حداثة و ديمقراطية

يد السياسة في عجين النفس البشرية.. مشلولة أم مسؤولة1

أيّها السّياسيّون… ماذا فعلتم للإنسان؟ علاقة السياسة بالبشر، كانت دائماً إشكالية، وأنتجت الكثير من المفاهيم والأفكار الحاضرة بقوة في حياتنا، مثل الدولة والآخر والسلطة. ولئن بقيت هذه العلاقة متوترة في خضم العصر الرقمي وتغييراته، فهي مرشحة الآن للتبدل على نحو جذري في عصر الكورونا.

تفترض الحالة المثالية للتنظيم البشري أن تعمل السياسة على استقرار الإنسان في وطنه بأمان، بعيداً عن العنف والحرب والتطرف، فتنسجم أهدافها مع تطلعاته، وتحفظ نوعه وتنوّعه الثقافي، وتستمد قيمها من مبادئه، وتبني قواعدها على أسس العدالة والحرية والمساواة.

وفي أبسط تعريف للسياسة، يمكن القول إنها “مجموع الأهداف الداخلية والخارجية للدولة، والوسائل التي تستخدمها لتحقيق تلك الأهداف”. ومن الطبيعي ألا تتخذ الحكومة، باعتبارها رأس الدولة، قراراً إلا إذا تأكدت من أن المكاسب التي ستحقّقها منه أكبر من الخسائر التي ستتكبدها بسببه. 

لكن، أين هو موقع الإنسان حقاً من هذا السلوك والوسائل؟ وهل تبرر الغايات استخدام الحكومات أي وسيلة ممكنة لتحقيقها؟ وهل تؤخذ بالحسبان النتائج المترتبة على ما ستحدثه هذه السياسات من تغييرٍ في الطبيعة البشرية؟ أم أنها ستُترك ليتم التعامل معها لاحقاً، أي بعد تحقيق الغاية؟

ثم من الذي يصنع الآخر على أرض الواقع، السياسة أم الطبيعة البشرية؟ أي هل السياسة هي وليدة الطبيعة البشرية؟ وهل يتوخى السياسيون الجانب “الإنساني” عند وضع سياسات معينة؟ أم أن السياسات صارت هي التي تشكّل طبيعة البشر؟

لقد شغل هذا السؤال الفلاسفة والمفكرين منذ بداية تحول التجمعات البشرية إلى مجتمعات، وظهور “كيان الدولة” بشكله البدائي، الذي كانت فيه سلطة الحاكم مستمدة كُلها من “تفويض إلهي” أو من كونها تمثيلاً لقيمة مطلقة أخلاقية أو معرفية أو طبقية كما في يوتوبيا أفلاطون مثلاً.. إلى أن أحدثت أفكار ابن خلدون وبعده مكيافيلي النقلة النوعية وحررت السياسة من المجرد والمطلق وربطتها بطباع البشر أنفسهم.

لقد رأى ابن خلدون مثلاً أن المحرّك الأساسي للحوادث السياسية والاجتماعية هو التناقض بين حياة أهل المدينة وأهل البادية، وأنه لا بدّ للأفراد من أن يتقيدوا بالقيم الدينية والأخلاقية كافة في تعاملهم مع بعضهم بعضاً. وفيما أشار مكيافيلي إلى أنه يمكن للحاكم استخدام أي وسيلة شرط أن تساعد في تحقيق غاية المجتمع، ومنها مفهوم القوة، فقد رأى أن القوة هي أساس الشرعية السياسية، وأن مدى نجاح السياسة يقاس بكيفية استخدامها القوة، كما اعتبرَ المعرفة السياسية، بمعنى الدهاء والحنكة، هي وحدها الفضيلة التي يجب على الحاكم التمتع بها.

حسن اسميك.

النهار العربي-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate