حداثة و ديمقراطية

تحديات الشرعية والديمقراطية(٤).

في المرحلة الليبرالية، ومع نشوء طبقات وسطى حديثة متأثرة بالغرب وبمقولات الثورة الفرنسية، تسعى إلى تسويغ دخولها إلى المجال العام والسياسة والمشاركة في الحكم، ظهرت البرلمانات وأُقرت دساتير شارك رجال الدين في صياغتها، ولاحقاً أصبحت البرلمانات سمة للحكم الليبرالي. غير أن الطبقة الوسطى الحديثة بقيت هامشية في مجتمعاتها التقليدية، وحتى مع صعود وسائل الاتصال الحديثة، فإنها لم تستطع النفاذ إلى العمق الاجتماعي. بالمقابل، تمتع ممثلو الهويات المحلية، وجهاء ورجال دين، بقدرة أكبر على الوصول إلى المجتمع سواء عبر الأشكال التقليدية للعلاقات والولاءات أو بفضل الاستخدام الناجح لوسائل الاتصال الحديثة، فالجريدة والمجلة لم تعد مقتصرة على أنصار الحداثة، فقد نجح التقليديون بدورهم في استخدامها بكفاءة، كما بادروا إلى إنشاء المدارس وتعزيز التعليم وغيره. نجح الفقهاء في معارضتهم للدساتير والقوانين الحديثة التي هددت سلطتهم أو سعت تعزيز المساواة القانونية، سواء بين الأفراد كمواطنين أو حتى الجماعات الأهلية (القانون الفرنسي للطوائف على سبيل المثال).في مواجهة عجز الطبقة الوسطى الحديثة عن تحقيق الإصلاح عبر الديمقراطية مع سيطرة الوجهاء وإفسادهم للديمقراطية لمصلحتهم، اتجهت هذه الطبقة إلى الراديكالية السياسية. كانت الدولة، وفي قلبها الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر حداثة وتنظيماً والأكثر استقطاباً لهذه الطبقات، الرافعة لتنفيذ البرنامج الثوري التحديثي للطبقة الوسطى. في المرحلة الثورية، بررت الدولة نفوذها وسيطرتها بشرعية التحديث، فالمجتمع يئن تحت وطأة التقاليد البالية والرثة بسبب الاقطاع، والدولةُ هي الجهة الوحيدة القادرة على إنجاز التحديث وتحقيق أهداف الشعب. شكلت الإيديولوجيات التحديثية في منتصف القرن العشرين أساس الشرعية للدولة في مواجهة مجتمع منقسم ومتأخر. بالمقابل، فإن الشعب الذي لم تَعنِهِ مقولات السيادة والشرعية والتمثيل انحاز لهذه الدولة الراعية، ووقف أحياناً وبشكل صريح ضد الديمقراطية التي لم تعنِ له سوى حكم الوجهاء. وفي حالة الهلال الخصيب، حيث نشأت الدول كتعبير عن إرادة الاستعمار، فإن الشعب لم يعد يحيل إلى شعوب الدول، بل إلى شعوب تتجاوز الدول، وهكذا فإن سيادة الشعب لا تحيل إلى مواطني الدول نفسها، بل إلى شعب مُتخيل يتجاوز هذه الدول. وهكذا صرنا نقف أمام مفارقة تتمثل في أن النظام يكسب شرعية الحكم عبر نفي شرعية الدولة القائمة التي يحكمها. وبهذا الشكل لم تعد شرعية الحكم تنتظم حول العلاقة الداخلية للدولة بشعبها، بل خارجية مرتبط بالمهمات المطروحة على الدولة.

بشكل موجز، بِدءاً من الاصلاح المدفوع بالرغبة في تعزيز قدرة السلطة التنفيذية (الدولة) على مواجهة الغرب، لم تعن عملية بناء الدولة سوى تعزيز السلطة التنفيذية ومراكمة القدرات في يدها دون أن تترافق مع تأسيس شرعية مستندة إلى استقلال المجال السياسي والتمثيل الشعبي. فالدولة –من ناحية- لم ترغب بمثل هذا التمثيل الذي يهدد مشروعها الإصلاحي من طرف المجتمع التقليدي، أو يهدد سلطة الطبقات المسيطرة على الدولة في مواجهة ادعاءات الطبقات الوسطى الحديثة.

بفضل هذا التحديث للدولة، ظهرت أشكال حديثة من التنظيم البيروقراطي والجيش النظامي والسلاح الحديث، وتضخمت قدرات الدولة بشكل هائل مقارنة بمجتمعها العاجز عن تطوير استراتيجيات موازية لمواجهة هذا الاختلال الخطير في توازن القوى. عجز المجتمع في مواجهة الدولة يجد جذوره سواء في مخيلة سياسية مغايرة لنظام الدولة الحديثة، فلا تعبأ بأسئلة الشرعية والتمثيل والسيادة الشعبية، أو بسبب انقسامات اجتماعية جعلت جماعات مختلفة ومتباينة تتنازع ادعاءات الأمة والسيادة من تحت أو فوق الدولة. ولهذا لم تلعب الديمقراطية والسيادة الشعبية دوراً مهماً في تاريخ النضالات الشعبية، وغابت بشكل كبير عن نضالات مدينية ظهرت منذ بداية العصر الحديث، بل وأحياناً تحركت الجماهير مباشرة ضد الأشكال الديمقراطية ولمصلحة الادعاءات الشعبوية، كما حصل في مصر 1954. بقيت اللحظات الديمقراطية مقتصرة على الفترات التي تداخل فيها النضال مع لحظة الاستقلال الوطني في مواجهة الاستعمار الأجنبي، ولكن الديمقراطية لم تعد مدرجة على أي برنامج نضالي محلي في الدولة الوطنية ما بعد الاستعمارية، وهو ما سبق ودلل بادي عليه. هذا الاختلال يعبر عنه تماماً الاختلال المرتبط بقدرة الدولة العربية الحديثة على مراكمة مصادر القوة المادية، من ثروة وقدرة قمع، وعجزها عن مراكمة واحتكار الرأسمال الرمزي، الشرعية. فلم تؤسس الدولة العربية الحديثة شرعيتها على أساس من العلاقات الداخلية التي تجمعها بمواطنيها، من حيث تمثيليتها لهم وباعتبارها تعبيراً عن إرادتهم الجماعية، بما يلزمها أن تحظى بقبولهم وتولي عناية بآرائهم وتفضيلاتهم في تشكيل سياساتها. بل لجأت إلى إدعاءات شرعية خارجية بالنسبة إلى هذه العلاقة، وتقوم على أساس «مهمة تاريخية» منوطة بالدولة والجماعة التي تحوز السلطة فيها، سواء كانت مهمة تحديثية أو مهمة توحيد قومي. فبقيت مسألة الشرعية غائبة عن علاقة الدولة بشعبها، ومعها تحولت المعارضة إلى مناوءة للدولة ومنازعة تهدد بالفتنة (راجع بادي – الفصل السابع).

صار الوصول إلى الدولة والسلطة غير متاح عبر الديمقراطية أو النضال الاجتماعي أو حكم الجدارة، بل عبر السيطرة على مصادر القوى في جهاز الدولة، الجيش والأجهزة الامنية (بعبارة تشارلز تيللي، الدولة عصابة)، وهو ما تم على أساس العلاقات الأهلية، القرابة والمحسوبية والراعي-الزبون للولاء الشخصي. فنجح المجتمع الأهلي في النهاية في غزو الدولة وإعادة إنتاج تناقضاته الأهلية بشكل جديد عبر الدولة، وطبعاً مضخمة ومستقطبة بما يسمح بالحفاظ على السلطة، عكس التناقضات التقليدية التي عرفتها المجتمعات الأهلية. فصارت الدولة العربية الحديثة في النهاية شكلاً محدثاً للحكم السلطاني/المملوكي، ولكن بقوة فتاكة تتجاوز ما كان للأخير تاريخياً.

في مواجهة مأزق شرعية الدولة، بقيت الديمقراطية معضلة لغياب فكرة السيادة الشعبية عن المخيال السياسي المترافق مع طغيان سياسات الهوية القائمة على التقليد في «المجتمع»، بما يجعله مجرد جماعات عضوية متواجهة. هكذا صارت الديمقراطية موضع نزاع أكثر من كونها محل إجماع في مواجهة تضخم الدولة وتسلطها. في الغرب، كان هناك «لاهوت» الحقوق الطبيعية وحكم العقل بوصفه المساحة التي سمحت للديمقراطية بالاستقرار وتشكيل أمة سياسية من مواطنين أحرار، فيما مجتمعاتنا منقسمة إلى جماعات عضوية تتعرف على نفسها عبر التقليد والهوية، بما يجعل سياسات الهوية السياسة الأكثر حضوراً وهيمنة.

خاتمة

معضلة الشرعية في الدولة العربية لها وجهان، يتمثل الأول في الدولة العربية الهجينة والمتغولة على مجتمعها بدون اعتبار لسؤال لشرعية، ويتمثل الثاني في الثقافة السياسية، بما تعنيه من قيم وترتيبها وذاكرة تحدد الهوية والولاءات، المتخارجة مع منطق الدولة والديمقراطية والسيادة الشعبية. هذا ما يدفع للسؤال عن أشكال أخرى من الاجتماع السياسي تأخذ بعين الاعتبار أنماط الشرعية والانتماء للجماعات الأهلية من ناحية، وحماية الأفراد والجماعات الصغيرة وتقييد سلطة الدولة الحديثة وتغولها على مجتمعها من ناحية أخرى. قُدِّمَت عدة اقتراحات سعت للعودة إلى التقليد لبناء أشكال من الشرعية تؤسس وتدعم النسق السياسي وتُقيّد سلطان الدولة والقائمين عليها، دون إحلال الدولة في الدين ومصادرة التقليد الديني واحتكار الكلام باسمه. وبالتالي جعل التقليد يلعب دوراً موازياً لحقوق الانسان الطبيعية في الغرب كإطار مقيد للسلطة.يدافع رضوان السيد عن إعادة الاعتبار للتقليد الاسلامي في مواجهة المعسكرين اللذين تناوبا على منازعته. الحداثيون الرافضون للتقليد من جهة، والاسلام السياسي الذي فجر التقليد الإسلامي من داخله عبر إحلاله السياسي في الديني وتحديد الشرعية بحاكمية الشريعة ليكون في هذا استمراراً لتقليد الخوارج. وفي مقابل هذه المواجهة وما آلت إليه، استبداد الدولة الحديثة وغياب الشرعية في حالة الحداثيين، والحرب الأهلية والحكم الثيوقراطي في حالة الإسلام السياسي، يدعو السيد إلى إعادة الاعتبار للتقليد عبر تقديم فهم حديث له، مدافعاً عن الديمقراطية والمدنية عبر وضع السلطان في الأمة، باعتبار الدولة والشرعية شأناً مدنياً متروكاً للأمة، في مقابل حفظ السيادة لله. لكن هذه الدعوة تعيد مداورة أسئلة الشرعية مع تخارج الدولة والأمة. فالأمة في التقليد هي جماعة المؤمنين والمعرفة بالتزامها بالشريعة، الأمر الذي يجعل من الأخيرة معيارية في تعريف الأمة لذاتها وأساساً للشرعية بحسب التقليد نفسه.

بدورها، تأخذ هبة رؤوف عِزّت على الإسلاميين سعيهم «لإعادة التأسيس للرابطة السياسية الإسلامية على قاعدة الدولة الحديثة التي تقوم على مصادرة وتقويض مفهوم الجماعة والأمة والناس الإسلامي التعددي»، وتُقدم مخيلة مغايرة قائمة على القيم الإسلامية «وذلك كما صاغه دستور المدينة مؤسساً على مرجعية الشرائع الدينية لجماعات عضوية متحالفة ضد تحول السلطة إلى مُلك، وضمان الحريات في المجال العام وتفصيل الخاص والخصوصية في قضايا القيم والأخلاق والعام والمدني فيها». فعِزّت مدركة للمعضلة التي تمثلها الدولة الحديثة لمجتمعاتها، وللخطر الذي يحمله مشروع أسلمة هذه الدولة من حيث إعادة إنتاجه لتسلط الدولة الحديثة لكن بلبوس إسلامي. في المقابل، تطالب بشكل آخر من أشكال التعاقد بين الجماعات العضوية، يراعي هذه الجماعات ويضمن حقوقها وحرياتها. لكن ما يبقى مطروحاً، كيف يمكن أن يكون شكل العقد الاجتماعي بين الجماعات العضوية؟ هل يضمن مساواة هذه الجماعات أم يخضعها لتراتبيات معينة مشتقة من تقاليدها؟ ويبقى السؤال المركزي، هل يتسق مفهوم التعاقد بالأساس مع مفهوم التقليد والجماعة العضوية؟

هنا تعوزنا الإجابات، وتبدو هذه التصورات متناقضة في ذاتها، فهي في مسعاها إلى بناء شرعية «تعاقدية» للسلطة مستندة إلى الأمة، تَردُّنا إلى الجماعة العضوية التي تشكل هذه الأمة. كما أن التعاقد يفترض مساواة المتعاقدين وحرية مصونة لهم، بينما لا تقدم التقاليد مثل هذه الضمانات، بل إنها تتعارض مع فكرة التعاقد من حيث كونها تقليداً.

لا ينتقص هذا من جدوى هذه المقاربات وأهميتها القائمة على إعادة النظر في الدولة الحديثة ومساءلتها ومساءلة أنماط الشرعية التي تنظمها، وإعادة الاعتراف بالحاجة إلى التقليد لجهة الاستراتيجيات التي اتكأ عليها لتقييد جموح السلطان. لكنها تبقى بعيدة عن تقديم حل للمعضلة الأساسية، والمتمثلة بطبيعة القواعد التي تنظم النسق السياسي وشكل الشرعية التي يستند إليها، وهي أشياء لا يسعفنا التقليد الديني في حلها إلا بردها إلى نسق آخر غير سياسي (ديني)، بما يستدعي الخروج من التقليد نفسه أو إعادة تأسيسه أو مقاربته بطريقة أكثر جذرية، أو أن ننغلق في تناقض الدولة الحديثة والإسلام بما يحتم علينا الاختيار بينهما.

لموريس عايق.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate