حداثة و ديمقراطية

تسييس: وجها السياسة ومعنيها(٣).

أما قضية آرنت حول الحرية كمعنى للسياسة فسيجري تناولها أدناه. 

2

منظوراً إليها كتسييس، تظهر السياسة كمُستمرٍ بين أقصيين: ما هو ساكن وثابت وجوهر، فتدخل فيه المنازعة والتناقض والحركة وتراه كعلاقة، وما هو تنازع محض، فتدخل إليه المفاوضة والتسوية والتوسط. حيث يكون النزاع متفجراً، أي في أحوال الحرب، تحد السياسة منه عبر تسييسه، الذي يعني هنا نقل النزاع إلى حيث يقبل حلولاً سياسية. وحيث نكون حيال طبائع قارة، فإن السياسة تدخل النزاع فيها بالتسييس كذلك، الذي هو هنا فاعلية اعتراض وتقويض، فاعلية ثورية. وإنما لأن السياسة تعني شيئاً مختلفاً بحسب ما تجري مواجهته من أوضاع، فإنها ثنوية جوهرياً مثلما تقدم، هدامة وبناءة، ثورية ومتحفظة، نزاعية ومسالمة.

ومن المفهوم أن نطاق السياسة يضيق حين يقرر طرف رفع حربه فوق المنازعة السياسية، مثلما هو حال حرب الحكم الأسدي ضد الثائرين عليه وعموم معارضيه، أو حرب إسرائيل ضد أي مقاومين فلسطينيين، أو حرب السلفيين الجهاديين ضد العالم الموصوف بالجاهلي أو الكافر، أو «الحرب ضد الإرهاب» التي تتلطى وراءها جميع الدول اليوم. ما يجري هنا هو تطبيع الحرب ذاتها، ويظهر التسييس بالتالي كمنازعة عسيرة للحرب وللتطبيع معاً. ثم أن نطاق السياسة يضيق كذلك حين يعتبر أي طرف سياسي أو اجتماعي متطلع لدور عام أن أفكاره أو قيمه أو تكوينه فوق المساءلة، وليس لأي كان أن يُسيِّسها، يدخل إليها التعدد والنسبية والتاريخية، وينزع إطلاقيتها أو قداستها أو أبديتها. من وجهة نظر السياسة كتسييس، ليس لأي فاعلين عامين، يتأثر غيرهم بتفكيرهم وقراراتهم وتكوينهم، أن يضعوا أنفسهم خارج السياسة أو فوقها. في أي متحد سياسي جمهوري، أي حيث السياسة مشاع، ليس هناك شرعيات سابقة للسياسة أو تعلو عليها.  

الصفة الثنوية، وما سبق قوله عن كون السياسة منطقة بينية وأن التسييس يتحرك في اتجاهين متقابلين، يعطيان الانطباع بأن الطبائع والحرب يقعان على جانبي السياسة. في واقع الأمر هما أقرب إلى قوة موحدة في مواجهة السياسة. كانت الطبائع دائماً في صف الأقوياء، جندية في حروبهم، وهؤلاء احتاجوا دوماً إلى تطبيع امتيازاتهم وسلطاتهم، ووجدوا لأنفسهم سنداً في مطبعين، هم من نسميهم اليوم إيديولوجيين. هذه القوى نفسها هي من تدفع الأمور إلى الحرب حين يجري تسييس فاعليتها التطبيعية أو حراستها للطبائع.

وتنعكس الثنوية الجوهرية للسياسة في ثنوية لفاعلي التسييس. لدينا من جهة من يعملون على الحد من الحرب والمنازعات والتوترات الاجتماعية عبر التفاوض والتسويات. وهذه تتضمن حتماً موازين قوى اجتماعية أو سياسية قلما تتوافق مع تصورات أطراف النزاع للعدالة. بل يمكن القول إن التسويات غير عادلة دوماً، دون أن يطعن ذلك في ضرورة التسويات ووجوبها، ولا في وجاهة مساعي الأطراف الغارمة من التسويات لتعديل الأوضاع على نحو يقلل من غرمها. إذ يغلب أن تكون الحرب في شروط موازين القوى المختلة أقل عدالة من التسويات غير العادلة. فاعلو التسييس هنا هم السياسيون، وهذا هو الوجه المحافظ للسياسة، المتصل بالدول والقوى الاجتماعية المتنوعة التي تستطيع أن تفرض نفسها كفاعلين سياسيين في بنى سياسية قائمة سلفاً. هناك فاعلون سياسيون من نوع آخر، هم مُسائلو الطبائع والثوابت والمقدسات، ويغلب أن يكونوا مناضلين ومثقفين وفنانين، ينطوي عملهم على عنصر تمرد أساسي، يسائل أية مؤسسات أو أوضاع قائمة عن شرعيتها. ميدان السياسة بالتالي لا يقتصر، ولا ينبغي أن يقتصر، على السياسيين بالمعنى الأشيع للكلمة، فهذا يغيب البعد الديناميكي والثوري للسياسة، البعد المنفتح على المجتمع وعلى الثقافة وعلى التجارب الطليعية في التفكير والسلوك والتنظيم. المثقفون النقديون والنسويات وعموم النشطاء الثقافيين إن جاز التعبير هم سياسيون بكامل الاستحقاق.

لياسين الحاج صالح.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate