اصلاح ديني

الحركة الإصلاحية والإسلام السياسي: تباين الفكر والخطاب(٣).

رؤيتان متناظرتان

تبيّن للطاهري، بعد قراءة هاتين الظاهرتين الحركة الإصلاحية والإسلام السياسي “أنهما لحظتان وإن كانتا متتاليتين في التاريخ فهما متناظرتان في الفكر والخطاب؛ إذ مالت الإصلاحية العربية بكل تياراتها عن الاختيار الثقافي الذي ارتآه مؤسسوها الأوائل، وهو الموازنة بين قيم الحضارة العربية الإسلامية وقيم الحضارة الغربية لتحقيق الرقي وتجاوز الانحطاط دون أن يفقد الوجود العربي الإسلامي معناه. وقد تجلى هذا الانحراف عن خط التوازن في ميل الإصلاحية السلفية مع محمد رشيد رضا إلى الانكفاء على الذات، كما يتجلى في ميل الإصلاحية العلمانية مع طه حسين وكتابه (مستقبل الثقافة في مصر) إلى الذوبان في الآخر”.

وقد شهدت لحظة الانحراف عن خط التوازن ميلاد الإسلام السياسي من آخر حلقات الإصلاحية السلفية، وكانت جماعة الإخوان المسلمين بقيادة حسن البنا علامة على انفصال الظاهرتين، وبميلاد هذه الجماعة حدث الانتقال في التاريخ من زمن النهضة العربية إلى زمن الصحوة الإسلامية.

وأما الإصلاحية الليبرالية والإصلاحية العلمانية فقد تحولتا إلى جهاز أيديولوجي يدير مؤسسة الدولة الوطنية الناشئة على أنقاض الخلافة الإسلامية. وهو ما جعل الإسلام السياسي منذ نشأته في حالة تصادم مع الدولة وجهازها الأيديولوجي الليبرالي العلماني.

الديمقراطية من منظور فكري لاهوتي

وقد كان هذا التصادم، في واقع الأمر، علامة على تصدع في صلب الحركة الإصلاحية بموجب انتقالها من حركة لنقد الواقع إلى حركة لنقد التاريخ برمته، كما ظهر جلياً في أعمال طه حسين وشكه في الشعر الجاهلي، وأعمال علي عبدالرازق وشكه في نظام الخلافة، أو إلى حركة لنقد الغرب والشك في قيمه الوافدة بما فيها قيم المعرفة العلمية والحرية والديمقراطية، كما ظهر في أعمال محمد عبده ورشيد رضا وما فيها من ردود على المستشرقين وطعنهم في الإسلام ورموزه.

ويتابع “كانت لحظة التصدع مناسبة لإعادة النظر في اختيار الموازنة والبحث عن اختيار ثقافي بديل مازال الصراع عليه محتدماً في الأوساط الفكرية والسياسية إلى اليوم. وعلى الرغم من كل الثورات التي شهدها العرب، من الثورات التحريرية إلى ما يعرف بثورات الربيع العربي، لم تخلص الحضارة العربية إلى اختيار ثقافي بديل يتجاوز اختيار الموازنة بين الإسلام والغرب، أو بين التراث والحداثة. ولئن سعى الإسلام السياسي بعد موجة الثورات الأخيرة إلى اقتناص اللحظة لفرض اختيار العودة إلى العيش في حدود الإسلام واستعادة أنماط السلوك والتفكير القديمة سواء في مستوى الخطاب أم في مستوى الممارسة، فقد اختارت بعض فصائله الإبقاء على اختيار الموازنة الإصلاحي، وهو ما يظهر بوضوح في تجربة الحكم التي خاضتها بعض الحركات الإسلامية، وما نجم عنها من نصوص ودساتير”.

وأما في مستوى الخطاب فقد رصد الطاهري لغتين مختلفتين “لغة الحركة الإصلاحية كيفما قلبناها لغة سياسية أخلاقية تدور حول مفردات الحرية والاستبداد والعدل والجور والفضيلة والرذيلة، ولغة الإسلام السياسي لغة فقهية لاهوتية تدور حول مفردات الإيمان والكفر والحلال والحرام والخلافة والبيعة والردة والقصاص؛ لغتان مختلفتان تعكسان تصورين مختلفين لمعنى الوجود وتقنيات العيش فيه”.

ليخلص بأن “التصور الإصلاحي مبني على فكرة الحرية وشروطها، من منظور عمراني مقاصدي، وينبني التصور الإسلامي السياسي، في المقابل، على فكرة الشمولية، من منظور فقهي لاهوتي”.

وبين هذين المنظورين المتناقضين تحاول بعض فصائل الإسلام السياسي استعادة المنظور الإصلاحي واستعارة لغته ومفرداته السياسية إلا أن هذه المحاولة، “كما بدا لنا من قراءة نصوص زعيم حركة النهضة الإسلامية التونسية راشد الغنوشي خاصة، فيها الكثير من الاختلاط إن لم نقل المخاتلة؛ لأن لغتها – وإن بدت بمفردات سياسية إصلاحية – شُحنت بدلالات لاهوتية وفقهية، وظل الإنسان فيها لا كائناً حراً مسؤولاً بل عبداً طيعاً أو عبداً آبقاً”.

لمجمد الحمامصي.

العرب- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate