرأي.

إذابة أسوار الجليد بين السياسي والثقافي، ومحو الحواجز بين المجالين لا يمكن أن يتوفرا دون إرادة من الطرفين

قد يكون مثقف اليوم أكثر التصاقا بواقعه الاجتماعي من حيث المظهر ومواكبة مفردات العصر، إلاّ أن سلبيته المفرطة تجاه الواقع السياسي ظلت على حالها بل وزادت “تطيّرا” منه في حدود ما تسمح به هوامش التعبير بين بلد عربي وآخر، أي أنه يكتفي بالنقد والسخرية أحيانا، دون الانخراط في المبادرة، وكأن الفعل السياسي شأن لا يخصه.

مردّ هذا التأفف يعود إلى ضيق وفقر الحلبات السياسية أوّلا، وسط غياب الحياة الديمقراطية الحقيقية، بالإضافة إلى كون السياسة في نظر المثقف، محرقة، نظرا إلى ارتباطها في العالم العربي بكل أشكال الفساد والانتهازية، في حين أنها من أنبل وأرقى مسؤوليات الفرد إزاء المجموعة، وفقا لجميع المنظومات الأخلاقية منذ اليونان القديمة وحتى عصور الأنوار، وكذلك التاريخ الحديث الذي ارتبط فيه العمل السياسي بحركات التحرر الوطني.

السياسي بدوره، يرى الثقافة مضيعة للوقت، ولا تنفع إلا في حدود ما تخدم مراميه ونواياه، أي أنها مجرد ديكور لتأثيث مشهد انتخابي واسترضاء فئات هشة يمكن الاستفادة من أصواتها واستخدامها كأبواق دعائية. هذه المعادلة غير المتكافئة بين السياسي والثقافي لا يمكنها أن تتحقق إلا بمشاريع تنموية حقيقية داخل مناخ سياسي صحي وديمقراطي، و“هنا حطنا الجمّال” على قول المثل السائد.

لحكيم مرزوقي.

العرب- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate