حداثة و ديمقراطية

انتشار البروتستانتية(٢).

فأما عن الاختلاف، فقد لاحظ دو بلانكيت أن بعض التيارات كنائسية (أي تدعو إلى جمع كل الكنائس) وبعضها الآخر ليس كذلك، ويضرب مثلا على ذلك بالملتقى المسيحي الدولي بنيروبي عام 2007، الذي فتح باب لقاء تركز على التبادل الروحاني، حيث تبين أن كثيرا من الإنجيليين ضد التعميد، لكونه في رأيهم اختيارا يحق للفرد الراشد الذي رضي بالمسيح منقذا، ولا يحق للطفل القاصر، ومن ثم كانوا يعيدون تعميد الكاثوليك في سن البلوغ. وهذا لا يخالف فقه المعمودية بحسب الفاتيكان فقط بل يخالف مذهب كالفان نفسه في هذه المسألة. ويسوق دو بلانكيت مثلا آخر عن سرّ القربان المقدس (أي لحظة تقاسم الخبز والنبيذ) فبعض الكنائس الإنجيلية تعتبر أنه خاص بمن عُمّد كبيرا بالتغطيس، فيما تقترحه كنائس إنجيلية أخرى لكل الحاضرين، بغير تمييز.

وأما عن صلة تلك التيارات بالشعبوية السياسية فتتجلى في فترة حكم جورج بوش الابن، الذي شجع وكلاء التبشير الأميركان وكذلك الكوريين والبرازيليين على نشر الديانة البروتستانتية الإنجيلية في العراق ومنطقة القبائل في الجزائر وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، لمواجهة ما يسمونه “الإسلام الشيطاني”. مثلما تتجلى الآن مع ولاية ترامب، برغم ظهور أشكال إنجيلية جديدة تقطع مع نزعة المحافظة البوشية، حيث ينتمي الإنجيليون اليوم إلى حركات احتجاجية واجتماعية وإيكولوجية وتجريبية.

وقد تمكنت الحركات الإنجيلية في وقت وجيز من تشكيل وزن سياسي هام في عدد من الديمقراطيات الغربية، بل صارت مصدر التحولات الشعبوية في كثير من البلدان، فهي التي ساهمت في وصول زعيم اليمين المتطرف جايير بولسونارو إلى سدة الحكم في البرازيل، وهي التي أوصلت قبله دونالد ترامب إلى السلطة، وهي التي دفعته إلى تأييد سياسة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ونقل عاصمة الكيان الصهويني إلى القدس. كل ذلك بتمويل من الأثرياء الأميركان وحكومتهم، حتى أن الكاردينال غودفريد دانيلس، أسقف مالين – بروكسل ندد عقب زيارة أداها إلى أميركا اللاتينية بتناسل الطوائف المسيحية في البرازيل عن طريق ضخ ملايين الدولارات، للحد من نفوذ الكنيسة الكاثوليكية.

تلك الكنائس الإنجيلية في أميركا اللاتينية بدأت تنتشر منذ مطلع السبعينات على أطراف المدن الكبرى، في الأحياء التي تناستها الدولة والمصالح العامة، بفضل الحركات الاجتماعية ونقابات العمال، وأحزاب اليسار، حيث بادرت بفتح أبوابها لاستقبال الفقراء وضعاف الحال. وقد ازدهرت المذاهب بأنواعها – معمدانية، كالفانية، ميتودية، خمسينية – وأضحت تستقطب الناس تحت مسميات عديدة كرابطة حياة الله، الحياة الجديدة، مجمَع الله، أو الكنيسة الكونية لمملكة الله في البرازيل التي يديرها الأسقف الشهير إدير ماسيدو، صاحب ثاني شبكة تلفزيون في البلاد. تلك الكنائس تنخرط في الميديا والسياسة والأنشطة الثقافية، دون أن يربطها رابط واضح غير الوقوف مع زعيم اليمين المتطرف بولسونارو الذي رفع شعار “البرازيل فوق كل شيء. الله فوق الجميع!” لأنها كانت تؤيد تنديده بزواج المثليين والإجهاض والجندرة.

في إسرائيل أيضا توجد جماعات إنجيلية قدمت أساسا من الولايات المتحدة، اختلطت بالمستوطنين داخل المستوطنات التي أقامها اليهود في الضفة الغربية، والتي يسمونها كما يسميها الصهاينة “يهودا والسامرة”، وتساعدهم في أعمالهم وفي حياتهم اليومية. وقد قررت تلك الجماعات البقاء لتشهد النبوءة التوراتية التي تعلن عودة كل اليهود إلى أرض إسرائيل، كمقدمة لعودة المسيح، وإقامة مملكة الله على الأرض لمدة ألف عام. وقد وجدت فيها حكومة اليمين المتطرف سندا دينيا، باسم عقيدة بروتستانتية قائمة على قراءة محرَّفة للنص الديني، وسندا ماليا حيث ما انفكت تضخ بلايين الدولارات لتمويل المؤسسات اليهودية. وكان نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس في ديسمبر 2017 بمثابة انتصار لليمين الإنجيلي الأميركي، قاعدة دونالد ترامب الانتخابية.

ولم تسلم فرنسا هي أيضا من هذه الظاهرة التي طغت على الكنيسة البروتستانتية بوجهيها التقليدي واللوثري، حيث ما فتئت الكنائس الإنجيلية تتنامى بشكل ملحوظ، حتى فاق عددها 2500 كنيسة، تستقبل أعدادا متزايدة من الشبان والمهمشين. ويفسر سيباستيان فات، عالم الاجتماع المتخصص في تلك الحركات، ذلك الإقبال بالعوامل التالية: أولا توافد إنجيليين مهاجرين من أفريقيا وفيتنام ولاوس وكوريا وسريلانكا والبرازيل، فضلا عن جزر الأنتيل. ثانيا حملات التبشير الميدانية، وطريقة الاستقبال التي تقدم للمستضعفين والمرضى. ثالثا، الأساليب العصرية التي يقام بها القداس، حيث غالبا ما يُرافق العبادةَ رقصٌ وإنشاد، كما في شريط Sister act لإميل أردولينو، خلافا للاحتفالات الكاثوليكية والبروتستانتية التقليدية، التي تتسم بالتقشف.

والخطر يكمن في أن الإنجيليين ينتمون إلى كنائس مستقلة، تمتح من بروتستانتية راديكالية يلهج بها قساوسة نصبوا أنفسهم بأنفسهم، ودأبوا على النهل من التوراة لدوافع صراعهم الشرس ضد المثلية والإجهاض وممارسة الجنس خارج الزواج والبحث في خلايا الأجنة أو القتل الرحيم. وهم إلى ذلك يرفضون كل عمل تأويلي وتأريخي للنصوص المقدسة، ويعترضون على الداروينية، ويستغلون حسن نوايا شعوب أفقرتها العولمة بتكثيف وعود “الشفاء” و”تبديل المعتقد” و”الازدهار”. كما أنهم مبشرون نشيطون، يقاومون كل شكل من أشكال التسامح الأخلاقي في القول والفعل، ويتصدون للحداثة التي تعتبر في رأيهم غريبة عن الله. تلك التيارات الإنجيلية تُصدَّر إلى أميركا اللاتينية وإلى المدن الآسيوية والأفريقية الكبرى كعودة إلى الأصول، تغلب عليها العاطفة والبساطة وسهولة الدخول في الدين الجديد، وعمليات علاج نفسية براغماتية تُقترح على الإحباط الفردي والجماعي، معززة بقنوات تمويل قوية. ولئن رأى بعض الملاحظين في هذا الانتشار وسيلة لتعديل الكفة مع الإسلام الراديكالي، فإن آخرين يبدون قلقهم من هذا التطور المنحرف للبروتستانتية التي كانت على مرّ التاريخ في طليعة الأفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وباتت ضمانة أخلاقية ودينية لأبشع معارك الرجعية والشعبوية.

لأبو بكر العيادي.

الجديد موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate