حداثة و ديمقراطية

شرعيةٌ متغلّبة وسيادةٌ مفتّتة(٤).

الشرعية القانونية والعرفية

كذلك لا يمكن إغفال العادات التركية التي جلبها العثمانيون متأثرين من أسلافهم السلاجقة، ومن بدو التركمان في الأدبيات التركية السابقة لدخولهم الإسلام، في التأسيس لجعل القدر الإلهي سببًا في اختيار السلطان، وإعطاءه الشرعية لذلك. ذُكر في التراث السياسي التركي «يا بخت اولا، يا تخت اولا»، وهي عبارة تشي بنوع من ولوج هذه الثقافة ليس فقط عند إسلام الترك، بل وإبّان اختلاط ثقافتهم بالتراتيب الإدارية الفارسية، وهي تعني: إما يأخذك بختك للمقتل أو تصعد على تخت -عرش- الحكم.مثل ذلك نجده في تشريع الفاتح لقتل الإخوة بقوله «وأولادلرمدن هر كيمه سلطنت ميّسر اولا، قارنداشلرى -نظام عالم ايجون- قتل اتمك مناسب در، بو أتام وددم قانونى در، وبنم داخى قانونمدر، بونى أكثر العلماء تجويز اتمشدر، انكْله عامل اولا لر»13، أي «وإن تيسرت السلطنة لأحد من أبنائي، فإنه ومن أجل المصلحة العامة يصح له قتل إخوته، إن هذا قانون آبائي وأجدادي، وهو كذلك قانوني، ولقد أجاز [أكثر؟] العلماء ذلك، فليُعمل بموجبه حالًا». وهكذا فإن التيسير وترك الأمور للقدر والظروف هو ما يُفهم من هذا القانون، والحظّ السماوي kut لدى الشامان هو ذاته القدر الإلهي لدى مُسلميّ الترك14.

وضع السلطان الفاتح القانون، ولكن غير المتدارك لدى بعض الكُتّاب في هذا المجال هو أن هذا القانون ليس مفروضًا على من يأت من بعده، فكان يمكن مثلًا للسلطان بايزيد الثاني أن يغيّره، إلا أن قوة شخصية حفيد الفاتح، سليم الأول، خليفة العالم المستقبلي، جعلته يستعمله بشكل أساسي في مواجهة تهديد انقسام أبناء بايزيد، أي أنه استعمله كنوع من الغطاء القانوني kılıf. غير أن حالة الحرابة بين سليم وإخوته ليست مطابقة لحالة القانون المسنون، فمن الذي يستطيع الوقوف أمام كلمة فاتح القسطنطينية ومحقق حديث النبي محمد! ثم تلاه سلطان لا يقل قوّة عمّن سبقه، القانوني سليمان، الذي كان بيده التغيير، وهو لم يطبق قانون الفاتح في قتل مصطفى ولا ابنه بايزيد، ولكنه كان مواتيًا لحالة أحفاده، أبناء بايزيد، وطبعًا كانت إشارة شيخ الإسلام أبو السعود، صاحب تفسير القرآن المشهور عربيًا أكثر مما هو مشهور عند الأتراك، كافية لطمأنة القانوني بخصوص هذه العملية، لحماية الدولة والتضحية بالدماء الشريفة للسلالة.ما أريد الإشارة إليه هنا هو أن أي سلطان قادم كان بإمكانه تغيير هذا القانون، فعندما نقول إنّ أحمد الأول (1617)، الذي واجه في عصره العديد من التحديات، منها ثورات الجلالية، وكذلك تغيرًا خطيرًا في سيادة الدولة المعنوية، إذ كان في عصره أوّل اعترافٍ عثمانيٍّ بمساواة السلطان العثماني بأباطرة أوروبا، وزوال استعلائه عليهم15، هو من «رفع» قانون القتل في وراثة العرش، وعلى ضعف الظروف في عهده، فإنه بالتأكيد كان بإمكان من هم أقوى منه أن يغيّروا هذا القانون، أي إننا أمام نوع من إرادة السلطان مرة أخرى، التي هي نافذةٌ وبشكل قوي. ولو كان السلطان أحمد الأول، الشاب الذي لم يتعدّ العشرين من عمره، قد فرض سطوته على العلماء المُقرين لأفعاله، وعلى العسكر الذين سيهددون ابنه عثمان الثاني من بعده، فهنا يمكن القول إن القانون هو قوة السلطان بالدرجة الأولى.يجب التأكيد على أن السلطان أحمد الأول رفع القانون، ولم يقم بإلغائه، فكان كل سلطان قادم من الممكن أن يطبق القتل أو يرفعه. طلب عثمان الثاني تطبيق القانون لقتل أخيه الصغير محمد أثناء ذهابه لغزو بولونيا، من شيخ الإسلام أسعد أفندي، إلا أنّه لم يعطه الإذن، فما كان من عثمان إلا الذهاب لقاضي العسكر في منطقة إيالة الروم16 (رتبة دينية أقل من شيخ الإسلام) كمال الدين أفندي، وأخذ الفتوى منه.

اعتمد محمد الفاتح على وجود مذاهب، أو أقوال في مذاهب سابقة، في إقرار قانونه، ثم كانت الفتاوى التي يستجدُ الحصول عليها من شيخ الإسلام أو من غيره حين اللزوم، لتثبيت الحالة وتطبيق هذا «القانون»، أو لنقل مقولة السلطان المعرّضة للتغيير مع مجيء كل سلطان جديد. وكما يتضح، فإن الإرادة في النهاية بيد السلطان، ولكنها محتاجة لفتوى دينية، ويمكن الحصول على هذه الفتوى في حال الطلب، بحيث لم يتم الحديث عن «قانون» بمعنى القانون إلا عند تطبيق القانون الأساسي في عام 1876، وغير ذلك لم يكن هنالك ما يعني كلمة قانون أكثر من كونه عرف وعادة töre، وهنا يتّضح معنى من معاني الدولة السلطانية، المتمثلة بإرادةٍ ذاتِ شرعيةٍ متغلبةٍ، وسيادة مفتتة بين مؤسسات [أحزاب؟] الدولة، والتي أراد السلطان سليم الثالث (1807) تغيير معالمها وتنظيمها، أي الحديث عن موجة القوننة الحقيقية Kanunlaştırma التي أراد البدء بإنفاذها، وجاء ابن عمّه محمود الثاني ليقيمها بعده.

لمحمد عثمانلي.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate