المرأة

الأمومة اليوم (٦).

لم يعد التديّن الحديث يرى «الما وراء» فوق الرؤوس بل في رحم الأمهات، فالأمومة اليوم مشبعة بما تبقى من الشعور الديني بعد انحسار التدين.

وفي الوقت نفسه، صارت صعوبة إدارة التكاليف الاقتصادية والشخصية لإنجاب الأطفال قضية تتطلب حواراً وتضامناً وطنيين، لسبب بسيط وهو أن الطفل البشري يولد «غير مكتمل»، وغير قادر على الاستقلال الذاتي الكامل ولا حتى لفترة زمنية قصيرة.

هل يجب أن تكون هناك إجازة والديّة (إجازة ما بعد الولادة) لكلا الوالدين؟ أم للأم فقط؟ هل يجب أن تكون إعانات الدولة لكل طفل أم للطفل الثالث فقط؟ نقاشات كهذه لا تزال مستمرة في فرنسا مثلاً حتى اليوم.

هكذا تضعنا الأمومة اليوم إذن وجهاً لوجه مع معضلات العولمة – ولعل أبرزها مواجهة عدم قدرتنا على حل المسألة الرأسماليّة المتعلّقة بالتكاثر البشري سياسياً.

– أخيراً، وفّرت لي تجربتي كرئيسة للمجلس الوطني للمعوّقين اتصالاً بعدد من «الأمهات الشجاعات»: أي أمهات الأطفال المعوّقين، الأطفال ذوي الإعاقات الاجتماعية والتعليمية المختلفة. كما يعلم الجميع، فإن الأم هي التي «تدبّر أمر» الطفل و«تعتني به» في المقام الأول، على الأقل في معظم الحالات. مهما كانت أم الطفل «المعوّق» أو «المضطرب» منهكَة، فستظّل مقاتلة. خوفها الوحيد هو الخوف مما سيحدث لطفلها «بعد وفاتها». فطالما كانت الأم على قيد الحياة، فهي موجودة لتضمن الحياة لطفلها بأفضل ما لديها، مهما كانت الظروف. وبما أن «أزمة القيم» التي نمر بها اليوم، ويتحدث عنها الجميع، تُبقي المجال فعلياً لقيمة واحدة فقط يناصرها الجميع وهي قيمة «الحياة» بحد ذاتها (حق العيش) – يمكن إذن اعتبار «الأمهات الشجاعات» حجر الزاوية في حضارتنا اليوم، تلك الحضارة التي فقدت مرجعياتها.

في سياق هذا «اليوم» الذي وصفته آنفاً من خلال معالجة هذه المواضيع الثلاثة، لا يزال هناك شيء مفقود. ما نفتقر إليه هو التأمل والتفكير بما أسميه (الولَه الأمومي).

بعد فرويد ولاكانسيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي. وجاك لاكان، المحلل النفسي الفرنسي الشهير الذي أعاد قراءة فرويد قراءةً ألسنية. (المترجم)، كان التحليل النفسي منشغلًا إلى حد كبير بـ «الوظيفة الأبوية» – الحاجة إليها وأشكال إخفاقاتها وبدائلها وما إلى ذلك. يبدو أن الفلاسفة والمحللين النفسيين قد وجدوا إلهاماً أقلّ للبحث في «وظيفة الأم»، ربما لأنها ليست وظيفة، بل هي بشكل أكثر دقة «ولَه».

حتى مصطلح «الأم الجيدة بما فيه الكفاية»، الذي ابتكره وينيكوتدونالد وينيكوت طبيب أطفال ومحلل نفسي إنكليزي. (المترجم)، المحلّل النفسي الشهير الذي أخذ هذا الموضوع أبعد من فرويد، يجازف بالتقليل من العنف العاطفي لتجربة الأمومة.

سأقترح هنا إذن الفرضية التالية: إن كانت الثقافة الحديثة، ولا سيّما وسائل الإعلام والرأي العام «تبالغ في تقدير قيمة فعل الحمل»، فإنها تقوم بذلك لتتمكن من تجنب التساؤل عن ماهية الولَه الأمومي. ربما يكون وله الأم هو التولّع الوحيد الملموس، الذي يمكن اعتباره حقيقياً وغير خاضع للتلاعب والتشويه، بل إنه الوله العاطفي الذي يشكل النموذج الأوليّ لعلاقة الحب.

فكما ذكرنا آنفاً، وحدها العلاقة الأمومية هي ما يمثل الرابط «المقدس» في عالمنا الحديث، الذي يتم استثمار الأديان فيه بشكل مبالغ به، في الوقت نفسه الذي تعاني فيه تلك الأديان انحداراً وتراجعاً. إضافة لذلك، أعتقد أنه ونظراً لتعقيد هذا الولَه (الأمومي)، فإن الأمهات أنفسهن يشاركن، بشكل أو بآخر، عن غير وعي، في التعتيم عليه: إذ يفضّلن الاستفادة من هذه المَثلَنة(Idealisation)، أي إضفاء الطابع المثالي، ورؤية الجوانب الجيدة فقط. (المترجم)، ومن إيديولوجية الرحم كمكان لعملية الحمل المقدسة والتسويق لما يمكن تسميته «الطفل الكامل» أو «الطفل الملك»أي الاهتمام بالطفل ورغباته واحتياجاته كالملوك، واعتبار ذلك محور التجربة الأمومية. (المترجم)، يُفضّلنها على موازنة متأنيّة للمخاطر والمنافع التي يحملها هذا الولَه لهن ولأطفالهن وللأب وللمجتمع ككل. بالنتيجة، لن يتبقّى، على ما يبدو، أمام الأمهات من طريق للتعامل مع المشاكل البيولوجية والفيزيولوجية والاقتصادية والإيديولوجيّة للأمومة التي أشرتُ إليها في مقدمتي، سوى محاولة التصّالح مع غموض هذا الوله.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يمكننا استبدال هذا الإنكار لوله الأمومة الذي نراه في وسائل الإعلام، وكذلك في المعالجة البيولوجية والاجتماعية للأمومة، باستكشافٍ متأنٍ لمخاطر وفوائد هذه التجربة؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه الأمومة اليوم كما أراها كأمّ ومحللة نفسية وكاتبة. لذلك سأحاول إقناعكم بأن الأمومة ليست «غريزة»، ولا يمكن اختزالها إلى «رغبة في إنجاب طفل». إذ ماذا يمكن القول إذن عن الرغبة في عدم الإنجاب؟ (كانت ماريليا أيزنشتاينمحللة نفسية فرنسية معاصرة. (المترجم) قد ألمحت إلى هذا من قبل). وأن الأمومة هي احتلالٌ لذات للأم يدوم مدى الحياة وما بعدها.

1- يجب أن نميز بين الولَه والعاطفة. الأمومة ولَهٌ بمعنى أن العواطف (كالتعلّق أو العدوانية تجاه الجنين وبعدها الرضيع والطفل) تتحول إلى حبّ (مثلنة، تخطيط لمستقبل الطفل، تفاني في تربيته) مع تحجيم الكراهية المرافقة عادة لدرجة أو لأخرى. تقف الأم على مفترق طرق بين البيولوجيا والمعنى في وقت مبكر من الحمل: أي أن وله الأم ينزع السمة البيولوجية عن الارتباط بالطفل، دون أن ينفصل تماماً عن البيولوجي، في حين تسلك مشاعر التعلق والعدوانية طريقها نحو التساميالتسامي أو التصعيد هو تغيّر يطرأ على الطريق الذي يسلكه دافعٌ ما، بحيث يتمّ التعبير عن الطاقة النفسية ذاتها من خلال ما هو مقبول اجتماعيّاً، مثال: تسامي الدوافع العدوانية تجاه الأب عند شاب ما، عن طريق ممارسة رياضة قتالية (الدافع يحافظ على طبيعته وقوّته لكنّه يغيّر هدفه بحيث تصبح العملية مقبولة اجتماعياً وقادرة على النجاة من الكبت). (المترجم).

كل هذا يبدأ بِولَه المرأة الحامل بنفسها، «نفسها» التي تعكس نرجسية مُعززَّة ومُزعزَعة في آن: أي أن المرأة الحامل تفقد هويتها، لأنها تنقسم، في أعقاب تدخل الأب/الحبيب، إلى قسمين، لتؤوي شخصاً ثالثاً مجهولاً، قبل-كائن/غرض عديم الشكل. بعبارة أخرى، على الرغم من هيمنة النرجسية في تلك المرحلة، إلا أن وله الأمهات البدئي يظل مثلثيّاً؛أي بين ثلاث عناصر (الأم، الأب، الجنين) ففي هذه المرحلة لا علاقة ثنائية مباشرة بعد بين الام والجنين. (المترجم) تُظهر النظرة الغائبة أو تلك التي تنظر إلى الداخل، النظرة التي نجدها في لوحات (العذراء وطفلها) في عصر النهضة الإيطالية، مثل النظرات في لوحات جيوفاني بلليني، تُظهر صراحة ما يعرفه الكثير منا: وهو أن المرأة «تنظر» دون «أن ترى» الأب أو العالم؛ إذ أنها تكون في مكان آخر.

ليوليا كريستفا

الجمهوري-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate