حداثة و ديمقراطية

شرعيةٌ متغلّبة وسيادةٌ مفتّتة(٥).

أقنعة شرعية لسيادة واقعة

كذلك يمكن الحديث عن الأمانات المقدسة وآثار الرسول التي تعطي العديد من الإشارات والشرعية للحاكم، ومظاهر دينية أخرى كترميم القانوني لقبة الصخرة المروانيّة، والخوف من معاداة الشريعة في قوانينه التي أراد دفنها في عمامته الشاهانيّة -السلطانية- معه في الكفن. 

كان المبدأ الذي سنّه المسلمون (من يُعرفون بمتكلمي أهل السنّة والجماعة) في الأدبيات السلطانية، المعروف بـ«فقه التغلّب»، هو الأساس «الخطير» الذي جيّر الخلافة لصالح غير قريش، ومع فتاوى مختلفة هنا وهناك، شرّعت خلافة سليم الأول، وهي فتاوى أمر واقع أكثر من كونها نابعة من تشريع ذاتي، فهو لم يكن محتاجاً لها ولا منتظراً نزولها من السماء حقيقة.

مع عدم نسيان أن مفهوم الخلافة من أصله يعني خلافة الإنسان للكون وفق القرآن، ومع اختلاف المختلفين حول نوع هذه الخلافة، إلا أن الإنسان في النهاية هو كائن سياسيّ، ولا بد له من فهم المصطلح الديني تحت مضمون السيطرة على الكون، ولا خلاف في هذا بين الإنسان القرشيّ والعجمي. فحين تكشَّفَ الفراغ في سلطان الخلافة العبّاسية، وكانت الظروف مواتية، عندها جاء «بادشاه» [سلطان] الخلافة العثمانية؛ جاء في مناح مواتٍ جدًا، مع جمع من الظروف أهمّها كون هذا الباشاه سنّيَ العقيدة، والظروف الأخرى القابلة لطرح فتوى نقل الخلافة، وثالثها الفراغ الإمبراطوري الكوني لأهل السنة، لكون سيادة الخليفة العباسي قد تعرّضت لنوع من الصدأ بحيث ابتلع المغول قلب الفريسة، ولم تستطع جهود قطّز «العظيمة» استكمال نصره في عين جالوت لتأسيس خلافة سنيّة كونية. ولم ينته هذا التآكل في السيادة بنقل مقامه إلى مصر ومحاولة اقتيات المماليك على العظام المتبقية من سيادة العباسيين في سبيل نيل الشرعية عبر وجود الخليفة في مصر. هنا، ومع هذه الدماء، كان المسلمون قد قبلوا «مبدئيًا» بالحجامة العثمانية لدمائهم.

وكون السلطة لشيخ الإسلام في خلع السلطان، جعلت من الشرعية، شرعيةً دينية، قد لا تكون كَنَسية، ولا يشترط بنا تشبيهها لا بما حصل في أوروبا، ولا بما حصل في الصين حتّى، ولكنها تحت شروط دينية في النهاية، سلطة شيخ الإسلام، وهيمنة السلطان على الحكم، واعتبار جيوش الانكشارية ووزراء الدولة أبناءَ السلطان وعبيده المطيعين، عبيد من نوع آخر، جيش يستعبد نفسه للسلطان ولكنه يسمح بقتله، كما حصل مع أكثر من سلطان؛ عبيدٌ كان بإمكان أحدهم أن ينال منصب رئيس الوزراء “الصدارة العظمى”، وأن يتحكّم بمناطق حساسة في الدولة مثلًا: (محمد باشا الصقلّي، إبراهيم باشا المقبول، كيديك أحمد باشا، ووزراء «الدولة داخل الدولة» من عائلة كوبرولي). كل هذه المعادلات المعقّدة هي التي كانت محلّ النزاع في مقتبل عملية التغريب، التي أراد منها العثمانيين ولوج ساحة العالم مرّة أخرى.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate