حداثة و ديمقراطية

معسكر الاعتقال بوصفه ناموس الفضاء السياسي(٢).

وإذا كان الحال هذا، إذا كان جوهر معسكر الاعتقال يتمثل في تجسيد حالة الاستثناء وما يترتب على ذلك من خلق مساحات للحياة العارية، فيتعين علينا، إذن، أن نعترف أننا نواجه معسكر اعتقال في كل مرّة يتم فيها إنشاء مثل هذا الهيكل بغض النظر عن طبيعة الجرائم المرتكبة فيه، وبغض النظر عن الطائفة والعرقية أو حتى الطبوغرافيا التي يحتويها هذا المعسكر. فملعب كرة القدم في باري، حيث حشدت الشرطة الإيطالية بشكلٍ مؤقت المهاجرين غير الشرعيين الآتين من ألبانيا في 1991 قبل إعادتهم إلى بلدهم، والمسارات الإسفلتية المخصصة للدراجات التي جمعت فيها السلطات الفاشية اليهود قبل تسليمهم إلى ألمانيا، ومخيمات اللاجئين القريبة من الحدود الإسبانية حيث توفي الشاعر أنطونيو ماتشادو عام 1939، وكذلك قاعات الانتظار في مطار فرنسا الدولي التي يتم فيها احتجاز الأجانب من طالبي اللجوء… كلّ هذه الأماكن يجب أن ننظر إليها على أنها معسكرات اعتقال. في مثل هذه الحالات، سيبدو مكاناً هادئاً وساكناً (مثل فندق de l’Arcade القريب من مطار باريس) مكاناً يحدد المساحة والكيفية التي يُعلَّق بها القانون، ومدى ارتكاب الجرائم في أماكن كهذه لن يتوقف على القانون بكل تأكيد، إنما على الحس الأخلاقي والمدني لأفراد الشرطة الذين سيتصرفون حينها باعتبارهم أصحاب السيادة. هذا هو الحال خلال الأيام الأربعة التي يتم فيها احتجاز الأجانب طالبي اللجوء في قاعات الانتظار، قبل أن تتدخل السلطات القضائية الفرنسية للبتّ في وضعهم. وبهذا المعنى، حتى بعض الضواحي في المدن ما بعد الصناعية الكبرى، وكذلك التجمعات المسوّرة في الولايات المتحدة الأميركية، بدأت تبدوا اليوم وكأنها معسكرات اعتقال، حيث تدخل الحياة العارية والحياة السياسية، لا سيما في لحظات معينة، في منطقة الغموض المطلق.

ومن هذا المنظور، يبدو أن ولادة معسكر الاعتقال في عصرنا تُمثّل الحدثَ الذي طبعَ كامل الفضاء السياسي للحداثة، فهذه الولادة تموضعت داخل النظام ومنذ لحظة تأسيس الدولة القومية الحديثة التي قامت على الترابط الوظيفي بين تعيين الموطن (الإقليم) وتعيين النظام (الدولة)، علاقةٌ توسطتها حزمٌ من اللوائح والقوانين الآلية من أجل تسجيل الحياة وضبطها (الولادة والأمة) – هذه الحياة دخلت منذ تشكّلها في أزمة دائمة قررت على أثرها الدولة أن تتولى إدارة الحياة البيولوجية للأمة كمهمة تقع على عاتقها حصراً. وبعبارةٍ أخرى، إذا كانت بنية الدولة القومية الحديثة تقوم على أساس توافر ثلاثة أركان أساسية: الإقليم والنظام والولادة، فإن انهيار النواميس القديمة لم يتم، وفقاً لكارل شميت، بسبب الركنين اللذين لطالما شكّلا الناموس (الإقليم، والنظام) بل في ذلك العنصر الذي يضبط الحياة العارية (الركن الذي بسببه تتحول عملية ضبط الولادة إلى تشكّل أمة).

الأكيد أن ثمة شيئاً لم يعد يعمل في الآليات التقليدية التي كانت تنظّم عملية الضبط هذه، لذا صار معسكر الاعتقال هو المنظِّم الخفي لضبط الحياة داخل النظام، أو بمعنى أدق صار معسكر الاعتقال علامة نستدل بها على عجز النظام عن الاستمرار دون أن يتحول إلى آلة مميتة. ومن المهم هنا ملاحظة أن معسكرات الاعتقال ظهرت في الوقت نفسه الذي صدرت فيه القوانين الجديدة المتعلقة بالمواطنة والتجريد من الجنسية (ليس فقط قوانين نورمبرغ بشأن المواطنة في الرايخ، ولكن أيضاً القوانين المتعلقة بتجريد الجنسية التي صدرت تقريباً في أغلب دول أوروبا بما في ذلك فرنسا بين 1915 و1933). أصبحت حالة الاستثناء إذن، والتي كانت في الأساس تعليقاً مؤقتاً للنظام، ترتيباً مكانياً مستقراً تسكنه الحياة العارية التي، وبشكل متزايد، أصبحت تستعصي على الاندماج في النظام. إن هذه الثغرة الآخذة بالاتساع بين الولادة (الحياة العارية) والدولة القومية هي الحقيقة الجديدة لسياسات عصرنا، وما نسميه «معسكر الاعتقال» هو بالضبط هذا التفاوت بين الاثنين. فوجود النظام دون تحديد الإقليم (أي حالة الاستثناء في حالة تعليقها للقانون) ينسجم الآن مع وجود الإقليم دون النظام (أي معسكر الاعتقال كمساحة دائمة للاستثناء ومحتملة في أي مكان). فالنظام السياسي لم يعد يحدد القواعد القانونية وأشكال الحياة في فضاءات معينة؛ بل صار يحتوي في داخله القدرةَ على تسكين الالتباس والغموض بطريقة تُمكِّنه عملياً من التقاط أي قاعدة من القواعد أو أي شكلٍ من أشكال الحياة وتضمينها في بنية النظام. قُصِدَ من معسكر الاعتقال أن يكون بالتحديد هذا المكان الملتبس والغامض حتى يكون نموذجاً خفياً للسياسة التي نعيش فيها، لذا علينا أن نتعلم كيف نتعرّف على كل تحولاته وتغيراته، فمعسكر الاعتقال هو الركن الرابع الذي أضيف -وبطريقة لا تنفصل- لكسر الثالوث القديم للأمة؛ الولادة، الدولة، الإقليم + معسكر الاعتقال.

من هذا المنطلق، نحتاج إلى النظر إلى ظهور معسكرات الاعتقال الحديثة كبنية أكثر تطرفاً حتى مما كان عليه الأمر في أراضي يوغسلافيا السابقة. فما حدث هناك لم يكن على الإطلاق كما سارع بعض المراقبين المعنيين إلى إعلانه على أنه: إعادة تشكيل للنظام السياسي القديم وفق ترتيباتٍ عرقية ومناطقية جديدة، أي أنه مجرّد تكرار بسيط للعمليات التي نتجت عنها دساتير الدول القومية في أوروبا. ما حدث في الحقيقة، وكما لاحظناه، هو انهيارٌ لم يمكن تداركه للناموس القديم، أسفرَ عن تشريد السكّان وتشتيت الحياة وفقاً لخطوط ترحيل وهروبٍ جديدة تماماً. ولهذا السبب بالتحديد تصبح معسكرات الاعتقال التي تتمّ فيها عمليات الاغتصاب الجماعي ضد مجموعات معينة مهمة للغاية في فهمنا لطبيعة معسكر الاعتقال. فالنازّيون إذ لم يفكروا بتنفيذ «الحل النهائي» من خلال التحكم بمسألة الولادة عند النساء اليهوديات، فهذا لأن مبدأ «الولادة» الذي يضمن ربط الحياة ببنية النظام في الدولة القومية الحديثة كان لا يزال فعّالاً بطريقة ما، حتى وإن طرأت عليه تغيرات عميقة فيما بعد. ولكن هذا المبدأ خرج الآن عن مساره، لقد دخل في عملية تفكك مستمرة بحيث صارت مسألة تفعيله من جديد مسألة مستحيلة بشكل واضح جداً؛ لم نعد نتوقع فقط ظهور معسكرات اعتقال جديدة، بل نماذج معيارية جديدة وأكثر غموضاً لضبط الحياة في المدينة. فمعسكر الاعتقال الذي اتخذ له موقعاً راسخاً داخل المدن، في الأماكن التي نعيش ونحيا فيها، صار هو الناموس الجديد للحياة السياسية في هذا العصر.

لجورجيو أغامبن.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate