حداثة و ديمقراطية

شرعيةٌ متغلّبة وسيادةٌ مفتّتة(٧).

نحو تقييم عام لعلاقة الشرعية بالسيادة عند العثمانيين

تُستمد الشرعية من ثقافة «العامّة» الشعبية بشكل أكبر من كونها مستمدة من مصدر قانوني، لذلك فقد يُعتبر الشرع الديني هو مصدر الشرعية، وقد يكون الوضع الدنيوي كذلك. قد يكون الحاكم المستبد في ثقافة شعب ما هو الشرعي، وغيره هو اللاشرعي. والحديث عن الدولة السلطانية، هو أمر متعلق بهذه القضية، فهنالك خليفة، خليفة لسائر المسلمين، وإن تعددت الخلافات، وهناك «أهل حل وعقد»، وإن لم يكونوا ممثِّلين ديمقراطيًا، وهنالك شورى، ولو كانت مُعلِمة، لا ملزمة، ولا قيمة لها عند هذا الخليفة. وهنا يمكن القول بأنّه لا تخفى مظاهر الاستبداد عند هذا الخليفة، ومع ذلك، يكون شرعيًا عند الشعب، لكونه يمثّل الشرع، دونما حاجتهم لتمثيل ديمقراطيّ، قد لا يكون متحققاً في وعي الشعب من أصله، لذلك قد ترتبط الشرعية بشكل كبير بثقافة الشعب ومدى وعيه، بينما نجد إن هذه المعادلة غير مقبولة في الثقافة العامة ما بعد الثورة الفرنسية.

يمكن القول إن الدين كمصدر عُلوي، أكثر من كونه بنية اجتماعية أو مؤسسة دينية، هو الذي كان يرفد إرادة السلطان بالشرعية، وكان ينالها فقط عند ظهور قوته الذاتية، هذا ما يتوجّب على السلطان فعله أمام أهم مؤسسة على مدار الدولة العثمانية، المؤسسة العسكرية، التي هي الأخرى كانت تستمد قوّتها من حماية الدين، ولكنها أيضًا كانت تعتمد على شرعية عرفية رسّختها أجيال عن أجيال، والتي هي مؤسسة العبيد kölelik sistemi. وهنا نجد أثر هذه الشرعية المتغلبة على بعضها في سيادة الدولة، فكلما نجد توازناً بين هذه القوى يتحقق الثبات في السيادة للدولة أمام الدول الأخرى، وكذلك في التخلص من عمليات عصيان تهدد مركزية الدولة لصالح سيادات قبلية أصغر.

العلاقة بين الشرعية والسيادة في الفقرة السابقة كان لها كذلك جانب قانوني، هو قانون عرفي أكثر من كونه قانوناً نظامياً، وبالطبع فإن الدين حاكم عليه. هنا نفهم، مرة أخرى، أن الفتاوى الدينية كانت تطلب من أصحاب القوى طلبًا، ولم تكن تفرض نفسها فرضاً. كان شيخ الإسلام يستطيع بفتواه خلع السلطان، وتذييل «قانون الفاتح» بفتوى لتطبيقه، ولكن إذا، وفقط إذا، كانت الإرادة السلطانية تطلب هذا. وبالمثل، مع ضعف السلطان، تأتي قوى العسكر، لدواعي مختلفة، تطلب خلع، ومرات قتل، السلطان، وهنا تتكون سيادة مؤسسية ضمن سيادة الدولة الكلية، بحيث يضطر السلطان للتفرغ لأحوال الداخل على حساب الخارج. وهكذا نفهم كيف أن السلطان قد تنزل مرتبته من حاكم للشرق والغرب إلى قاضٍ بين فرق متنازعة، وهو الحاصل لرتبته التي انخفضت عن سابقها في القرن السابع عشر.

قد لا تكون الشرعية الدينية هنا صلبة مادية متمثلة في مؤسسة ذات تسلط، بقدر ما هي عُلوية سائلة يمكن أن تتشكل وفق قالب القوى المتواجد في الدولة، ولا يعني هذا سهولة الحديث عن صلاح الشرعية المستمدة من الشعب، فكما يمكن استغلال الدين لصالح قوى عادلة أو ظالمة، فيمكن بالمقدار ذاته الحديث عن استغلال شرعية الشعب لصالح قوى مختلفة، وما يحكم في النهاية على وجود شرعية حقيقية هو محاكمة مستمرة حيّة للنظام القائم، وعدم تركه لتوازنات تؤدي إلى هلاك المجتمع.

سأقدم نصّين أخيرين، يمكن استنباط ملاحظات متعددة منهما، متعلقة بهذا الموضوع، وبشأن الدعايات التي هجمت بها الإنكشارية على السلطان سليم الثالث: «انظروا لهذا السلطان! لقد اتفق مع الروس والإنكليز من أجل إزاحة الجيش الإنكشاري، لقد رست سفن الإنكليز في مضيقنا، وكل ذلك بسبب معاونة السلطان لهم، وبالطبع لن يلبث الروس إلا قليلًا من أجل أن نراهم في عاصمتنا، إستنبول، وحتى ذلك الوقت سترون كيف سيتم تحطيم عساكر الإنكشارية واستبدالهم بـ النظام الجديد»18. ثم قالوا في دعايتهم الموجّهة ضد السلطان: «شاه واقف كرك در أحوله.. وكلاء يه قاليرسه واي حاله!!»19، أي «كفى! يجب أن ينتبه السلطان لأمور الدولة، إنّه غير مكترث، ولو تركها للوزراء يا ترى لأي مصير سيرمي الدولة له!».

هذا النص الدعائي الذي يوجهه الإنكشارية، بالدرجة الأولى، يوضّح بالفعل تدخل العسكر في شوؤن الدولة السياسية، ومعاهداتها، أي تقديم أمور الدولة وفق سيادتهم الخاصة وشرعيتهم الضيّقة، دون النظر إلى الحاصل مثلًا في مصر، وحسابات السلطان لما يقوم به نابليون مثلًا، أي تهديد سيادة الدولة الأكبر، والتي هي من وظيفة السلطان. هنا نرى استلاب شرعية السلطان وتفتت سيادته، وعدم وقوفه بالقوة لمثل هذه الأمور، يعني أن الشرعية الدينية التي هي بالدرجة الأساسية من مسؤولية الخليفة، خليفة المسلمين، قد تقلصت لصالح قوى الجيش، أي أنّها أصبحت متغلبة لصالحهم، ورمزيةُ رسو السفن الروسية والإنكليزية المستخدمة في هذا النص تدل على أنّ هذا السلطان يتعامل مع «الكفار» بحيث أنّه تعدّى على الشرعية «المتخيلة» للانكشارية، وفي ذيل تلك الدعاية يعتبرون أن السلطان ما عاد صاحب كفاءة، ووجب اليوم أفوله وخلعه.

كما ويلخّص السلطان سليم الثالث في أبيات شعرية له وضع الدولة العام آنذاك:

باع عالم اجره ظاهر ده صفا در سلطنت     ***    دقت ايتسه كْ معنوي قوغا يه جار در سلطنت

بو زمانكْ دولت ايله كيمسه مغرور اولماسين  ***     كام اليرسه عدل ايله اول دم بجا در سلطنت

كسب ايدر مى وصلتكْ بيكْ ييل ده بر عاشق آنكْ ***   ميل ايدر كيم كورسه اما بيوفا در سلطنت

قيل تفكر اي گوكْل چرخكْ هله دورانكْى      ***         كه صفا ايسه ولو اكثر جفا در سلطنت

بو جهانكْ دولتنه ايلمه حرص وطمع          ***         بك ساكن إلهامي زيرا بيبقا در سلطنت

وترجمة هذه الأبيات:

تبدو هذه السلطنة ذات جلال وبهاء للناظر من جنة الكون *** دقق النظر! ففي باطنها تنادي الخراب والدمار!

لا ينبغي لأي من رجال دولة الدهر هذه أن يبدي الغرور *** فهي تقوى بالعدل الرفيع وحسن الإدارة.

هل كسب العاشق الوصال لعمره مرة في ألف سنة؟    ***    قد يميل القلب! ولكن من يدققّ يجد أنها سلطنة لا وفاء لها!

تأمل لبرهة ماذا فعل دوران أفلاك القلب بها      *** فإن الجفاء يملؤ صفاء هذه السلطنة!فلا تجعل الحرص والطمع عنوانًا لدولة العالم  ***  وانتبه يا إلهامي[سليم الثالث] فإنها سلطنة زائلة!

لمحمد عثمانلي.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate