اصلاح ديني

قراءة في كتاب الهاشمي الطرودي: “الإسلام السياسي في تونس… هل من خصوصية؟”(٣).

الاختلافات: 

الدستور في مصر كان من صنع الإخوان وباقي القوى الإسلامية، ولم تشارك في صنعه بقية الطوائف والقوى القومية واليسارية التي لم تتردد في وصفه بالطائفي والتيوقراطي. ولقد نصّ على أنّ الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع. وتعهّد الرئيس المصري السابق مرسي بتطبيق أحكام الشريعة.

أمّا في تونس، فإنّ الوضع مغاير، حيث كان المجلس الوطني التأسيسي متنوّعا. ولم تستطع حركة النهضة فرض دستورها (نسخة الحبيب خذر)، رغم الفخاخ العديدة التي يحويها المشروع الأخير. وبرز أيضا الاختلاف من خلال قبول حركة النهضة بمشاركتها في الحكم مع أحزب علمانية، مثل حزب التكتّل الديمقراطي بقيادة مصطفى بن جعفر (وسط اليسار).

أما في المحور الرابع والأخير، فقد قدّم الهاشمي الطرودي حوارات شيّقة، مثل حواره مع سعد الدين إبراهيم الذي تحدث فيه عن خصائص المرحلة بمصر ومستقبل الإسلام السياسي. أمّا الحوار الثاني، فكان مع فرج فودة الذي بيّن انطلاقا من العديد من التجارب أنّ الإسلام دين وليس دولة.

وبفضل التنوّع فرضت المعارضة في تونس، حرية الضمير، والتنصيص على الحريات الفردية. وكان من نتائج انتخابات سنة 2011 تكوين حكومة تكون فيها حركة النهضة الفاعل الرئيس (تحالف علماني إسلامي). ومن مظاهر الاختلاف حيوية المجتمع المدني بتونس وقوته (الاتحاد العام التونسي للشغل، رابطة حقوق الإنسان، عمادة المحامين…)، وقد ساهمت بقوّة في تلافي المصير الذي آلت إليه التجربة المصريّة. وفضلا عن ذلك، اختلفت المؤسسة العسكرية في تونس عن نظيرتها المصرية.

إنّ ما كتبه الأستاذ والصحافي اللامع الهاشمي الطرودي كان ممتازا وارتقى أحيانا في كتاباته إلى مرتبة الباحث في العلوم السياسية والاجتماعية، لكن هذا لا يمنعننا من إبداء بعض الملاحظات، وهو دور العوامل الخارجية سواء في مصر وتونس. وفي هذا السياق، من الضرورة بمكان الإشارة إلى كون الولايات المتحدة بين 2010 و2012 لعبت دورا مهما في وصول النهضة بتونس والإخوان بمصر. وكان للتطورات الخارجية دور مهمّ في تحوّل سياسات حركة النهضة بتونس، والتي من بينها ضغوط بعض الدول العربية مثل الجزائر الإمارات والسعودية، وكذلك فرنسا والولايات المتحدة بدون أن ننسى سقوط نظام الإخوان. فكل هذه العوامل تمّت قراءتها بأكثر حكمة من الإخوان بمصر. وبرز ذلك من خلال الوفاق على الدستور وخروجها من السلطة. وكذلك قبولها بالهزيمة في انتخابات 2014.

ومن المسائل الأخرى التي لم يتوسع فيها الكاتب كثيرا هو دور المعارضة الليبرالية والديمقراطية وقوى المجتمع المدني مثل الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو ما يمثّل خصوصية تونسية مقارنة بالتجربة المصرية. فالاتحاد في تونس سواء أثناء النضال الوطني أو بعد الاستقلال كان شريكا فاعلا في تحديث المجتمع. أمّا في مصر، فإنّ مؤسسة الجيش منذ عهد محمد علي إلى اليوم كان دورها فاعلا في تحديث المجتمع. ومن أخطاء نظام الإخوان بقيادة مرسي هو عملهم على إهانة هذه المؤسسة العريقة. وعدم قبوله بنصائحها.

الخاتمة: 

لقد مثلّت تجرية الصحفي اليساري اللامع الهاشمي الطرودي أنموذجا إعلاميا رائدا؛ فقد تميز بسعة معرفته، وقدرته الفائقة على التحليل والشرح والتفسير. ولقد مثل أيضا أنموذجا للصحفي الملتزم بقضايا شعبه. وبرز ذلك من مقالاته الصحفيّة. وواصل هذا التوجّه الملتزم في الكتابة أثناء حكم الترويكا مما جعل جريدة المغرب والصحافيين العاملين فيها يتعرضون للهرسلة والعنف والتهديد بالاغتيال. ولقد ساهم فقيد الصحافة التونسية الملتزمة بمشاكل شعبه.

ووقف الهاشمي الطرودي أيضا في مقالاته على خصوصية الحركة الإصلاحية التونسية وتجربة حركة النهضة، حيث أكد أنّ تجربة حكمها تتقاطع في سياستها مع الإخوان في مصر، لكن النتائج كانت مختلفة، مما أكدّ الفكرة المركزية في فكر الهاشمي الطرودي والمتمثلة في الخصوصية التونسية، وكذلك الظروف الدولية. فهذان العاملان أجبرا حركة النهضة على بداية التونسة، لكن هذا المسار ما يزال طويلا.

وفضلا عن ذلك، مثّلت كتابات الهاشمي الطرودي حاليا مصدرا أساسيا للمؤرخين والباحثين في تاريخ الزمن الراهن. ولقد أبان عن حرفية كبيرة وموضوعية لافتة للانتباه يفتقر اليها العديد من الباحثين في مجال العلوم السياسيّة والاجتماعية.

لعبد المجيد

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate