اصلاح ديني

 أين الخلل في البنية العقلية الجهادية المعاصرة؟(١).

مع كل جريمة يقترفها الإرهابيون، تفقز الأسئلة على سطح النقاشات، مثل: لماذا يفعلون هذا؟ ما العائد عليهم وعلى أوطانهم؟ وكيف سمحوا لأنفسهم أن يكونوا بهذه القسوة؟ كيف تم تجنيدهم؟ إلى آخر هذه الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات شافية عنها.

ولعله من المفيد أن نقترب أكثر في مهمة تشريح البنية العقلية الجهادية لنفهم كيف يفكرون؛ ونتعرف على مواطن الخلل، ثم نقترح بعضاً من الحلول العلاجية.

يصعب سبر غور العقل الإسلاموي بشكل تام نظراً للتخوف من الاشتباك مع الإسلام التقليدي الرسمي.

أجد أنّ من الضروري أن أحدد مقصودي بـ”البنية العقلية” في هذا المقال، وأقصد به الإطار الفكري والمعرفي الذي على ضوئه يحدد منظور المسلم للعالم من حوله، سواء نظرته للآخر أو للمجتمعات، أو لدوره في الحياة.

في البداية، وبكل صراحة، أقر بصعوبة سبر غور العقل الإسلاموي بشكل تام، نظراً للتخوف من الاشتباك مع تراث الإسلام التقليدي الرسمي، فثمة تقاطعات بينه وبين الفكر الجهادي؛ فكلاهما يعتمد على ذات النصوص الفقهية التأصيلية التي تشرعن العمليات الإرهابية، فيتهيب الباحثون خوض غمار تلك المغامرة العقلية.

يظل الفكر الجهادي صورة غائمة لدى الكثير، والتصور الغائم لا تنبني عليه حقائق، وبالتالي يظل الجهاديون ينتجون أفكاراً، ويستقطبون أفراداً ينفذون عملياتهم الإرهابية، والمجتمع العربي والإسلامي لايزال يتساءل.

أسس البنية العقلية الجهاية، قائمة على أربعة أركان هي كالتالي:

أولاً: التصور “الفلسفي” لطبيعة الإسلام والمسلمين

هل هو دين لكل الناس ولكل العصور، ومن حق كل عصر أن يتعبد بالإسلام بطريقته، أم أنّ عصر التأسيس (عصر النبوة الكريمة والخلفاء الراشدون الأربعة من بعده) هو النموذج الوحيد الصحيح، وأنّ على جميع المسلمين إعادة تمثيله في حياتهم المعاصرة (أي استنساخه)؟ إنّ احترام فترة تاريخية معينة لا تعني أبداً المطالبة بتكرارها حرفيا، أو أن من لم يكررها بحرفيتها هو فاسق أو ظالم أو كافر. وتكون المطالبة باستنساخها أحياناً تدل على عطب فكري، هذا العطب لا يقع على الإسلامويين وحدهم؛ بل يشاركهم أصحاب الخطاب الإسلامي التقليدي والرسمي، فالجميع يطالب المسلمين بإعادة إنتاج فترة الرسول، صلى الله عليه وسلم، والصحابة، رضي الله عنهم، والسلف الصالح.

ثانياً: منهج التغيير

ينبثق منهج التغيير من قناعة جماعات الاسلامويين والجهاديين أنّ كثيراً من ممارسات المسلمين اليومية هي بعيدة عن الإسلام النموذج، وأنّهم مطالبون من الله تعالى بتغيير هذا الواقع (غير الإسلامي) والعودة الى زمن الإسلام النموذج، وتغيير عادات وممارسات المسلمين، إلى ما يظنونه التطبيق الحرفي لإسلام الرسول، صلى الله عليه وسلم، وإلا فإنّهم آثمون أمام الله تعالى، ومنهج التغيير باليد أو القوة أو الجهاد أو القتال في سبيل الله تعالى، في المكوّن المعرفي هو أفضل منهج تغيير، كما أنّه أقرب إلى الله تعالى، مستشهدين خطأً، وفق فهمهم، بالآية الكريمة “لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيماً” ( النساء95)

لطارق أبو السعد.

حفريات- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate