حداثة و ديمقراطية

تسييس: وجه السياسة و معنيها(١).

هذه المقالة تنويعات على قضية تنص على أن التسييس هو جوهر السياسة، وأنها تطل منه على أفقين: أفق الحرب والنزاع فتسعى وراء السلام، ثم أفق الطبائع و«الثوابت» فتسعى السياسة وراء التحرر الاجتماعي والثقافي. تظهر السياسة من هذا المدخل ثنوية من حيث التكوين والمعنى والفاعلين. ثم إن هذه المناقشة تصدر عن مسلمة تقضي بأن السياسة مشاع، ملك عام لجميع الناس في متحد سياسي ما، أي أنها شأن جمهوري.

لأغراض هذا التناول، نعرف السياسة بأنها منطقة من الفاعلية البشرية، تضيق وتتسع بين حدين: الحرب والطبائع، ما هو صراع وتغير محض وما هو ثابت لا يتغير. يتسع نطاق السياسة بتسييس وضع الحرب، أي السعي وراء حلول سياسية لها في صورة تسويات ومساومات وتنازلات متبادلة. ويتسع كذلك بتسييس ما يفترض أنها طبائع اجتماعية وسياسية مستقرة، أي المنازعة فيها وإثارة الشكوك في عدالتها وشرعيتها. المقصود بالطبائع التسليم بـ «طبيعية» أوضاع معينة، بصورة تضفي عليها من الشرعية والبداهة ما يرفعها فوق الجدال والمساءلة. من ذلك مثلاً الوضع التابع للنساء، أو اعتبار الرأسمالية النظام الطبيعي والعقلاني والأبدي، خلافاً لما سبقها من أنظمة اعتبرت مصطنعة وغير عقلانية، ومتغيرة تاريخياً، مثلما سخر ماركس في زمانه. ويتصل بذلك اليوم ومنذ انطواء الحرب الباردة، اعتبار الرأسمالية من جديد النظام الطبيعي الوحيد الذي لا بديل له، وهو ما حكم بانتقال التدبر البشري إلى قضايا الهوية والحدود بحسب توما بكيتي، وبعيداً عن تغيير النظام الاقتصادي الاجتماعي. ومن القضايا المُطبّعة كذلك اعتبار السود أقل شأناً من البيض على ما كانت تقضي النظريات العنصرية، وما يتصل بذلك من اعتبار البيض مستحقين لنصيب من ثروات العالم وموارده أكثر من الشعوب الملونة المتخلفة وغير المتحضرة. ومنها فيما يخصنا اعتبار المسلمين أعلى شأناً من غيرهم في مجتمعاتنا، وأن هذا يجب أن يُنص عليه في دساتير الدول. ومنه الكلام المتواتر على طبيعة إسلامية لمجتمعاتنا، توجب استثناء لمجال الإسلام من التزامات إنسانية عالمية مثل حقوق الإنسان والمساواة بين النساء والرجال. ثم منها تأبيد الحكم الأسدي في سورية، جعله طبيعة لسورية فلا تكون دون أن يكون. ومنها كذلك تطبيع إسرائيل كدولة يهودية وككيان ذي حاجات أمنية أرفع شأناً من قيم العدالة والمساواة والحرية للفلسطينيين والعرب. الأمثلة لا تحصى، ذلك أننا لا نكف عن تطبيع أحوال وأوضاع، إضفاء صفة العادية والسواء عليها، أو حتى المثال المرغوب والقدوة الأصلح، أوضاع قد يعمل بعضنا على منازعتها والتحرر من قبضتها. ومن المفهوم أن عمّال التطبيع في الأمثلة السابقة هم في معظمهم رجال، أو رأسماليون، أو بيض، أو مسلمون، أو أسديون، أو يهود صهيونيون.

لياسين الحاج صالح.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate