حداثة و ديمقراطية

من أجل عالم قابل للعيش.

نعيش في اللحظة الراهنة أوقاتاً غير مسبوقة، ليس فقط بسبب العنف الهائل الذي نشهده والتوثيق الشامل لهذا العنف -وهو أمرٌ لا يُصدَّق كما نصفه دائماً-، ولكن أيضاً بسبب هذا الإفلات المُعمَّم من العقاب، وبسبب اللامبالاة الكاملة والتدمير الذي باتَ اعتيادياً.

إن مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية يواصلون الظهور على قنوات التلفزة، كما تتم دعوة السياسيين من أصحاب خطاب الفاشية والكراهية إلى جميع المنصات. هذه الاعتيادية شديدة التدمير، لأنها تقضي على فكرة «العالَم» بوصفه مكاناً لمستقبلٍ ممكن، مكاناً لنظامٍ إيكولوجي يستطيع فيه البشر التبادل والتعلّم بالاستناد إلى ذاكرتهم، ويستطيعون فيه الازدهار وتَجنُّبَ الأسوأ.

إنه لأمرٌ مرعبٌ بالنسبة لسوري أن يرى الأوكرانيين وهم يحملون حيواتهم في أكياس بلاستيكية ويغادرون، أن يراهم ينصبون خياماً زرقاء في مخيماتٍ مؤقتة. هذا الديجافو شديد الغرابة والغروتيسكية إلى درجةٍ لا تُطاق، لأنه يبشر بـ«اللا عالَم»، بالأنوميا (اللامعيارية) التي تؤدي إلى تغريب الروح.

إن هذا الرعب المتكرر مقرف، والصفة الفرنسية (im-monde) موفقةٌ جداً في وصفه. يتم تعريض المُمكِن للخطر، فيغدو كلُّ شيءٍ مستحيلاً. نصحو من نومنا في بعض المرات مصابين بنوبات هلع، فنحمل خريطةً للكرة الأرضية لنرى أين يمكن لأطفالنا اللجوء مرةً أخرى، فلا نجد أي مكان. كل الأماكن مهددة ووثيقة الاتصال ببعضها بعضاً. 

نعرف، نحن السوريون، الآثار الوخيمة لهذا التكرار المرضي، فتاريخنا المعاصر محكومٌ بقاعدةٍ واحدة: المجزرة. مثل التي حدثت في حي التضامن جنوبي دمشق، والتي شاهدناها قبل أيامٍ قليلة بالصوت والصورة. يدفعنا هذا التكرار، مجزرةً إثر أخرى، إلى الجنون، وإلى العدمية واللامعنى. لا نريدُ «سَورَنَة» العالم بحسب تعبير ياسين الحاج صالح، فعالمٌ مُسورَن سيكون بالغ الخطورة.

إن لقاءنا اليوم تأسيسيُّ على عدة مستويات؛ لأنه يعيد خلق بداياتٍ لـ«عالَمٍ» ممكن؛ عالَم من التبادل تستطيع الأطراف جميعها أن تساهم فيه. 

نحاولُ في هذا المقال ليس بوصفنا سوريين فقط ولكن قبل كل شيء كمجموعة وكمؤسسة، مقاومةَ انعدام المعنى الناتج عن تكرار العنف. حتى إننا كتبنا بياناً للدفاع عن التفاجؤ وعن براءة العالم المنقوشة في التفاجؤ، وضدَّ السينيكية. لم نشعر بالتعب، وكنّا قبل أيام أولَ منصةٍ ناطقةٍ بالعربية تنشر التحقيق المتعلق بمجزرة التضامن التي وقعت في أحد أحياء دمشق عام 2013، والتي بلغ عدد ضحاياها واحد وأربعين إنساناً. يعني الحفاظ على الغضب والاستياء في مواجهة الرعب أن هذا الرعب ينبغي أن يظلَّ غير مُتوقَّع، أن يبقى عرضياً وأن لا يكون هو القاعدة. ولكنّ هذا الغضب، وهذا التفاجؤ في مواجهة العدمية، يتطلبان جهوداً وإرادةً هائلةً للتغلب على التحريف والجنون وإنكار المذابح. إنّ التحريف وإنكار المذابح ينتصران فقط عندما يُطِلُّ التعب وانعدام المعنى برأسيهما.

أنتم، الزملاء والحضور والقائمون على المؤسسة، تشكلون «العالَم» لكونكم صدىً لأصواتنا من خلال اعترافكم بمهمّتنا وعملنا، وقبل كل شيء، من خلال إدراككم لتفاجؤنا من الحالة الراهنة للعالم. طقوس اليوم والجائزة هما بمثابة الإجابة بـ: «نعم، نحن نستمع إليكم. نعم، نحن في العالم ذاته. نعم، نفهمُ تفاجؤكم وسخطكم. نعم، نحن نعيش في العالم ذاته، وكذلك قلقون بشأنه». الاعتراف، كما صاغه الفيلسوف الألماني أكسل هونيث، هو ركن الديمقراطية الأول؛ الركن الأول من «العالَم». نحن وأنتم نؤسس لعالَمٍ ممكن.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate