المرأة

النساء اللامرئيات(٢).

مصاعب متراكمة في عالم غير عادل 

يتنامى التمييز بين الرجال والنساء عند التقدم بالعمر، فبينما يُنظر إلى الرجال المسنين على أنهم حكماء محنكون وذوو خبرة، تواجه النساء ضغطاً لإخفاء المظاهر الجسدية للشيخوخة التي تعتبر غير جذابة أو مقبولة اجتماعياً، أو تصبح سبيلاً للإقصاء أو الاستخفاف. وتتم في الكثير من الأحيان موازاة فقدان الخصوبة والقدرة الإنجابية والشباب الجسدي بفقدان الأهمية والأثر الاجتماعي. سأحاول تفنيد بعض المصاعب وأوجه التمييز المباشرة التي تواجه النساء المسنّات: 

العنف

ليس لدينا صورة واضحة ومتكاملة عن ظاهرة العنف الواقع على النساء المسنات، ولا فهم كافٍ لدوافعها وتجلياتها ونتائجها المباشرة وطويلة الأمد، إلا أننا نعلم أنها مشكلة حقيقية، وأن الجهود للحد منها لا زالت متواضعة ولا تحتل بأي شكل مكانةً متقدمةً في أولويات الحكومات أو المجتمعات أو حتى المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان. ويعود غياب هذه الصورة إلى العديد من الأسباب، أهمها نقص كبير في المعلومات، فحتى في الدول التي تقوم بجمع منهجي حثيث للمعلومات وتبني الاستجابة الحكومية والسياسات على حقائق وأدلة، فإن المعلومات المجموعة لا تأخذ خصوصية النساء المسنات بعين الاعتبار، فالكثير من المعلومات حول الظروف المعيشية للمسنين ليست مقسمة حسب الجنس، وكذلك المعلومات حول العنف الواقع على النساء، أو أوضاعهن المادية أو المعيشية، ليست مقسمة حسب الفئات العمرية. أدّى غياب هذه المعلومات أيضاً إلى أثر سلبي في فهم  الكثير من الأمراض والشؤون الصحية والاستجابة لها، حيث تتجاهل الكثير من دوائر البحث والدراسات الأكاديمية والسياسات العامة وجِهات تقديم الخدمات الظـروفَ الصحية والأمراض البدنية والعقلية المتصلة بفترتي ما بعد سنّ اليأس وسنّ الإنجاب، مما يؤدي إلى افتراضات خاطئة (مثل أن الأمراض القلبية والدموية هي أمراض تخص الرجال أكثر من النساء) تترك النساء المسنّات عرضة لمظالم صحية كان من الممكن تفاديها.  

تغيب الصورة أيضاً بسبب تصور نمطي وغير واقعي للإجحاف والعنف الواقع على النساء المسنات. فبينما يجلب ذِكر العنف ضد المسنات إلى الأذهان أمثلة صريحة ومباشرة، كتعرض نساء مسنات للضرب أو التعذيب، فإن العنف الواقع عليهن هو أوسع من ذلك بكثير، ويأخذ أشكالاً عصية على الإدراك بدون تمعن واهتمام، فهو يمتد ليشمل العنف الفيزيائي والنفسي والجنسي والمالي، وكذلك الإهمال والإهانة والحط من الكرامة، وقد يقع من قبل الأقارب من أزواج أو أولاد أو أحفاد، وأيضاً من قبل الدولة ومقدمي الخدمات الصحية أو الاجتماعية، وكذلك الغرباء، سواء في الحياة اليومية أو الفضاء الافتراضي.

وتتفاقم احتمالات التعرض لهذا العنف عند تضاؤل السبل لمقاومته أو الوقاية منه. سنرى في أشكال التمييز اللاحقة أن التقدم بالعمر يترك النساء وحيدات وفقيرات، ويقلل من قيمة ما يقلنه، وكل هذه أسباب مباشرة لتفشي العنف وتضاؤل القدرة على الحد منه أو محاسبة فاعليه.

العمل المدفوع والأدوار الرعائية

تقع معظم الأدوار الرعائية والخدمية غير المأجورة أو متدنية الأجر على النساء، وبينما قد يصاحب هذه الأدوار بعض المكانة والقليل من الحقوق أو التقدير في سن الإنجاب، فإن التقدم بالسن يقلل القيمة الاجتماعية المبنية على الخصوبة بينما يُبقي على الأدوار الرعائية والخدمية، حيث تشكل الجدات والنساء المسنات قوة عمل مركزية لرعاية الأطفال في عالم رأسمالي لا يفتأ يرمي مزيداً من الأثقال على عاتق النساء بدون أن يقدم بالمقابل خدمات تُمكّنهن من موازنة مهامهن الكثيرة. ويترك النساء أمام خيارات قليلة، أولها أن تقوم نساء أخريات بالعناية بأطفالهن، كالجدات أو نساء الأسرة غير العاملات، أو اللواتي ليس لديهن أولاد، أو نساء يقمن بالأعمال الرعائية بأجور زهيدة وظروف عمل مجحفة. 

تربط الكثير من المجتمعات مكانة النساء بقدرتهن على الإنجاب، وخاصة على إنجاب الذكور، ويؤدي هذا الربط الى إضفاء صورة نمطية دونية على النساء المسنات ممن لم تعد لديهن أدوار إنجابية، وتمتد هذه الصور النمطية إلى تَصوّر النساء المسنات كعبء على عائلاتهن ومجتمعاتهن ودولهن، وتوجه المشاعر والسلوكيات إزائهن تارة نحو الشفقة والمكرمة وطوراً نحو التململ والاستثقال. 

يؤدي هذا الربط أيضاً إلى ازدياد احتمالات أن تبقى النساء المسنات وحيدات، فبينما تعيش النساء أكثر من الرجال، وتتزوج معظمهن من رجال يكبرنهن سناً، يصبح احتمال ترمّلهن أعلى من الرجال، وتلعب الصورة النمطية وحصر العلاقات في أشكال ضيقة مقبولة اجتماعياً، وعلى رأسها الزواج بصفته مؤسسة إنجابية، دوراً كبيراً في بقاء النساء المسنات وحيدات. 

في سوريا، قام قانون الأحوال الشخصية بمأسسة الدور الرعائي للنساء المسنات، حيث نص القانون أنه يشترط في الرجل الحاضن زيادة على الشروط التي تترتب على الأنثى الحاضنة: «أن يكون عنده من يصلح للحضانة من النساء»، وكذلك نص على ترتيب الحق بحضانة الأطفال «للأم، فللأب، فلأم الأم وإن علت، فلأم الأب وإن علت، فللأخت الشقيقة، فللأخت لأم، فللأخت لأب، فلبنت الشقيقة، فبنت الأخت لأم، فبنت الأخت لأب، فللخالات، فللعمات، بهذا الترتيب ثم للعصبات من الذكور باستثناء الأب على ترتيب الإرث». علماً أن دخول الأب على هذه السلسلة تم بتعديل لقانون الأحوال الشخصية في عام 2019، فقبله كانت الحضانة «للأم، فلأم الأم، فلأم الأب …الخ». 

كما تعاني المسنات من التمييز في التوظيف، فمن جهة ينظر لهن بوصفهن أقل إمكانيات ونشاط، مما يدفع المجتمع لعزلهن في أعمال جزئية غير مستقرة وغير رسمية، وبمعدلات أجور متدنية. وهذه هي المهن التي شهدت أعلى تأثر بجائحة كوفيد. وبينما تتصاعد آليات إدماج لأصحاب الإعاقة بشكل مضطرد، لا تزال التعديلات التي يحتاجها بعض المسنين والمسنات موصومة وليست ذات أولوية. 

ولأن العمل الرعائي يستمر، وقد يتصاعد مع التقدم بالسن، حيث تعتبر الجدات أداة أساسية في العمل الرعائي في الأسر، خاصة تلك التي تعيش في دول لا تقدم فيها الحكومة خدمات رعاية أطفال مجانية وجيدة، إذ يصبح تمكّن الأمهات الشابات من العمل معتمداً على تمكّن الجدات من رعاية الأطفال. كلما ازداد دخول النساء إلى سوق العمل في مجتمع رأسمالي استغلالي لا يعطي أولوية لمؤسسات رعاية أطفال صحية ومناسبة ومجانية، كلما ازداد استغلال النساء المسنات في الدور الرعائي المجاني، وزاد من احتمالات تعرضهن للتمييز والاستغلال. 

ونرى هذا التصاعد أيضاً في الهجرة من الريف إلى المدن الكبرى، حيث يهاجر الشباب والشابات تاركين الأطفال تحت رعاية الجدات في المناطق الريفية، وكذلك دور الجدات في رعاية اليتامى أو أولاد وبنات المفقودين، مما يرهق الموارد المتدنية أصلاً للمسنات، خاصة عندما يكن المعيلات الوحيدات في دول ليس فيها حماية اجتماعية. 

سوء ظروف التوظيف للمسنات والتصاعد في العمل الرعائي يعني أن احتمال وصول المسنات إلى سن التقاعد من عملهن المدفوع أقل من نسبة وصول الرجال. اليوم، ثلث المسنين لا يحصلون على تقاعد، و 65 بالمئة ممن لا يحصلون على تقاعد هم من النساء، وعلى الرغم من شح المعلومات الحقيقية في الكثير من أنحاء العالم بسبب عدم وجود إحصائيات دقيقة مقسمة حسب العمر والجنس في الاقتصاد غير الرسمي، فإن الإحصائيات المتوفرة من أوروبا تعطينا فكرة عن الصورة المؤلمة لحياة المتقاعدات اللواتي يواجهن فجوة تقاعدية ضخمة بين النساء والرجال تبلغ 37.2 بالمئة، بينما الفجوة في الدخل قبل التقاعد هي 14 بالمئة.

التعلّم 

تعتبر الرأسمالية التعليم استثماراً سيعود عليها بالمنفعة، فتوجه هذا الاستثمار إلى الأصغر سناً، على أمل زيادة مكانتهم في سوق العمل، وبالتالي قوتهم الشرائية وضرائبهم. ولا ترى هذه النظرة في تقديم فرص التعليم للمسنين والمسنات استثماراً ناجحاً، لذا لا تزال هناك قيود إدارية على العمر في الجامعات، وكذلك على الحق بالحصول على قروض التعليم، كما يواجه الكثير من المسنين والمسنات الذين يسعون للتعلم بالرغم من هذه المصاعب وبالرغم من الفجوة التعليمية بين الجنسين التي تراكمت عبر الوقت، الكثير من الضغط الاجتماعي والاستهزاء بالرغم من أن التعلم والنشاط المعرفي لهما أثر كبير على الصحة الفيزيائية والعقلية عند التقدم بالعمر. تتأثر المسنات بهذه الظاهرة بشكل إضافي ومجحف، فمن جهة، المسنات أفقر من المسنين بسبب قضاء معظم عمرهن في أدوار رعائية غير مدفوعة أو مدفوعة بشكل متدنٍ وغير عادل، أو عمل معظمهن في الاقتصاد غير المنظم، مما يعني أنهن لا يحصل على تقاعد، وبالتالي فإن قدرتهن على تمويل تعليمهن في السن المتقدم تبقى أقل من المسنين الرجال. من جهة أخرى فإن مستوى التعليم لدى النساء المسنات متأثر بقدرة أقل على الحصول على التعليم عندما كنّ طفلات وشابات، فالنسبة الأعلى من الأمّية هي بين النساء اللاتي يشكّلن ثلثي الأميين في العالم لأن الاستثمار في تعليم الصبيان والرجال أعلى تاريخيًا. 

كما تعاني النساء المسنات من قلة الإلمام بالمهارات العصرية، خاصة التكنولوجيا، بسبب الوقت المنقضي خارج القوى العاملة مدفوعة الأجر أثناء تقديم الخدمات الرعائية، مما يزيد من انعزالهن وأحياناً يقلّل من قدرتهن على الوصول إلى الخدمات الحكومية او الخاصة.

الوحدة

تسود في الكثير من المجتمعات افتراضات خاطئة بأن النشاط الجنسي والرغبة بالجنس لدى النساء مرتبطان بالخصوبة والقدرة على الإنجاب والميول الجنسية الغيرية. إلا أن هذا الافتراض الخاطئ لا يمتد إلى الرجال المسنين. حيث يقدم المجتمع خيارات مقبولة اجتماعياً للرجال المسنين للبحث عن العلاقات والرغبة بالزواج مهما أمعنوا في السن، بينما توصم العلاقات الشخصية والعاطفية للمسنات، ويتوقع منهن أن يبقين وحيدات، مما يزيد من استبعادهن الاجتماعي ويسم سنواتهن الأخيرة بالوحدة والكآبة والاعتماد الاجتماعي على الأبناء والأحفاد إن وجدوا، أو على العائلة الأكبر. وتؤدي المحرمات الاجتماعية والمفاهيم الرجعية حول الحقوق الجنسية والإنجابية لدى كبار السن إلى استثنائهن من الحصول على المعلومات والخدمات، وكذلك إلى ثغرات في السياسات الاجتماعية والصحية. يتراكب هذا التمييز على النساء المثليات ومزدوجات الميل الجنسي ومغايرات الهوية الجنسانية وغيرهن من النساء متنوعات الهويات والميول الجنسية، حيث يزداد التمييز ضدهن من قبل مقدمي الخدمات الصحية والاجتماعية مع التقدم بالعمر، ويُفترض أن الحاجة للخدمات الصحية الجنسية والإنجابية محصورة بالنساء المغايرات جنسياً والمتزوجات. كما يؤدي تجريم الميول الجنسية المثلية إلى قيام النساء من ذوات الهويات والميول الجنسية المثلية أو المتنوعة غير الغيرية إلى تجنب التماس الخدمات الصحية الجنسية والإنجابية، ما يتركهن عرضة لأمراض كان من الممكن تجنبها برعاية صحية منتظمة، ويزداد هذا الخطر بشكل مضطرد مع التقدم بالسن. 

كما أن القيود الاجتماعية الملقاة على عاتق الكثير من النساء، كعرقلة حقوقهن في اتخاذ قرارات حرة ومستنيرة حول حياتهن وترتيباتهن المعاشية وخياراتهن الاجتماعية وإدارة دخلهن وممتلكاتهن تزداد وتتراكب مع السن. فمثلاً ترى بعض المجتمعات المحافظة ضرورة وجود محرم مع المرأة للخروج من المنزل، وتجد الأمهات الشابات في أطفالهن منفذاً للحصول على بعض حرية الحركة باصطحابهم معها في قضاء الاحتياجات والتحرك ضمن المجتمع، إلا أن هذه الفرص تتضاءل بشكل كبير عند التقدم بالسن واستقلال الأبناء، مما يزيد من عزلة ووحدة المسنات. 

حتى الحراكات التحررية، بما فيها النسوية، تشارك في وصم المسنات، حيث يتم الخلط بين ضرورة تنويع الحراك التحرري والنسوي ومشاركة الأدوار القيادية بين مختلف المجموعات العمرية وإتاحة الفرص للشباب، وبين وصم المسنات والمسنين بالمحافظة والسلبية وغياب الفكر التحرري والممارسة الثورية، مما يستدعي «تمرير الشعلة» للشابات والشباب، متناسين أن الثورية أو المحافظة هي خيارات شخصية موجودة لدى مختلف الأعمار، وأن مسني اليوم كانوا شابات وشباب الأمس وثاروا وقدموا الكثير من الطروحات التقدمية التي لا يزال بعضها أكثر ثورية من الكثير من الطروحات الإصلاحية التي يطرحها شباب وشابات اليوم. 

الفقر

تسود العالم ظاهرة تسمى «تأنيث الفقر»، وتتجلى بأن النساء الفقيرات أكثر من الرجال الفقراء، وأن الفقر الذي تعاني منه النساء أشد من فقر الرجال، وأن الفقر بين النساء آخذ في الازدياد.

تعاني النساء المسنات من الفقر والإقصاء الاجتماعي والتمييز بحدة أكبر مما يعانيه المسنون من الرجال. إذ أن التمييز الذي تعانيه المرأة منذ الولادة، والذي يأخذ أشكالاً مختلفة كحصص غذائية أقل، أو قدرة أقل على الحصول على الرعاية الصحية، ومعدل تعليمي أدني، والمعاناة من العنف والتمييز القانوني والممارساتي، يتفاقم عند التقدم بالعمر، وازدياد احتمالات الوحدة والإهمال، وكذلك الصور النمطية عن النساء المسنات، ما يعني أن تجربة النساء مع التقدم بالعمر أكثر وطأة وإجحافاً.

الحقوق غير المتساوية في وراثة الأصول عن الأزواج تؤدي مباشرةً إلى إفقار النساء (القانون السوري مثالاً، حيث يتّبع الشريعة الإسلامية بأن ترث الزوجات ربع ميراث الزوج -أو الثُمن إذا كان له أولاد-؛ بينما يرث الأزواج النصف -الربع إذا كان للمتوفية أولاد-) يضاف هذا إلى أعراف وممارسات اجتماعية تعني أن النساء في الكثير من الأماكن لا يحصلن على الإرث المقدر لهن قانوناً، أو لا يملكن الأصول لأن الرجل هو الذي يقوم بالعمل المأجور فينظر إلى دخل الأسرة كدخله الشخصي، وبالتالي يتملك الأصول باسمه، بينما تقوم النساء بالقسط الأعلى من العمل الرعائي الذي يعتبر مجانياً. يؤدي هذا، بالإضافة إلى غياب مفهوم المنزل الأسري عن الكثير من القوانين، إلى تعرض المسنات من الأرامل والمطلقات للطرد من بيوتهن وتركهن للفاقة والعوز. 

فالتوزيع غير العادل للثروة، وكذلك للحصة من العمل في المجتمعات الذكورية الرأسمالية يؤدي إلى أثر متفاوت ومجحف على النساء. فبينما تمتلك النساء أقل من 10 بالمئة من الدخل في العالم، فإنهن يقمن بثلثي مجمل العمل (بشقيه المأجور وغير المأجور). ولأن النساء، خاصة في المجتمعات الفقيرة، يعملن في سوق العمل غير الرسمي (الزراعة والأعمال الخدمية والرعائية الخ)، فإن ذلك يحرمهن من الأمان الاجتماعي عند التقدم في السن، حيث لا تُمنح هذه الأدوار رواتب تقاعدية ولا تأمينات صحية، ويؤدي حصر ممتلكات الأسرة بالرجل إلى تضائل قدرة النساء على الاستفادة من العوائد، كما تبقى استفادتهن مرهونة بالمكانة في الأسرة، فبينما قد تتوقع الأمهات والجدات والأخوات والبنات حصة من عوائد الثروة التي يملكها رجال الأسرة، تبقى هذه الاستفادة مرهونة باستمرارية المكانة الاجتماعية (استمرار الزواج، القدرة على الإنجاب وبالأخص إنجاب الذكور، وأن يكون الرجال الذين يصلون النساء بالثروة أحياء وموافقين على اكتساب النساء للمال) وكذلك بخضوع النساء للتوقعات الاجتماعية الذكورية، كالتفاني والإخلاص والتأدب في مجتمع لا يتفانى لأجلهن ولا يعاملهن بإخلاص ولا بأدب.

نهايةً، تقع مهمة إنصاف النساء المسنات ومنحهن كافة حقوقهن وتمكينهن من العيش بحرية وكرامة على عاتق الدول، إلا أن هذا لا يُحلّنا كأفراد ومجموعات من مسؤولية تغيير الصورة النمطية للمسنات وتقييم دورهن الرعائي والاجتماعي والفكري، وإعادة تصوّر عقد اجتماعي يحفظ كرامات الجميع، ويعينهن على تقدم العمر ويعوض عن انتهاكات مديدة. علينا الانتقال من حل «المشاكل» التي يسببها تقدم فئة كبيرة من السكان بالعمر، نحو النظر إلى دورهن وقيمتهن، وحل المشاكل التي تضعها الرأسمالية والذكورية في مواجهتهن بشكل قسري. 

في عام 1952 كتبت نازك الملائكة قصيدة  ثقيلة ومؤلمة، سمتها مرثية امرأة لا قيمة لها، وبدأتها بأبيات طاعنة في الصميم:

ذهبتْ ولم يَشحَبْ لها خدٌّ ولم ترتجفْ شفاهُ

لم تسْمع الأبوابُ قصةَ موتها تُروَى وتُروَى

لم ترتفعْ أستار نافذةٍ تسيلُ أسىً وشجوا

لتتابعَ التابوت بالتحديقِ حتى لا تراهُ

إلا بقيّةَ هيكلٍ في الدربِ تُرعِشُه الذِّكَرْ

نبأ تعثّر في الدروب فلم يجدْ مأوىً صداهُ

فأوى إلى النسيان في بعضِ الحُفَرْ

يرثي كآبتَه القمرْ.

سأختم هذا المقال بدعوة للجميع لتذكر نساء مررن وذهبن بدون حقوق أو تعويض أو تقدير أو شكر أو رثاء، نساء قضين حياتهن في الرعاية ثم بقين وحيدات وغادرن قبل أن تُرد المظالم أو تُحقق المكاسب. فلنعمل اليوم، فرادى وجماعات، كي تكون حيواتهن الصعبة تاريخاً قاتماً يتبعه مستقبل أفضل، ويكون عملهن وإرثهن الباقي فينا جميعاً لبنة التغيير نحو عالم أعدل. 

لليلى العودات.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate