اصلاح ديني

التنظيمات الجهادية في المغرب العربي.. صراع محتدم

ما تزال منطقة المغرب العربي (الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس) تشهد، حتى اليوم، وجود موطئ قدم للجهاديين؛ حيث تنشط جماعات وخلايا جهادية تمثل تهديداً كبيراً أو محدوداً للدول، لكنّها في جميع الحالات تجتذب اهتمام السلطات؛ ففي ساحة تعاني غياب الاستقرار إلى حدّ بعيد، مثل؛ ليبيا، تتمتع الجماعات الجهادية بوجود قويّ، ويتنامى نفوذها، بينما في دول أخرى، مثل؛ المغرب والجزائر وتونس، تواجه السلطات كافة صور هذا التهديد منذ أمد بعيد، أما في موريتانيا؛ فقد ظهرت الجماعات الجهادية إلى النور قبل أعوام معدودة، رغم أنّ التهديد الذي تمثّله وتغلغلها الحثيث في دول الجوار بمنطقة الساحل الغربي تدفع لا محالة للتفكير بصوة جدّية في هذا التحدّي.

الجزائر
دقّ مصرع سبعة عسكريين على يد جماعة جهادية في منطقة بيسي بدائرة عزابة، الواقعة بولاية سكيكدة الجزائرية، حيث تقود جميع المؤشرات إلى أنّ تنظيم القاعدة في المغرب أعاد تنظيم صفوفه، ناقوس الخطر، في 30 تموز (يوليو)، الصيف الماضي، بالنسبة إلى السكان والسلطات، مذكّراً إياهم بأنّ “بقايا” التهديد، أو هكذا كان يوصف منذ أعوام طوال، ما يزال قائماً.

تعتقد بعض المصادر بأن أمير تنظيم القاعدة في المغرب “أبو مصعب عبد الودود” متواجد داخل الأراضي التونسية

تقع سكيكدة في قلب منطقة عسكرية مركزها هو مدينة قسنطينة، ولقي هؤلاء العسكريون مصرعهم أثناء مواجهة راح ضحيتها أيضاً أمير مجموعة “كتيبة الغرباء”، حمودي عمار، الملّقب بـ “محمد أبو ضرار”، وثلاثة من رجاله.
ويذكّر هذا الهجوم الدموي بأنّ الجماعات المتطرفة لا توجد فقط في أقصى الجنوب، على الحدود مع دول منطقة الساحل؛ بل تشن أحياناً الضربات في الشمال مستغلّة حالة الفوضى التي تعاني منها كل من تونس وليبيا. وتعد الحدود الجزائرية-التونسية همزة الوصل بين الجماعات والخلايا الجهادية، وتعتقد بعض المصادر بأن أمير تنظيم القاعدة في المغرب، عبد المالك دروكدال، المُكنّى “أبو مصعب عبد الودود”، متواجد داخل الأراضي التونسية؛ حيث ربما يكون قد أصدر منها تعليماته التي نفذّها حمودي عمار ومجموعته بالهجوم على الجيش خلال الصيف الماضي.

في سياق آخر؛ لقي طفل مصرعه، وتعرض خمسة أشخاص آخرين لإصابات خطيرة، في 20 آب (أغسطس) الماضي، نتيجة انفجار مقذوف مخفي قرب معسكر للجيش بمنطقة تامزيابت في مدينة البويرة، بعد استحضار هذه الوقائع المفجعة؛ من الضروري أيضاً إبراز أنّ الجهادية تنعكس اليوم في الجزائر في صورة تدفق لا يتوقّف من المتطرفين الذين يجري القبض عليهم أو تسليمهم، وترسانات الأسلحة التي يكتشف أمرها عناصر الجيش أو الشرطة، بشكل عام، في أقصى جنوب البلاد، رغم رصد بعضها في مناطق أخرى بالداخل الجزائري، وكل ذلك بينما يتعين على الدولة بذل مجهود هائل ومستدام، في الوقت ذاته، لتأمين الحدود الملتهبة الفاصلة عن مناطق غارقة في حالة من انعدام الاستقرار، سيما جنوباً (الساحل)، وشرقاً (ليبيا)، وقد يكون صحيحاً أنّ عدد العمليات التي تسفر عن القضاء على إرهابيين شهد تراجعاً، مقابل ارتفاع عدد العمليات التي تنتهي باستسلامهم وأسرهم، وهو الاتجاه الذي يمكن ملاحظته بمقارنة حصيلة عامين 2017 و2018.

ولتوضيح هذا التحوّل تجدر بنا الإشارة إلى أنّه، في شهر واحد فحسب، أيلول (سبتمبر) 2017، ألقي القبض على 19 شخصاً لانخراطهم في صفوف جماعات متطرفة، وستة آخرين لضلوعهم في الهجوم الذي استهدف مقرّ دائرة الأمن في منطقة تيارت، ومصادرة عدد كبير من الأسلحة بحوزتهم، أما في أيار (مايو) 2018؛ فقد سلّم خمسة إرهابيين أنفسهم وأسلحتهم للسلطات، منهم ثلاثة في مدينة تامنرست، واثنين آخرين في سكيكدة بالشمال، فيما تمّ تفكيك تسع قنابل منزلية الصنع بمدينة تيزي وزو عاصمة منطقة القبائل، وفي الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 2018، سلّم إرهابي نفسه في تامنرست ثم سلّم آخر نفسه، في 10 شباط (فبراير) 2019، بعين أميناس، التي شهدت، في كانون الثاني (يناير) 2013، هجوماً مؤلماً من قبل الجهاديين بالسيطرة على حقل غاز في تيقنتورين، بالمثل، في شباط (فبراير) 2019، وفي مدينة أدرار الجنوبية على الحدود مع مالي، اكتشفت وحدات عسكرية مخزناً ضخماً للأسلحة الخفيفة وكميات هائلة من الذخائر (13 قذيفة هاون عيار 82 ملم، وخمسة صواريخ طراز “بي إم-21” عيار 122 ملم وأنواع أخرى)، كما تسنّى تفكيك مخزناً آخر، في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بمنطقة برج باجي مختار الحدودية، جنوب الجزائر أيضاً.

ورغم العمليات الإرهابية وضغط الجماعات المسلحة الجهادية السلفية، إلا أنّه لا يجب التغافل سواء في الجزائر، أو باقي دول منطقة المغرب العربي، عن دراسة وتحليل صور العنف المتطرف، ونشير بذلك إلى الترويج لهذه الأيدولوجية عن طريق أشخاص وجماعات وأحياناً عبر قنوات تلفزيونية، مثل شبكة “النهار تي في” بالجزائر، بهدف إحداث عملية إعادة أسلمة للمجتمع ما يؤدّي لتوفير الظروف المواتية لنشر الفكر الإسلاموي الأصولي، لكنّ الخلفية تتضمن كذلك عاملاً مثل موقف جهات من بينها مجلس أئمة الجزائر ووزارة التعليم، التي تقودها الوزيرة نورية بن غبريط، الرافض لتنفيذ الحدّ الأدنى المطلوب من إصلاح التعليم، الذي تسعى هذه التيارات للإبقاء عليه كما هو، وإضفاء نزعة رجعية عليه؛ حيث تظل الأولوية لتدريس اللغة العربية، وإهمال دراسة مواد مثل العلوم الطبيعية أو الفيزياء.

ويحدث الأمر نفسه، مع كثرة ظهور رجال دين ذي خلفية سلفية على وسائل الإعلام، وأبرزهم ربيع المدخلي، وكذلك في عدد من المساجد بمختلف أنحاء البلاد، على الجانب الآخر؛ ظهر الحضور والضغط الاجتماعي لجماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، ممثلة في حركة (مجتمع السلم) ذات الخبرة، حركة (النهضة) سابقاً، بوضوح في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، في صورة التصريحات التي أدلى بها زعيم الحركة عبد الرزاق مقري، وأبدى خلالها رفضه لزيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للبلاد.

لعلي نوار.

حفريات- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate