اصلاح ديني

الحركة الإصلاحية والإسلام السياسي: تباين الفكر والخطاب(٢).

مساحات التباين

يلفت الأكاديمي إلى أن “واو” العطف الجامعة بين الإسلام السياسي والحركة الإصلاحية في العنوان قائلا “إن عطف حركات الإسلام السياسي على تراث الحركة الإصلاحية يعني أن العلاقة بين المعطوف والمعطوف عليه هي، في الوقت نفسه، علاقة وصل وعلاقة فصل، وهذا يعني أننا سنعثر في ثنايا البحث عن المنجز الفكري والسياسي في المرحلتين الإصلاحية العربية والإسلامية السياسية عما يفيد ترابطاً بينهما، سواء كان هذا الترابط بمعنى أن الثانية استمرار للأولى وتطوير لها، أم بمعنى أنها إعادة إنتاج لما أنتج من قبل بما في إعادة الإنتاج من تشويه. فضلاً عن أننا سنعثر على ما يفيد الانفصال والقطيعة بين تراث الحركة الإصلاحية وتجارب الإسلام السياسي، سواء كان الانفصال بمعنى أن الثانية تجاوزت الأولى تجاوزاً نقدياً أم أنها ارتدت عليها وانقطعت عنها لتعود بنا إلى ما قبل لحظة الإصلاح.

ويوضح أن ما دعاه لإنجاز هذه الدراسة أن الكثير من حركات الإسلام السياسي تعد نفسها حركات تصحيحية ترمي إلى إعادة بناء الفرد والمجتمع والدولة على أسس مغايرة وبأنماط تفكير وسلوك مختلفة عن الأسس والأنماط التي أنتجتها الحركة الإصلاحية منذ ظهورها في القرن التاسع عشر إلى أن طُوِي ملف النهضة وفُتِحَ بدلاً منه ملف الدولة الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين. وأن منها من ترى في نفسها استمراراً للحركة الإصلاحية.

وفي مقابل ذلك، يرى خصوم هذه الحركات من السياسيين والمفكرين أن الإسلام السياسي ظاهرة فكرية سياسية اجتماعية ارتدت بالعرب والمسلمين إلى ما قبل عصر الإصلاح أو عصر النهضة العربية الحديثة، وأنها تعمل على الرجوع بالفرد والمجتمع والدولة إلى ماضٍ متخيل، متجاهلة المكاسب الحضارية التي أنتجتها الحركة الإصلاحية على الصعيدين المادي والرمزي.

موقفان اثنان ينفي الواحد منهما الآخر؛ إذ تصر حركات الإسلام السياسي على ما بينها وبين الحركة الإصلاحية العربية من قرابة فكرية، وأنها إذاً صيغة أخرى من صيغها، أو هي وريث لها من بين ورثة آخرين، ويتمسك خصومها في المقابل بوصفها نفياً للحركة الإصلاحية وارتداداً عليها ونسفاً لمكتسباتها، أو هي، في أفضل الأحوال، إعادة إنتاج للحركة الإصلاحية على نحو مشوه يعكس قصورا في فهم المشروع الإصلاحي العربي ورهاناته.

وينطلق الطاهري في دراسته من ثلاثة محاور رئيسية: الأول فهو محور الحركة الإصلاحية وفيه يتناول بالتحليل الإشكاليات التي واجهت زعماء الإصلاح ومنظريه، والطرق التي انتهجوها لحل تلك الإشكاليات، والنتائج التي توصلوا إليها نظرياً وعملياً بعد قرابة قرن من المعاناة الحضارية، التي بفضلها انتقل العرب والمسلمون إلى مرحلة الدولة الوطنية بعد أن كانوا رعايا إمبراطوريات متعاقبة.

وأما المحور الثاني فهو حركات الإسلام السياسي، وفيه يتناول بالتحليل الإشكاليات التي واجهت هذه الحركات والأساليب التي توختها لتجاوز تلك الإشكاليات بفرعيها النظري والعملي، والنتائج المترتبة على ذلك، التي بسببها عاد العرب والمسلمون من جديد إلى سؤال الهوية (من نحن؟) وسؤال المأزق الحضاري (كيف ننهض؟).

وبعد ذلك يأتي المحور الثالث، وهو بيت القصيد كله، وفيه يرسم خطاطة فكرية سياسية تسهل عليهم الوقوف على ما بين حركات الإسلام السياسي وتراث الحركة الإصلاحية من مساحات التقاطع والتباين. خطاطة من شأنها بيان الحدود الفاصلة الواصلة بين الظاهرتين؛ أي ظاهرة الإصلاح العربي وظاهرة الإسلام السياسي، ولكن ذلك يستوجب حتماً الإحاطة بالظاهرتين معاً في حالتي الانفصال والاتصال.

لمحمد الحمامصي.

العرب- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate